يشكل الكاتب الأميركي واشنطن إيرفنغ (1783-1859) جزءاً لا يتجزأ من تاريخ قصر الحمراء الغرناطي وذلك بصفته ممثل الرحالة الرومانسيين الذين زاروا المدينة في الفترة التي كان الطابع الشرقي للمنطقة فيها يجذب الذين كان لديهم رغبة بالعودة في الزمن خطوة إلى الوراء. وكانوا يعدون بالمئات أولئك الرحالة الألمان والأميركيين والإنجليز والغربيين الذين زاروا غرناطة وأماكن أخرى من الأندلس. من بينهم يبرز بقوة اسم واشنطن إيرفنغ.

وذكرت صحيفة «الباييس» الاسبانية إن الكاتب الأميركي الراحل قد تحول في الآونة الأخيرة إلى زائر خالد لقصر الحمراء، بعد أن نصب له في الغابة المحيطة بهذا الصرح الأندلسي التاريخي تمثال من البرونز أبدعه الفنان خوليو لوبيز سيظل يذكر بالكاتب وبعلاقته الوطيدة بهذا المكان الأثير على قلبه إلى الأبد. وبذلك يوضع المشبك الذهبي على صدر برنامج إحياء احتفالية الذكرى ال150 على وفاة مؤلف «قصص من الحمراء»، التي تنظمها الهيئة الأندلسية المحلية التي تدير شؤون المجمع الناصري. أحد آخر الفعاليات التي تمت بهذه المناسبة تمثلت في إصدار كتاب تحت عنوان «رسائل الحمراء» ضمن مجموعة «بلورال»، الصادرة عن دار «تينتا بلانكا» الاسبانية. في هذا الكتاب، يقوم أستاذ الكرسي أنطونيو غارنيكا بجمع 37 رسالة بعثها الكاتب الأميركي إلى أقربائه وأصدقائه من المدينة التاريخية أثناء فترتي إقامته هناك. مراسلات إيرفنغ، التي ترجمها إلى الاسبانية غارنيكا نفسه، تتداخل من حيث البنية والنسيج مع «رسائل الحمراء» وكذلك مع يوميات الرحالة، علماً بأن هذه هي المرة ألأولى التي تتم فيها ترجمة رسائل المؤلف الغرناطية إلى اللغة الاسبانية منذ أن تم العثور عليها في جامعة «هارفارد» الأميركية.

حدث ذلك خلال زيارته الأولى للمدينة بين 9 و20 مارس 1828، عندما سكن إيرفنغ في نزل وتعرف إلى ماتيو خيمنيز، مرشد الحمراء الذي كان قد ولد في كنف الصرح التاريخي والذي راح يسمع منذ أن كان طفلاً صغيراً الأساطير والحكايات حول كل ركن من أركان القصر، الذي يعد أحد أجمل الحلل المعمارية التي خلفها المسلمون في الأندلس. تلك الأساطير والحكايات نفسها راح الكاتب الأميركي يدونها في كراسته ووظفها في مؤلفاته إلى حد كبير، بينما كانت عظيمة الفائدة بالنسبة له عندما شرع في تأليف كتاب منحه شهرة عالمية. عن تلك الفترة، يضم الكتاب رسالتين مطولتين وعميقتين كان الكاتب قد أرسلهما إلى أنطوانيت بوليفار، التي كان مغرماً بها دائماً. وهو يكتب في إحدى الرسالتين مشتاقاً: «نظرت للمرة الأخيرة إلى غرناطة من النقطة الأكثر علواً في طريق بادول، حيث بكى الملك البائس أبو عبدالله عندما ألقى تحية الوداع الأخيرة على مدينته».

ثمة رسالة أخرى تعتبر على جانب كبير من الأهمية كان قد أرسلها الكاتب إلى مسؤوله في العمل إيفيريت لطرح شؤون مختلفة على علاقة بتلك الرحلة. وكان إيرفنغ قد أصبح خلال تلك الأيام، قد أصبح كاتباً مكرساً في مرحلته البدائية وكان قد أنهى سيرة ذاتية كتبها على الطلب حول كريستوفر كولومبس.

خلال فترة إقامته الثانية، التي تمكن أثناءها من الإقامة في غرف قصر الحمراء التي تحمل اسمه في يومنا هذا، أراد التقصي والبحث حول ماضي المدينة وتاريخها». إنه لحظ فريد أن يتمكن المرء من العيش في هذا المكان الرومانسي والتاريخي الذي يتمتع بقوة تأثير كبيرة على مخيلة القراء في أي جزء من العالم، هذا جانب مما كتبه إيرفنغ من مقر إقامته في قصر الحمراء إلى أشقائه إبنيزر، إدغار، ساره، كاترين وبيتر، الذين أرسل لهم عدة رسائل من هناك، كما تلقى أخباره كل من المير دولغوروكي والرسام ديفيد ويلكي وناشره.

من وجهة نظر خافيير فيلوريا المتخصص في شخصية واشنطن إيرفنغ، فإن كتاب الرسائل الجديد فيه «شيء محظور، لأنه يتعلق بقراءة مراسلات شخصية لزائر»، بينما يعتبر، من جانب آخر، أن الرسائل «لا غنى عنها» لفهم ما جاء في كتاب «رسائل الحمراء» على نحو أفضل. بالنسبة لناشر العمل الجديد ميغيل ماتيو بيريز، فإن المؤلف يقدم نفسه بصفته «شخصاً يحترم أهل المكان. وغرناطة في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، كانت مدينة متخلفة وفقير للغاية وإيرفنغ أحس بالألفة حيال بعض سكانها الذين ارتبط بعلاقات وثيقة معهم واستجاب لكل ذلك الكرم الذي تلقاه مع قصصه الرائعة».

واشنطن إيرفنغ، الذي يعتبره بعض النقاد الأب الروحي للأدب الأميركي، لم يضع العديد من المؤلفات التي تتناول موضوع الأندلس والوجود الإسلامي فيها والآثار التي خلفها ذلك الوجود الذي امتد لثمانية قرون من الزمن فحسب، بل إنه تعدى جغرافياً المكان ومفرداته ليغوص في مضامين الفكر الإسلامي الفلسفية والروحية والإنسانية فألف كتاباً عام 1829 تحت عنوان «حياة النبي محمد» وآخر عام 1849 تحت عنوان «محمد وخلفاؤه» فضلاً عن مؤلفين آخرين عن الأندلس هما «غزو غرناطة» أو «تاريخ سقوط غرناطة» والاجتماعية والفكرية للأندلس في الأندلس في القرن التاسع عشر محاولاً في هذا المؤلف تصحيح صورة العرب والمسلمين المشوهة في الغرب عموماً واسبانيا على وجه الخصوص، إذ يقول: «إن فتح العرب لإسبانيا قد حمل معه حضارة أرقى وطرازاً في التفكير أنبل، فالعرب أناس شاعريون، لامعو الذكاء سريعو البديهة، أصحاب إباء وشهامة وحكمة وعقل، وقد تشربوا علوم الشرق وآدابه، وحيثما كانوا يقومون بتشريب وصقل الناس الذين يفتحون بلادهم، وليس هناك من أثر يعبر عن عصره وأناسه أكثر من الحمراء: تلك القلعة المهولة خارجاً والقصر الباذخ داخلاً، الحرب تكشر فوق أسواره، وأنغام الشعر تتسرب في قاعاته بلا مقاومة حين كانت إسبانيا العربية الإسلامية منطقة إشعاع للحضارة والنور وسط أوروبا الغارقة في الظلام».

قصر الحمراء

يقوم قصر الحمراء على نتوء صخري في جبال «سييرا نيفادا» الأندلسية، وصفه الرحالة العربي ابن بطوطة حين زار غرناطة في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، قائلاً: «تحيط به من كل جانب البساتين والجنائن والمروج والقصور والكروم. وكانت «سييرا نيفادا»، في عهد سلاطين بني النصر، الذين حكموا غرناطة بين عامي 1232 و1492 للميلاد، مكاناً للملوك وحدهم يصطادون فيه. وكان بنو النصر يمضون معظم وقتهم في الخلاء، فلم تكن قصورهم في الحمراء أكثر من بيوت ريفية يهجعون إليها ساعة النوم.

واشنطن إيرفنغ

في سطور

ولد واشنطن إيرفنغ في نيويورك، درس القانون، إلا أن حبه للكتابة دفعه لترك القانون عام 1809، فراح يكتب في جريدة «مورننغ كرونيكل». كرس إيرفنغ نفسه في الساحة الأدبية والأكاديمية الأميركية، ونشر أول كتاب له تحت عنوان: «تاريخ نيويورك منذ بداية العالم حتى نهاية الأسرة المالكة الهولندية»، أصدر عام 1818 كتابه «الكتاب القصصي لجفري كرايون».

اختارته بلاده عام 1826 ليعمل دبلوماسياً في إسبانيا، فاغتنم الفرصة ليشرع هناك في دراسة موضوعات إسبانية وعربية إسلامية، وكتب هناك «غزو غرناطة» و«حياة النبي محمد» عام 1829، و(الحمراء) عام 1832.

عام 1832 عاد إلى نيويورك بعد أن اطلع على الحضارة الإسلامية، ما أثر في رؤيته للحياة الثقافية والأدبية، فاختار التحول من كتابة الأدب والقصص إلى كتابة التاريخ والسير الذاتية.

في عام 1842 أرسلته الحكومة الأميركية من جديد إلى إسبانيا، لكن هذه المرة بدرجة وزير مفوض، وشغل هذا المنصب لمدة أربع سنوات، وبعدها عاد إلى موطنه، فألف كتاب «حياة جورج واشنطن» عام 1859، وهو عبارة عن سيرة ذاتية مثيرة للإعجاب تتألف من خمسة أجزاء.

وفي عام 1849 كتب واشنطن إيرفنغ «محمد وخلفاؤه»، وتلاه كتاب «الحمراء». توفي واشنطن إيرفنغ عام 1859.

باسل أبو حمدة