جاء قرار تولي د. عماد أبو غازي أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة ليصيب المثقف المناسب في المكان الثقافي المناسب، فأبو غازي منذ العام 1999 يتولى مسؤولية الإدارة المركزية للشعب واللجان بالمجلس والتي تضم ما يزيد على 600 مثقف يعدون من نخبة الجماعة الثقافية المصرية على اختلاف مجالات تخصصها، فضلاً عن أنه يكتب في الصحافة الثقافية منذ مطلع الثمانينات، فإذا أضفنا لذلك أنه نشأ وتربى في بيت يشتغل بالشأن الثقافي، تأكدت لنا أهمية الاختيار.

أبو غازي الذي ينتسب لعائلة عريقة، فجده لأمه نحات مصر العظيم محمود مختار وأبوه رائد النقد التشكيلي ووزير الثقافة الأسبق بدر الدين أبو غازي، عرفته الجماعة الثقافية مثلاً ونموذجاً للكاتب والمفكر المستنير، ويأمل الكثيرون أن يضيف توليه دوراً أكثر اتساعاً ونشاطاً وفعالية للمجلس الأعلى للثقافة. وفي هذا الحوار مع أبو غازي نتعرف إلى رؤاه وأفكاره وما يطمح إلى إنجازه مصرياً وعربياً: * باعتبارك عضواً في جماعة المثقفين المصريين منذ وقت مبكر يمتد إلى النشأة في بيت الناقد والوزير بدر الدين أبو غازي وزير الثقافة المصري الأسبق، كيف ترى حال هذه الجماعة في لحظتها الراهنة؟ ـ الجماعة الثقافية في لحظتها الراهنة مثلما في كل لحظة، هناك جوانب قوة وإيجابية، وهناك جوانب ضعف وسلبية، وهذا حال الجماعة الثقافية طوال الوقت، هناك عناصر قوة لحالة إبداعية تنتج أدباً وفناً تشكيلياً وشعراً، هناك نشاط ثقافي وجماعات مستقلة تنشط في مجال المسرح والسينما، هناك بنية أساسية ثقافية تنمو وتتطور وتقوى من متاحف ومكتبات عامة.

ومكتبات لبيع الكتب تزداد بشكل كبير لتتلاشي ظاهرة كنا نعيشها في فترة السبعينات، وهي ظاهرة تحويل المكتبات إلى محلات بيع أحذية ومأكولات، الآن ترجع مكتبات بيع الكتب كشيء أساسي تنتشر في كل أنحاء القاهرة، وهذه كلها مؤشرات إيجابية. وهناك جوانب سلبية نتيجة وجود قوى في المجتمع تضيق بأي نقد وتفكير مختلف وتسعى لمصادرة الحرية، حرية الإبداع والتفكير، عندما يخرج فيلماً أو رواية أو قصيدة جديدة ترفع القضايا وتطالب بالمصادرة، كذلك كل مجموعة وأصحاب مهنة وطائفة لا تتحمل قبول أن يخرج فيلماً سينمائياً أو مسرحية أو مسلسلاً درامياً يتعرض لها بالخير أو الشر، هذه حالات سلبية وغير صحية في المناخ الثقافي باعتبارها حالات انغلاق.

لكن هناك رأياً غالباً بين الكثيرين من المثقفين المصريين أن الثقافة المصرية في حالة تراجع؟ فكيف تنظر إلى هذا الدور؟

لست موافقاً على الفكرة، وعلى أي مستوى هذا التراجع، محلياً أم عربياً.

على المستويين المحلي والعربي؟

لست موافقاً على المستوى المحلي، هناك حالة شد وجذب، حالة تحفز من قوى معينة في المجتمع ضد الإبداع، وهناك تراجع في مساحات معينة عندما يكون عندي مشاكل في كليات الفنون الجميلة واتجاهات تدعو لتحريم النحت فيها وتحريم التصوير المشخص، هذه يمثل كارثة وردة إلى ما قبل 1908، أي نرتد إلى أكثر من مئة عام للوراء، ومع ذلك لا تزال القوى المستنيرة والمتقدمة تقاوم هذه التيارات وتواجهها بالإبداع والفكر. هناك حالة صراع ثقافي في المجتمع، لكن ليست هناك هزيمة لقوى البناء الثقافي المستنير في المجتمع.

ألا ترى أن زيادة شوكة تيارات الانغلاق وراءه هو غياب دور ثقافي حقيقي في المجتمع المصري؟

هذه السيادة في الشارع لهذه التيارات وهذا النمو لها يرجع إلى مشكلة جذرها في المدرسة والجامع والكنيسة، هذه المؤسسات التي تؤثر أكثر من غيرها على التكوين، مؤسسات الثقافة والإبداع في النهاية تحارب في معركة طرفها الآخر سيطرته أقوى.

المواجهة مع هذه القوى ليست سهلة وليست مهمة الثقافة وحدها، نحن نحتاج إلى تعاون بين الثقافة والإعلام، بين الثقافة والتعليم، بين الثقافة ومراكز الشباب، بين الثقافة والمؤسسات الدينية لفتح مساحة للاستنارة داخل هذه المؤسسات بدل من مساحات الإظلام والانغلاق التي تزداد قوة.

إذا كانت الدولة ترضخ ـ أحياناً ـ فعندما تعرض وزير الثقافة نفسه لقضية الحجاب الدولة هي التي وقفت ضده، باختصار الدولة لا تساند المثقفين أو تحديداً تيار الاستنارة؟

نستطيع قول ذلك، ولست موافقاً على هذه المقولة على إطلاقها، المشكلة أنك تواجه قوى مجتمع هي التي تسعى للمصادرة، يعني من يتقدمون بشكاوى للنيابة العامة لمصادرة فيلم سينمائي أو كتاب أو قصيدة، هم أفراد أو مجموعات أو مؤسسات ليست من مؤسسات الدولة، ثم إذا كان هذا موجوداً في المجتمع فسيكون له انعكاسه داخل مؤسسات الدولة، لكن لا تستطيع الحديث أن الدولة كدولة هذا هو موقفها.

ما الذي يمكن أن يدعم به المجلس الأعلى للثقافة الجماعة الثقافية في مصر خلال هذه الفترة تحديداً وهي فترة حساسة فيما يتعلق بالثقافة والرأي والإبداع في مصر؟

المجلس مفتوح للجماعة الثقافية كلها لتشارك من خلال أنشطته ولجانه وندواته وإصداراته في بلورة وتطوير موقف مستنير في مواجهة التيارات الظلامية.

برأيك هل نحن في حاجة إلى مؤتمر أم إلى مشروع نهضوي؟

أعتقد أننا في حاجة لمؤتمر عام، لأنه كلما تحاورت الجماعة الثقافية مع بعضها للوصول لقدر من المشتركات أو الاتفاقات، كلما كان هذا شيئاً إيجابياً ودافعاً للنجاح. أما المشروع النهضوي ووضع أهداف استراتيجية للعمل الثقافي فمن الممكن أن يكون مخرجاً من مخرجات المؤتمر.

المشروع النهضوي مهمة المجتمع كله، الثقافة رافعة أساسية فيه، لكنه ليس مهمة الثقافة وحدها، ومع ذلك يمكن أن يكون جزء من مخرجات المؤتمر العام للمثقفين، وارد أن تكون هناك تصورات للجانب الثقافي في مشروع نهضوي.

ما هو تقييمك لمشروع النشر بالمجلس وهل يسير وفق استراتيجية لها رؤيتها؟

خلال السنوات القليلة الماضية حاولنا أن نضع استراتيجية للمشروع، ومن ثم أصبحت هناك رؤية أو مستهدف أو تصور لخطة النشر في المجلس، هناك سلاسل أساسية سوف أركز عليها في المرحلة القادمة بشكل أساسي، كسلسلة الكتاب الأول، وسلسلة إبداعات التفرغ، ومستهدف أن نصل لـ 24 إصداراً في كل إصدار في كل من السلسلتين، وأن يكون هناك قدر من الانتظام والتنوع في السلسلتين، وألا يكون الأمر مقصوراً على جنس إبداعي أو فكري واحد، وأيضاً الاهتمام بسلسلة أبحاث المؤتمرات الدولية، وقد نجحنا حتى الآن في نشر أبحاث 21 مؤتمراً من المؤتمرات التي بدأت عام 1999 إلى الآن، وبصدد نشر أعمال 6 مؤتمرات أخرى، ثم بعد ذلك سوف نهدف إلى نشر أبحاث المؤتمر خلال ستة أشهر من انتهاء أعماله.

ما الذي تطمح إليه أنت كمثقف وباحث وأحد المهمومين بالثقافة وليس كمسؤول في وزارة الثقافة؟

همِّي الشخصي حرية الإبداع والمبدعين والبحث والفكر وترسيخ قيم الدولة المدنية في مصر، وبالنسبة للمجلس الأعلى، فأنا أرى حاجة إلى مزيد من الاتساع في الرؤية في الأنشطة الدولية، نعم لا بد أن أحافظ على هذا البناء كمؤسسة للثقافة العربية في مجملها، لكن لا بد أن أعطيه بعده الإفريقي والمتوسطي وبعده المنفتح على العالم الثالث بكامله، كذلك أرى أهمية أن يتحقق للمجلس مزيداً من التفاعل مع المجتمع المصري كله.

أيضاً نسعى لفتح مجالات النشر الإلكتروني، وأن نصدر بعض إصداراتنا على شكل أسطوانات مدمجة، كما نسعى للتوسع في أنشطتنا بالتعاون مع مؤسسات في وزارة الثقافة.

ماذا عن مشروعك الخاص الشخصي؟

ما يشغلني منذ أكثر من عشر سنوات البحث في الجذور التاريخية لأزمة النهضة، يناقش إشكالية النهضة والتحديث في هذا المجتمع، والعوائق التي تقف أمامها، هذا مشروعي الذي أتمنى إنجازه.

إنني أتمنى كفرد بعيداً عن مشروعي البحثي أن يكون لي طوبة صغيرة توضع في بناء نهضة هذا المجتمع، ولدي أمل في ظل التغيرات التي يمر بها العالم كله وانتقالنا من عصر الدولة الصناعية إلى عصر ثورة المعلومات والاتصالات ثم عصر مجتمع المعرفة، أن عادت الفرصة مرة أخرى أمام مجتمعاتنا التي فاتها قطار استكمال مقومات الثورة الصناعية وعملية التحديث المصاحبة لها، نحن نستطيع تحقيق شيء في مجتمع المعرفة، آليات ومعطيات هذا المجتمع الجديد وهذا العصر الجديد تتيح لنا بالفعل موقعا على خريطته، إذا استطعنا اللحظة التاريخية واستطعنا أن نضع أيدينا على مفاتيح الدخول في هذا العصر بشكل صحيح، وفي نفس الوقت أتصور وأزعم ولدي ثقة كبيرة في أن الثقافة المصرية هي القيمة التنافسية الأساسية لمجتمعنا، القدرة التنافسية عندنا هي في الثقافة، وهي معطى أساسي من معطيات التنمية بمعناها الشامل، وثقافتنا سواء القديمة وتراثنا المادي والشفاهي والمكتوب من أصول حضاراتنا المتعاقبة أو إبداعنا الثقافي المعاصر كلاهما يعطينا قدرة تنافسية في ظل عصر مجتمع المعرفة الآن.

لكن هل تعتقد أن هناك إدراكا لذلك؟

بالطبع، فهذه الرؤية لا أراها وحدي، ولكن يتفق عليها أفراد الجماعة الثقافية، وفي مقدمتهم وزير الثقافة نفسه، هو يثق في قدرات مصر الثقافية، ويرى أن لها قدرة تنافسية عالية، وأساتذتنا من أعضاء المجلس الأعلى للثقافة يرون ذلك ويرددونها ربما بكلام مختلف، ليس نفس الصيغة والنص، ولكن بنفس المعنى.

الرجل المحظوظ

يؤكد عماد أبو غازي أنه يعتبر نفسه محظوظاً لوجوده مسؤولاً على رأس مؤسسة رسخت لنفسها قيماً ومبادئ وبناء قوياً على مدى سنوات طويلة، واعتبر أن جزءاً من مهمته هو الحفاظ على ما ورثه من موروث والتشييد فوقه، وإكمال بناء ما بدأه من كانوا قبله في هذا المكان.

قيود أقل

يقول عماد أبو غازي أنا جزء من المؤسسة وأنا سعيد بهذا وفخور به، ثانياً أن ما أقوله هو رؤيتي المتوافقة مع رؤية هذه المؤسسة التي أعمل فيها، إن ما أطمح إليه مزيد من مساحات الحرية في الإبداع والبحث والتفكير، وهذا طموحي سواء كأستاذ وباحث أكاديمي، أو كمنتمي وواحد من أفراد الجماعة الثقافية، بعيداً عن مسؤوليتي، أطمح لمساحة أكبر من الحرية وقيود أقل على الإبداع والتعبير، ومزيد من تدعيم أركان الدولة المدنية ومؤسساتها في مجالات الثقافة.

عماد أبو غازي في سطور

عماد أبو غازي أكاديمي مصري حصل على ليسانس آداب قسم تاريخ - جامعة القاهرة، كلية الآداب 1976، ودبلوم في الوثائق التاريخية من جامعة القاهرة، كلية الآداب 1982، ودبلوم الدراسات العربية في التاريخ المعاصر من معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة 1980، وحصل على درجة الماجستير والدكتوراه، وثائق- جامعة القاهرة، كلية الآداب.

عمل باحثاً في وحدة تحقيق التراث بمؤسسة دار المعارف، ومدرساً ثم مدرساً مساعداً ثم أستاذاً مساعداً في الوثائق بقسم المكتبات والوثائق والمعلومات - جامعة القاهرة، منحته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان شهادة العمل التطوعي عام 1991، وحصل على شهادة تقدير من جامعة القاهرة.

محمد الحمامصي