تشكل الشهادة جزءاً من نسيج التجربة الشعرية للشاعر، على اختلاف تجربته، ذلك أنها تفتح أفقا غير مرئي على علاقته بالكتابة ورؤيته لعالم الشعر، فضلا عما تلقيه من ضوء على المشهد الشعري، وخصوصية القصيدة، وما تمثله التجربة من إضافة على مستوى الشاعر نفسه وشعراء جيله، الأمر الذي يعني مجمل التجربة الشعرية لجيل كامل، وهذه الشهادات تلقي الضوء على رؤى عدد من شعراء قصيدة النثر من أكثر من جيل في مصر.
الشاعر محمد آدم يقول لا يمكن للحظة الشعرية الراهنة إلا أن تكون بمثل هذا الاختلاف والتنوع القائم، ويضيف: وأما أن تأتى القصائد وكأن يداً واحدة تكتبها، وكأن لساناً واحداً أنشدها، نفس اللغة المخبوزة فى الصناديق الشعرية، ونفس اللحظة الشعرية؛ نفس اللغة التى لا تخرج طازجة من تنور الكتابة الشعرية والبالغ الفوران واللظى، نفس الاسطوانات الشعرية الجاهزة وكأنها أنابيب الغاز المتشابهة اللون والطعم، والرائحة، تكاد لا تلمس فى النص الشعري القادم إلا نفس النبرة بنفس درجة الصوت، نفس الطبقة الموسيقية بنفس الأنين والوثية، وكأنما قد تخلصنا من اشتراكية ماركس وإنجلز، وستالين، لا بالمفهوم الإنسانى ولكن بالمفهومات السياسية والأيديولوجية، لنسقط فى اشتراكية الشعر بكل ما تعنيه هذه الاشتراكية الشعرية من مجانية، فبدلاً من أن تكون قصيدة النثر هى مستقبل الشعر العربي، المستقبل الفاتح ذراعية لطاقة الرؤي والتصورات ولجميع الخيول الراكضة فى الحلبة أن تكون خيولاً لفاتحين غزاة، يحملون فى أيديهم رايات الاكتشاف والانطلاق والمغامرة، والتمرد والثورة، على مستوى البناء واللغة. فإذا بنا ومن الجولة الأولى نكتشف أن هؤلاء الفرسان مصابون بعسر فى الهضم، والأنيميا، وفقر الدم ولين العظام، وتجفيف النص الشعري إلى درجة الصفر.
ثورات التحرر... من جهته يرى الشاعر محمود قرني أن قصيدة النثر جاءت في لحظة مفصلية تتغير فيها ثوابت كثيرة على المستوى المحلى والعالمي في ثورة ما بعد الحداثة والمعلوماتية الهادرة من كل مكان وأيضا في لحظة يتم فيها التشكيك في دور النص الريادي، ولكن السؤال: هل هذه المراجعات مع النص الريادي على مستوى المفهوم تعنى أنه يفقد فاعليته؟ وأتصور أن الإجابة بالنفي أو بالإيجاب لن تكون ذات معنى، لكن المؤكد أن ثورات التحرر في العالم الثالث هي التي «دشنت استرجاع الفرد صوته في الشؤون العامة والخاصة ومهدت لتوسيع حدود طبقات اجتماعية مسحوقة وهو الأمر الذي أعطى قيمة رفيعة لمعنى الالتزام في الفن والأدب..)، فهل يمكننا بطريق آخر الجزم بأن الواقع في العالم الثالث تجاوز مأزقه تجاوزا سليما يرتبط بحركات تحديث حقيقية، تمنح هذه الانقلابات الأخلاقية مبررات الإزاحة؟! قد يكون ذلك صحيحا في جانب منه وهو الأمر المتمثل في حالة السأم العمومية التي أصابت المتلقي بفعل الشعر الفاسد الذي طرح مجموعة من الهلوسات والأمراض باعتبارها تجليات لتقدم النص، وهو تصور يدخل ضمن هذا التاريخ من الهلوسات المشار إليها، وقد حدثت فى بداية القرن ردود أفعال عنيفة ضد الرمزية وضد كل ما هو ذهني، ودعا النقد الغربي إلى الاقتراب من الحياة أكثر، أو نحو «الحقيقة الملموسة» وقد شهدت فرنسا بالفعل تيارا يتبنى هذا الشعر الملموس منذ العام 1910م، إلا أن واقع الشعر الأوروبي تغير تماماً بعد الحرب العالمية الأولى، فقد ظهرت الدادائية والسوريالية لتحطما (قوى النظام والتنظيم الفني تماماً)، ولكن يبدو أن الكائن في العالم الثالث وصل إلى نقطة اللاعودة... لا إلى القيمة، ولا إلى المعنى... وقد يتراجع هذا الشعور إذا ما ارتبط بمشاريع ثقافية وطنية واضحة المعالم حتى لو علمت فى إطار من التدويل.
حمي التهميش... يقول الشاعر فتحي عبد السميع «من يطالع إبداعات الشعراء على مدار العقود الأخيرة، يلحظ بشكل واضح أن المتلقي بشكل عام يفقد تلك الأرض الصلبة التي يستطيع الوقوف عليها وهو يتابع النصوص الجديدة، فالمسافة بعيدة بينها وبين ذائقته، حتى إنه يشعر أمامها بالصدمة التي تقوده إلى موقف وحيد في الغالب، وهو رفض تلك الكتابات، ونفيها عن أرض الشعر وسمائه، وهذا الموقف لا يقتصر على القارئ العام الذي تكثر أسباب ابتعاده عن الشعر أساسا، بل نجده عند بعض النقاد أيضا، وهو ما يجعلنا ننتظر الكثير من شهادات الشعراء.
ولا تتوقف دعاوي التهميش عند هذا الحد، فهناك ثنائية الكبار والشباب، وثنائية المغمور والمشهور، والمنطوي على إبداعه والمنفتح عبر علاقاته المختلفة أو منصبه الثقافي أو الإعلامي، وغيرها. ورغم الضربة العنيفة التي وجهتها وسائل الاتصال الحديثة للجغرافيا، فالشكوى ما زالت قائمة وحادة من مركزية العاصمة، وتهميش الشعراء الذين يقيمون خارجها، وكثيرا ما نسمع صارخا يقول «لقد سقطت من خريطة الشعر المصري لأنني فقط أقيم بعيدا عن العاصمة ومركزيتها».
الشعر والحياة
ويؤكد الشاعر سامي سعد أنه لأكثر من ثلاثين عاماً، وهو يسأل هذا السؤال دون أن يحظى بجواب شاف، هل الشعر أصلاً هو مجرد سؤال أبدى؟ ويقول: كتبت فى كل شيء،عن أي شيء، عنى، وعن الآخرين، عن الذي رأيته وتخيلته، وعن كل ما تحتويه الحياة والموت والإنسان. عن الحلم والخيال والواقع والأسطورة، ثلاثون عاماً وأنا مطارد بما لا أعرف على وجه التحديد، أرضى قليلاً وأخجل من رضاي، واليقين عندي: أنه ليس بعد، دائماً ليس بعد. في الليل والنهار، في المنافي وسرادقات العزلة والفراغ، في الذبح القاسي، في الفقد المتواصل، الحنين الغامض، التوق، الرغبة، الغضب الساطع، والحزن الثقيل الخفيف، الحب، الوهم، التاريخ، الموسيقي، البحر، الخوض في المتاهة، إنما دائماً، دائماً ليس بعد: حيث الاستحالة هي شرطي الوحيد لمواصلة الحياة/ الحرب.
ممرٌّ صغيرٌ إلى الشعر
ويرى الشاعر عاطف عبد العزيز أن الشعر هو ذلك النص الذي يجعلنا نعيد اكتشاف العالم من حولنا كما لو أننا نراه للمرة الأولى، ويجعلنا نستعيد حواسنا، التي نكون قد فقدناها بفعل التكرار، وبفعل الخضوع للخبرات الذهنية التي وصلتنا جاهزة عبر الآخرين دون اختبار فعلي، أي أن الشعر هو النص الذي يقدم لنا العالم الذي تحسسناه، لا فكرتنا عنه. ويضيف:
من تلك الزاوية الجديدة يصبح الشعر موجودًا حولنا، يتنفس في أشيائنا البسيطة، لكنه يحتاج فقط إلى بصيرتنا لاكتشافه، يعود الشعر إلى نقسه، بحسبانه ابن العالم بتفاصيله اليومية، التفاصيل التي هي بطبيعة الأمر العناصر المكونة للمشهد الشعري، وليس بحسبانه ابنًا للغة ونشاطها الذاتي، تلك اللغة التي دأب البعض على استحلاب طاقاتها عبر أنساق استعارية تصنع بشكل ميكانيكي أفقد المجاز قيمته، وقدرته على الإدهاش.
لقد جاءت قصيدة النثر كطوق نجاة للشعرية العربية، أعني الشعرية التي اقترنت بالمشروع القومي العربي المنهار الذي أفلس تماماً عبر إخفاقاته المتوالية، من هزيمة يونيو، إلى اتفاقيات الكامب، إلى اجتياح بيروت، إلى غزو الكويت، هذا المشروع الذي قادته أنظمة فاشية حطمت كبرياء الإنسان على أرضه.
الحياة الباقية
ويقول الشاعر علاء خالد: اختياري لقصيدة النثر جاء صدفة، ربما لأنها الأقرب لطبيعتي الخاصة، وللأفكار التي كانت تدور فى مخيلتي في تلك الفترة من نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. كان عندي تشابك في الأفكار، يصل لحد التعقيد، تكون بسبب مشهد اجتماعي هو الآخر غاية في التعقيد، وأول مظاهره هو هذا التهديد العلني والسافر لطبقة متوسطة، أنا أحد أفرادها، وأحد المتمردين عليها، وكانت تسمى في الأدبيات الماركسية بالطبقة الوصولية والمتسلقة والمتعفنة.
أغراني الشعر بالبحث عن «حقيقتى» الشخصية. حتى ولو كان هذا المسعى خاطئا، فقد أمضيت جزءا كبيرا من حياتى، وهناك بناء آخر يشغل وجودى. إنه إحدى طرق المعرفة القديمة.
سعيا إلى المتعة
ويكشف الشاعر عماد غزالي «أنا واحد من ذلك الجيل الذي يطلقون عليه «جيل الثمانينيات»، وسواء أكانت تلك التسمية دقيقة أم لا، فإنه يمكنني القول إن هذا الجيل استطاع التواصل مع النماذج البارزة للشعرية العربية الجديدة منذ جيل الريادة مرورا بالأجيال التالية، وحاول تجاوز المأزق الذي وصلت إليه القصيدة في مصر على أيدي شعراء السبعينيات، وحالة التوتر التي سببوها بطبيعتهم الهجومية الحادة، بالإضافة إلى النموذج الشعري المغلق الذي قدموه، فتسبب مع عوامل اجتماعية وثقافية وسياسية أخرى في عزلة تامة للشعر وانفصال حاد بينه وبين المتلقي.
جاء جيل الثمانينيات وطالع هذا المشهد فسعى إلى تجاوزه عبر منجز إبداعي بدأ بإحداث عملية التواصل التي أشرت إليها، إذ نجد القصيدة الثمانينية تطويرا حقيقيا للمنجز الشعري في الخمسينيات والستينيات وليست رفضا باترا له، كما أنها استفادت من الجوانب التي رأت أنها إيجابية في التجربة السبعينية، فالشاعر الثمانيني ؟ على الأغلب - متواصل مع آبائه والأجيال السابقة عليه.
عندما انتشرت قصيدة النثر في مصر وأصبح من المتاح جداً رصد أعداد لا حصر لها من الدواوين، وأكملت مجموعة من القيم الثابتة المتكلسة، هي ؟ وهذه هي المفارقة ؟ على النقيض من كل ما نادت به هذه القصيدة، فأصبحت هناك وصفة جاهزة مكونة من التفاصيل اليومية الحياتية البسيطة والابتعاد عن مقارفة القضايا الكبرى وتصدير موت الايديولوجيا والتخفف من المجاز لصالح السرد .. إلخ. هذه الوصفة أخلت الأدعياء وأغرت أصحاب المشاريع الشعرية التي تسير في الاتجاه المخالف، بسبب سهولتها الظاهرة.. وهو ما أرى أنه مدمر لأنه لا يسمح بالتمييز بين مشروع كل شاعر وفرز الجيد من الردئ إلا بصعوبة، فالجميع، كذا، يكتب نصاً واحداً.. إنني أنتمي لتصور قوامه أن كل شاعر - حقيقي ؟ هو مشروع خاص يجب النظر إلى تجربته باعتبارها وحدة خاصة ومتميزة في مسيرة الشعر، وبذلك تكون زاوية التناول ذات ترتيب أولوياتي مختلف عما هي عليه، فنبحث أولاً عن الشعر ومدى نجاحه في خلق خصوصية للمشروع الخاص ثم بعد ذلك نراجع بنود تماثلاته مع الآخرين القريبين بحكم السن أو سنوات النشر أو حتى السياق.
الشكل الحكائي
لم يكن للشعر مكان صافٍ يستقى منه مفرداته وسياقاته، ولم يعد التمرد هو المفتاح السحري الذي يتجاوز به الفرد أي مأزق اجتماعي، أو فني، ليعلن عن خصوصيته، هذا التعدد في أقطاب الصراع والحيرة كان يستلزم شكلا أدبيا يتفق معه، شكلا له أقطاب ومحاور وأطراف وجسم سردي، ربما الحكي والحكاية كان هذا الشكل. وربما السيرة الشخصية كانت المرجع الذى يختزن بداخله حكاية حدثت بالفعل وتحتاج أن تظهر. الشكل الحكائى كان الأقرب لتجميع تلك الخيوط المتناثرة وهذا التعقيد الذى كانت تموج به نفسى.
حمى التهميش
من يتابع الحركة الشعرية في مصر يجد حمى التهميش تهيمن على المشهد من خلال التصريحات، والحوارات المنشورة أو الجانبية، فثمة من يتحدث عن تهميش قصيدة النثر ويقول انظروا «المجلس الأعلى لا يمنح جائزة لشاعر يكتب قصيدة النثر» وثمة من يتحدث عن تهميش شعر العامية ويقول انظروا «المهرجان الفلاني يتجاهل شعر العامية، والمجلة الفلانية لا تنشر لمن يكتب بالعامية»، ومن هنا كان حرصنا على تمثيل تلك الاتجاهات الفنية المختلفة.
محمد الحمامصي



