لم تشكل تجربة الفنان الفلسطيني محمد بكري علامة فارقة في العمل السينمائي والمسرحي الفلسطيني فحسب، بل إنها شكلته وأعطته هوية فنية ووطنية ذات بعد كوني أفقه مفتوح على كل ما هو إنساني انطلاقا من وجعه الفلسطيني، الذي صاحبه منذ أن رأت عيناه الزرقاوان نور الجليل أول مرة ومنذ أول حكاية روتها لها أمه عن وطن اسمه فلسطين. ممثل سينمائي، ممثل مسرحي، مخرج سينمائي، لا فرق، تعددت الوجوه والموهبة واحدة. «مسارات» التقى بكري، على هامش فعاليات مهرجان دبي السينمائي.
ينطوي فيلمك الأخير «زنديق» على أسئلة كثيرة حتى أن بطل الفيلم، الذي تلعب دوره، يدخل في مونولوج تسيطر عليه الأسئلة والتساؤلات أيضا من نوع لماذا نزحتم؟ لماذا لم تبقوا؟ لماذا لم تغادروا؟ ـ الحقيقة أن الفيلم يطرح عدة تساؤلات ولكن بلغة سينمائية مميزة وواضحة وهي لغة قائمة بذاتها كما اللغة العربية كما الانجليزية. ومن مفردات هذه اللغة السينمائية الصوت، الصورة، الضوء، الموسيقى، المؤثرات الصوتية على مختلف أنواعها، المكان، الزمان، أي أننا نقف على بحر من المفردات.
فالتساؤلات التي تطرح في الفيلم ليس بالضرورة أن نجد الإجابة عليها، إذ يكفي التساؤل في كثير من الأحيان وإن مجرد طرح السؤال هو بحث وسعي وراء الحقيقة على غرار سؤال «ما العيب في أنكم بقيتم؟ ما العيب الذي فعلتموه؟ لقد سئل هذا السؤال بعد عرض الفيلم وقد أزعجني كثيراً، فأجبت بحدة قائلا: ليس هناك فرق بيني كفلسطيني يعيش داخل حدود الخط الأخضر وبين فلسطيني يعيش في عين الحلوة وبين فلسطيني يعيش في غزة أو في الضفة أو في أميركا، لا يوجد فرق بيننا لأن فلسطين هي شجرة لها جذع وجذور وفروع وأغصان وأوراق ولا داعي لأن أقول من أنا ولا داعي لأن أقول من أي جزء من الشجرة أكون، لكن من المؤكد أني جزء من هذه الشجرة. أعتقد بأني قريب من الأرض كثيراً لأني بقيت هناك ولم يقتلعني أحد وأحارب لكي أبقى هناك ولا أقتلع بل أقتلع من يقتلعني فمجرد بقائي يقتلع الآخر. لماذا زنديق ؟ أنا قلت بحدة هذا الكلام وأضفت بأن الفرق الوحيد والأوحد بيني وبين أي فلسطيني آخر غير موجود داخل الوطن» فهو كان يسأل والده: «ليش تركت» وأنا أقول له: «ليش ضليت». سؤالك يجب أن يطرح بصورة معاكسة تماما.
يبدو أن بطل الفيلم لم يكن واقعا في مأزق ؛ بل إنه كان واقعا بين فكي كماشة، طرفها الأول هو الاحتلال والحواجز والاقتلاع الأول الذي دفعه إلى الهجرة إلى فرنسا وأوروبا والطرف الثاني من الكماشة هم العائلة والعادات والتقاليد فهذا اللفظ كان رهيباً كان بارزاً وواضح المعالم وأوصل الرسالة مئة بالمئة رغم أنها لم تكن مباشرة لكنه أوصلها بجدارة وبشكل جميل ولطيف..
في واقع الأمر، فإن الفيلم ينطوي على كم هائل من النقد الذاتي لمجتمعنا الداخلي المتفكك الذي ابتعد عن الأخلاق وعن الأصول والتربية السليمة وليس فقط البحث والتساؤل وذلك يذكرني ببيت شعر كتبه سالم جبران (كما الأم تحب ابنها المشوه، أحبها حبيبتي بلادي )، فوظيفتي أنا كإنسان قبل أكون ممثلا هي أن أحارب من أجل الحرية والكرامة وأن أقاوم الاحتلال والاضطهاد، وأن أناضل من أجل الاستقلال، فضلا عن محاربة الذات، محاربة ذكوريتي لأنه لا يمكن أن نتحرر إذا كنا نستعبد المرأة بذكوريتنا، هذه أيضا إحدى الأشياء التي يطرحها الفيلم.
هل كان من الضروري أن يكون البطل قادما من الخارج لكي يرى هذه الصور؟
لا ليس بالضرورة، فأنا أعيش في الداخل وأرى تلك الصور التي تعكس الاحتلال والانغلاق والتسكير والتجويع والاضطهاد والعنصرية الموجودة في إسرائيل التي مازالت تتفاقم يوما بعد يوم والتي جعلت هذا الإنسان الشاب ميشيل خليفي، مثل آخرين، يترك البلاد ويسافر من أجل مستقبله. هذه القصة، أي قصة الفيلم ؛ كتبها ميشيل نفسه فهي حكايته ومستوحاة من تجربته الشخصية فهو يعيش في الخارج.
هل يمكن أن نسميها السيرة الذاتية لميشيل خليفي؟
يمكن ذلك، لأن معظم الحكايات التي تشاهدها في الفيلم حدثت مع ميشيل ما عدا القتل ولكن القتل كان لا بد منه لتوظيفه في موضوع النقد الاجتماعي والعصبية القبلية (جلد الذات) وجلد ليست كلمة سلبية هنا، فنحن ننتقد من أجل البناء، فهو يقول، على سبيل المثال، «لماذا أنا مهدد أيضاً مع أني أعيش خارج البلاد؟ لماذا أدفع الثمن؟ حتى متى سنستعمل القبلية في كل شيء نفعله؟
بالعودة إلى اسم الفيلم «زنديق»، لماذا هذا الاسم؟ فأنا لم أر الكثير من الزندقة في شخصيته الرئيسية.
- إذا بحثنا في التاريخ عن حركة الزنادقة، سنجد أنها لم تكن حركة سيئة بل كانت ثورة اجتماعية فكرية على الأصولية الدينية أو التزمت الديني. مواجهة الأصولية والتزمت الديني من أجل الانفتاح، فهم قريبون جدا من الصوفية، لكن هناك من أخذ من هذه الحركة التاريخية أمورا ووظفها لغايات في نفس يعقوب وحرفوا الحركة كلها فأصل كلمة زنديق هي صديق فأصبحت زنديق. صديق لا تمت بصلة إلى شيء سلبي. فهي ليست قضية الإيمان من عدمه، نحن لا نتعامل في الغيبيات وأنا إنسان وجودي ولست كافرا. الفيلم يركز على الجانب الروحي ويطرح العديد من الأسئلة.
دعنا نتكلم عن تجربة محمد بكري عموماً هل أنت راض عن كل هذه الأعمال التي قدمتها من زهرة إلى «جنين جنين» إلى كل أفلامك التي كانت لصيقة بالشأن العام ومن ثم هل أنت راض عن أداء السينما الفلسطينية عموماً؟
لا لست راضيا ولا يمكن أن أكون راضيا ولا أريد أن أكون راضيا . قضيتنا هي قضية الإنسانية جمعاء وليس قضية الشعب الفلسطيني فقط، فأنا عملت أفلاما عن الأرمن وشاركت بفيلم مؤخراً عن الأكراد والمذبحة التي تعرضوا لها، ويمكن أن أعمل فيلما عن اليهود أيضا، لكن ليس يهود إسرائيل طبعا، بل اليهود الذين ظلموا، لكن عندي سلم أولويات ومن سلم أولوياتي فلسطين بلدي، حيث يواصل الشعب الفلسطيني سواء كان في الشتات أو في الداخل في الارض المحتلة دفع الثمن لا يزال لم يتحرر بعد؛ و لا نزال نفقد الشهداء الواحد تلو الآخر فآخر شهيد كان محمود درويش والمسيرة متواصلة، ولذلك مهما فعلت بصفتك كاتبا أو فنانا أو موسيقيا أو عاملا اجتماعيا أو فلاحا أو عاملا.. أنت لا تستطيع أن تكون راضيا عن نفسك لأن الرضا عن النفس هو نهاية الحياة.
هل السينما الفلسطينية واقعة تحت تقسيمات موضوعية مفروضة عليها فرض مثلما هو حال بقية المؤسسات الفلسطينية؟
- لا، لا توجد صناعة سينما فلسطينية أو مؤسسة سينمائية فلسطينية، فلو كان عندنا سينما فلسطينية لكان عندنا عشرات الأفلام في السنة، في مصر ينتجون عشرات الأفلام وفي سوريا كذلك وفي العالم وحتى في إسرائيل، لكن نحن ليس عندنا دولة وليس عندنا مؤسسة سينما كان عندنا أيام منظمة التحرير في بيروت، أما اليوم، ليس لدينا سينما فلسطينية وذلك منذ أن تسلطنت الثورة.
ما قصدته بالتقسيم هو ذلك الواقع الموضوعي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، فأنت، على سبيل المثال، من مناطق الـ 48 وهناك الضفة وغزة والشتات والمهجر. وفي فيلمك الزنديق عايشنا أجزاء من ذلك الواقع وغيره..ما الذي فعله السينمائيون الفلسطينيون إزاء ذلك الواقع المفروض؟
- هناك عدد قليل جداً من السينمائيين الفلسطينيين الذين لا يلحقون الضرر بفلسطين لأن الخشبة بيد المجنون تجرح والسينما ليست لعبة. .السينما شيء خطير جداً إذا أسأت استعمالها تضرك والكثيرون يسيئون استعمالها وهؤلاء خونة أنا اتهمهم بالخيانة فالقانون لا يحمي المغفلين.
رصيد محمد بكري السينمائي
رصيد محمد بكري السينمائي غني بالتجارب السينمائية المتنوعة. شارك في 17 فيلما سينمائيا أبرزها فيلمه «حنا.. ك» في عام 1983 مع المخرج كوستا غافرس حيث شكل الفيلم انطلاقته المبكرة إلى العالمية طرحت فيه لأول مرة قضية حق العودة للفلسطينيين و فيلم «الملجأ» في عام 1987 وفيلم «حيفا» في عام 1995 الذي نال جائزة مهرجان البندقية في عام 1997 وهما من إخراج رشيد مشهراوي، و فيلم «حكاية الجواهر الثلاث» للمخرج ميشيل خليفي، ومشاركته في فيلم «من وراء القضبان 1 و2» للمخرج اوري براباش والتي نال عنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية في عام 1994؛ و فيلم «نهاية كأس العال» لعيران ريلكس ويتحدث عن حرب لبنان الأولى، وشارك في فيلم «درب التبانات» للمخرج علي نصار، كما شارك في السينما الايطالية بفيلم «طفل في بيت لحم» في عام 2000 وفيلم «برايفيت» عام 2004، الذي نال عنه جائزة الفهد الذهبي كأحسن ممثل في مهرجان «لوكارن» عام 2005 وفيلم «ذا لارك فارم» ، أما آخر فيلم لعب دور البطولة فيه فهو فيلم «زنديق» للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفة الذي فاز بجائزة المهر العربي في مهرجان دبي السينمائي.
رصيد محمد بكري المسرحي
شارك بكري في عدة مسرحيات أبرزها مسرحية «المتشائل»، المأخوذة عن رواية «المتشائل» لإميل حبيبي، وقد عرضت المسرحية وترجمت للايطالية، والفرنسية، والألمانية، كما تم عرضها في اليابان وبلغ عدد عروضها 150 عرضا، كما شارك في مسرحية «الياطر» المأخوذة عن رواية لحنا مينه وفي مسرحية «موسم الهجرة إلى الشمال» المأخوذة عن رواية للطيب الصالح، كما أخرج بكري مسرحية «يوم من زماننا» لسعد الله ونوس و«مشهد من الجسر» لآرثر ميلر.
.. ورصيده في الإخراج
أخرج في عام 1998 فيلم «1948»، الذي يروي قصة النكبة بعد مرور 50 سنة و فيلم «جنين جنين» وفيلم «من يوم ما رحت»، الذي حاز على الجائزة الكبرى في مهرجان روتردام عن فئة الأفلام التسجيلية الطويلة، كما حاز في عام 2005 على جائزة أفضل فيلم تسجيلي في مهرجان قرطاج.
باسل أبو حمدة


