تلك ناطحة السحاب: بلبلة القاعدة الأرضية، الحدود التي لم تعد مرئية، يمكن عبورها راجلاً، بالكاد صار الإنسان يمشي، إذ التقنية أحالته إلى لا مرئيها، صار في عهدتها، وما الناطحة هذه إلا إحدى ثمارها الأكثر غواية للنظر!
في الامتداد الشاقولي لقوى الإنسان، تتجسد رحلة العجائب الكبرى، وتحديات الصورة الفضائية من الأسفل هنا!
ناطحة السحاب، بنيان أرضي وحيد القرن، هائل الاعتداد بنفسه، في هيئة الكائن الأسطوري الجامع بين المرئي حتى حدود محلقة معينة، واللامرئي إذ يتكفل السحاب بحجب البنيان الصاعد ليكون انقسامٌ في أصله، وفي الداخل يكون الفاعل في بنائه، المقذوف داخله، كما هو القاذف بطوله الشاهق، والواعد بما لا يسر، كلما شهق عالياً.
لكأن السحاب يتربص بالناطحة، إذ يتقبل صدمتها النافذة دون أي إصابة، يُلبسها قبعةَ إخفاء، فيغيّب فيها كل ما هو عصي على الرؤية، وعصي - أيضاً- على الصعود دون الدخول في نطاق التحجب!
ناطحة السحاب: مجاز اللغة بامتياز، نعم، فالسحاب السهل في تبدده لا يؤخَذ منه في تمدده، وهو سرعان ما يحيط بها، كما لو أنه يصادر منها هيبتها المعتبرة، يستجيب للقاعدة الأرضية المتبلبلة جرَّاء سمة المغامرة النافثة فيها.
يمكن لناطحة السحاب أن تكون أمثولة رشيدة لمتعة كائنها، سرعان ما تشي بكيفية خروجه على وهمه المكاني.
المكان الواحد الذي يتعرض للتذرر، استجابة لرغبات لم تعد ترضى بالانفساح الأفقي إنما بنبذ المعتاد عالياً.
حوار المعقول واللامعقول إزاء هذا المشهد السريالي الطابع، ولكنه المشهد الحقيقي حيث ينقذف بشاهق أرضي، حوامة هندسية الشكل، تحليق في اتجاه واحد، وبشر يصعدون وسط الحديد والاسمنت المسلح، كأنهم هاربون من الأرض التي ينتمون إليها، يمارسون هواية الصعود والهبوط المرصودين دائماً، لا شيء خارج الحساب، ولو في جزئه الواحد من المليون، فكل خطأ من النوع الذي لا يفكَّر فيه كثيراً كثيراً، له اعتباره للحيلولة دون حصوله.
لا بأس بتوسل السحاب والانتماء إليه وهو لا ينتمي إلى قانونه الكوني، باختفاء صورة الأرض، حيث كل مقيم في الأعلى يعلم أنه على ارتفاع مئات الأمتار، أن شد الأحزمة لركاب الناطحة عمل يومي، لأن الرحلة مستمرة.
لا أحد يسأل عن الرؤية، كل نزيل داخل في رهان لا يفكر فيه مع مجهول وقد ألِفه، وتلك هي القاعدة الأكثر حلولاً على الأرض، لأبناء الأرض، إذ لا مفر من التسليم أو الاستسلام، كما لو أن الدخول في جسم الحوت الأسطوري وهو على ذيله الأرضي، يكون في اتجاه واحد، إلزام لمن يريد البقاء أكثر، كأن الأرض وسعت حدودها، ليكون الفراغ امتداداً لليابسة، ان هذه لم تعد الصلابة المحسوسة والروائح التي تتهجاها الأرض من الأعماق، إنما تنويع في المكان والسكنى، ان الهواء جرى التصرف به، في الفراغ المحجوز إلى ما شاءت حكمة المكان المدروسة، وفي الأعلى، فالأعلى حكمة من لا يحاط بحكمته فيما يستحيل التنبؤ بالمقرر عن الاندفاع هذا.
تلك ناطحة السحاب: بلبلة القاعدة الأرضية، الحدود التي لم تعد مرئية، يمكن عبورها راجلاً بالكاد صار الإنسان يمشي، إذ التقنية أحالته إلى لامرئيها، صار في عهدتها، وما الناطحة هذه إلا إحدى ثمارها الأكثر غواية للنظر!
في وسع مبتكر التقنية، أو القيّم عليها، أن يغتبط لهذا التغيير في مفهوم المكان وزمانه، أن يبدد خرافة القائل بأن الكوكب الأرضي لا يمكن الزيادة في حجمه، وبالعين المجردة، فالبرهان من جنس المكان، كما هو شأن الناطحة.
ليس هناك أكثر من صفة «الرائعة» تليق بها، تلك حدوده الأخرى التي لا يتوقف عندها، حيث لا التزام بأي عهد، سوى ما يتفتق عنه منطق التحدي في حدود المتاح، وما ناطحة سحابه إلا أثر أثير، وقد أحالت صحراء الفضاء وهي في متاهتها الكبرى، إلى بضعه الأرضي، فهو الناطق باسم الأرض ومحاورُ ما يعلوها وهو يعلوها كثيراً.
هذا الانغمار باللامرئي ليس بالمجان طبعاً، كون المعابر الفضائية لا تستوجب دفع التكاليف المطلوبة فقط، وقد صار الإنسان ذا امتيازات أكثر وأكبر وإنما النظر في نفسه باضطراد، وقد صار من المستحيل التحرك في الهواء الطلق دون حراسة تقنية داخل المصعد وخارجه، أن يأخذ بحساب الأرض علماً فيما هو ذاهب إليه، ومفارقه بالمقابل، جرَّاء هذا التحول النوعي المهيب والرهيب معاً، أن يأخذ في حسبانه خاصته الإنسية، حدود قدرته وهو في أكثر حالاته انتشاء بما بلغته يداه، أنه داخل في حساب الكل، جزءه الذي يسمّيه مهما مارس تفعيلاً إضافياً، إذ الإضافة تعلمنا بالمؤقت، وليس بالمفتوح في الزمن، بالمؤمَّن عليه في الزمن الذي يخص ناطحة السحاب. إنه الدخول في ذمة زمن آلي بمقدار، وأجواء آلية بمقادير، وارتحالات آلية بمقادير أخرى، وهي في مجموعها لا تنفك تعلمنا بضغطها كما هو الغطس إلى أعماق مائية، لا بد من حساب التمادي وحكمة اللامقدَّر هنا.
ربما هو رهان الكائن الأرضي الأكثر اتصافاً بالعقل حتى الآن، وحكمة تدبر الأشياء من حوله، روائع ما صنعته يداه، ما أبدع فيه لا مرئي تفكيره وقد صار مرئياً، ليشهد دورة أخرى من جانبه، وهو يعيش جذبة لامرئي عملاق ينتسب إليه، ويحتسب عليه في آن، والحكمة العظمى تتلخص في التوازن بين ضبط حركة العملاق وحساب قوته هو، لعلها الضمان الأركز، لأن يشهد مزيداً من الدخول في جمالية اللامرئي الفضائي وحكمة واهب الفضاء له!
ابراهيم محمود
