في شارع مكتظ بالبنوك والمحال التي تبيع مختلف البضائع والسلع، بين أصوات المارة الراجلين والجالسين في سيارات تعبر بطيئة ومسرعة، من جهات حصن الشارقة الأربع، الحصن الذي يقبع وحيدا ومعزولا بين الابنية الحديثة، بين مئات من أولئك المارة، التي تطبع وجوههم وسحناتهم آثار ثقافاتهم المختلفة في الفراغ، وسط هذا الضجيج من الحركة والأصوات.. تشاهد الحصن بين حالتين، غربة الوجوه وغربة المكان، فكل شيء من حول هذا الحصن الذي بني في العام 1824 قد تبدل وتغير مئات المرات، فجدرانه الطينية العالية، وقلاعه المستقرة في زواياه، ونوافذه، والفجوات التي تملئ المبنى من جهاته الأربع، والتي هي أدوات مراقبة، واحتراس. كلها بقت طيلة السنين التي مرت شاهدة سطوة ذلك التغيير.

من مختلف الجنسيات يمرون أمام جدرانه وحجارته، مبنى يكتنز حياة وتاريخا وأحداثاً هامة جدا في حياة أهل الشارقة..تختلف حجارة الحصن عن حجارة المباني التي تحيط بها، كما ان ما بين طقس الفضاء الخارجي المحيط والمنغمس في حالة السوق، وما بين جسد التاريخ الذي تحتضنه غرف الحصن وجدرانه تلك، من الداخل، تبدو حياتين متضادتين، لا تستطيع حالة الاقتراب من فك أسر غربتهما. تسير مجموعة من العمال البسطاء بجانب الجدار الضخم قاطعة الطريق، بينما يقف شخص يحمل ملامح شرق آسيوية، يتأمل بوابته الخشبية الضخمة، أو عائلة عربية مرت تحت إحدى قلاعه.. يعيش الحصن حالته الفريدة هذه، يوميا، ففي النهار ومنذ الصباح الباكر سيغرق في الضجيج، تجار وعملاء بنوك ومستهلكين في صخب كبير.. شاء التخطيط العمراني الحديث للمدينة ان يضع حصن الشارقة، ورمزها التراثي، بين طابورين متوازيين لبنايات اسمنتية، وسيكون قدره ان يتوسط منتصف المسافة على طول خط التوازي، في منتصف الطريق المنشق إلى مسارين، الأول، للسيارات التي تأت لتتوجه إلى جهة البحر والآخر، للسيارات التي ستأتي في المسار المعاكس، تلك القادمة من طريق البحر إلى شارع الرولة في الجهة المقابلة..وهكذا ندرك ان قدر الموقع هو الذي يفرض حالة من العزلة على هذا الحصن هذه الأيام، وندرك أيضاً ان حالة الحضور هذه، وسط ذلك الضجيج ما هي إلا حالة صمود، وحالة بقاء تمتلك إصرارها على التأثير..

فالحصن حينما تمر من أمامه، أو تعبر غير آبه بما حولك في محاذاة السوق، يفرض عليك أكثر من إلتفاتة قسرية، ثم تستسلم فجأة، فتلقي المزيد من النظر إليه.. اغلب الذين تربطهم علاقة وذكرى بهذا الحصن التاريخي وسط المدينة يمرون من أمامه، ويمارسون الالتفات أليه مأخوذين بماض لم يفارق نبض قلوبهم، انه مقر الحكم، مركز القرار، تاريخ الشارقة السياسي، والسجن، الذي ينفذ قرارات العدالة والقضاء، فكثيرون سجنهم الحصن بين جدرانه، ومنهم من حاول فك اسر الجدران بالتمرد عليها.. المكان الذي صنع الأحداث، ثم أصبح فيما بعد ذاكرة حاضرة أمام وجوه مئات الألوف من الناس التي جاءت من بعيد،لا تمتلك معه حوارا، ولا تدرك تأثيره، سوى انه متحف وطني يخبر عن حياة أهل المدينة..

فالحصن يمارس اليوم دوره في القطاع السياحي، فشركات السياحة التجارية تجد فيه ملاذا مناسبا وغنيا ومغريا للزوار الاجانب الذين يحاولون القبض على اصل المكان، والناس الأصليين، فشارع الرولة المتقاطع مع واجهة الحصن، لن يسعف أولئك السياح في التقاط حياة أهل الشارقة الذين غابوا بعيدا عن نبض المدينة، خلف التلال، بل سيملأ عدسات كاميراتهم بملامح هندية وفلبينية وباكستانية وبنغالية وافريقية وإيرانية وما يقرب من 180 ثقافة، لا تترك مجالا لقراءة أصل المكان وأناسه.. وحده الحصن الذي تفد اليه تلك الوفود السياحية يستطيع ان يروي الحكاية عبر مئات من الصور والمجسمات والأدوات ومختلف أساليب التوثيق، وعبر رائحة طين جدرانه، وأصوات مزالج الأبواب والروح التي تحلق في فضاء باحته، الباقية من اثر أولئك الناس الذين عاشوا فيه وحوله حياتهم مليئة بضجيجها أيضاً، كما نعيش نحن اليوم، لكنه ضجيج مختلف إلى ابعد مدى..تبدو عيون السياح الأوروبيين ومن الوهلة الأولى لنزولهم من حافلاتهم العملاقة وكأنها التقطت كنزا ثمينا، وكما تفعل النوارس عند هبوطها، تمتد أيديهم باتجاه كاميراتهم، لتسجيل ذكرى النظرة الأولى.. مدهش توسط الحصن المثقل بذاكرة مدينة بكاملها شارع يختلف في إيقاعه اختلافا كليا..

في تاريخ الحصن نقرأ: «بني حصن الشارقة عام 1820م بأوامر من الشيخ سلطان بن صقر الأول، وكان كل حاكم يأتي بعده يضيف إليه شيئا حتى بلغ أوج ازدهاره في عهد الشيخ سلطان بن صقر الثاني الذي تولى حكم الشارقة في الفترة 1924-1951م. اتسم الحصن بهندسة معمارية عربية، وكان ملتقى أهل الشارقة يفدون إليه في أفراحهم وأتراحهم كما اعتبروه رمز عزتهم ومأمن خوفهم.

كان بيت سمو الحاكم بجوار الحصن لا يفصله عنه إلا الطريق المؤدية إلى داخل المدينة، وقد اعتاد سمو الشيخ محمد بن صقر القاسمي والد سمو حاكم الشارقة الحالي أن يأخذه وأشقاؤه إلى زيارة شقيقه الشيخ سلطان بن صقر القاسمي في الحصن. وفي عام 1969 عندما كان سمو الحاكم طالبا في جامعة القاهرة، تبلغ بأن الحصن يهدم، فما كان من سموه إلا ان قطع دراسته وعاد إلى الشارقة وأوقف الهدم واحتفظ بما تبقى من الحصن لمدة ثمانية وعشرين عاما إلى ان تم ترميمه كالسابق». بهذا التعريف تدون المدينة في كتبها تاريخ هذا الحصن، ذي الساحة الداخلية.

كان بالإمكان ان يغيب هذا الحصن إلى الأبد، لولا تلك العناية، وما كان سيشكل حضورا صعبا في مواجهة غربة الناس والشارع مثل اليوم. وفي كتاب «سرد الذات»، وهو احدث كتاب في سلسلة مؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يأتي ذكر الحصن:

«حتى اذا ما حل المساء وتجمع إخوة الشيخ سلطان مع أبنائهم لتناول طعام العشاء، اخذ القوم يحتشدون أمام حصن الشارقة، زرافات ووحدانا، ليستمعوا لنشرة أخبار الحرب، وكانت في أواخرها سنة 1945، فكان صوت المذياع يأتيهم من إحدى نوافذ الغرفة بالطابق العلوي للحصن، هؤلاء القوم نصفهم كان مؤيدا للحلفاء والنصف الآخر كان مؤيدا للمحور، فكانت الأخبار من الإذاعة الألمانية بصوت المذيع العراقي، سليط اللسان، يونس بحري، تغضب مؤيدي الحلفاء.

وكذلك الأخبار الآتية من هيئة الإذاعة البريطانية لخدمة الشرق الأوسط، بصوت المذيع الشامي منير شما، تغضب مؤيدي المحور.. ومن النوافذ المطلة على الساحة الأمامية للحصن نشاهد الشجار بين الفريقين».في مواجهة الزوايا التي تغيب عن البصر..العدسة

حينما تقرر الدخول من بوابته الرئيسية، ستجد انك تتهيأ للانفصال، وستجد أن خيط الذاكرة ينسل إلى حدود مسارك، تماما مثلما يبدأ الشاعر رحلة قصيدته التي تولد في التو، حيث يتكور الزمن فوق ظهر المكان ليصبحا كرة صغيرة، سرعان ما تقلد كرة الثلج الفارطة من قمة جبل.

تبدأ القصة العتيقة للمكان والناس، وتتمنى لو ان حارس الحصن اسقطك من حسابات المغادرين عند الوقت المحدد للمغادرة، وان تلك الأبواب الخشبية الثقيلة قد حجبتك عن التأثير الخارجي..عودة عميقة إلى رائحة التراب، وحياة من كانوا هنا، او مروا، او كانت لهم تجربة حفرت ملامحها في تلك الزوايا.

يفتح تاريخ الشارقة دفتيه الكبيرتين، يتقدم بك الكشف في التاريخ، اللحظة الممتعة في الفضول المعرفي..، في زوايا مبنى اختصر المدينة، حكاية ترويها صور وأشياء.

فحصن الشارقة، ليس أثراً اعتياديا لأن ساحاته الخارجية ارتبطت بساحته الداخلية إرتباطا مصيرباً.. وحدها الصورة هي التي تجعل من إعادة الحياة لذلك الارتباط شيئا ممكنا. مجازفة التقاط صورة عبر الكاميرا لهذا التلاقي والارتباط،.. حيث تصبح عملية التقاط الزوايا التي لا تراها العين، أمرا مستحيلا بوسع الكاميرا أيضا أن تمارس أبجدياتها الأولى، تحت ضغط الفضول، والإبقاء على المنظر ثابتا، وقابلا للتأمل.

حكاية التعليم

يوجد في الحصن غرفة تقدم حكاية بدايات التعليم النظامي في الشارقة وبعض الصور لمدرسة الإصلاح وهي أول مدرسة نظامية في الشارقة وكذلك رصدا لعدد المدارس والدارسين فيها وعدد الفصول الدراسية في العام الدراسي 1962-1963م.

تجارة اللؤلؤ

يطالع الزائر في غرفة تجار اللؤلؤ الأدوات المتعلقة بهذه التجارة التي كانت تعتبر العماد الاقتصادي في مدينة الشارقة، كما في مدن الإمارات العربية المتحدة كلها، إلى جانب أشكال اللؤلؤ والمحار.

أحداث ووثائق

الأحداث التي وقعت في الشارقة منذ بداية حكم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي عام 1924م وحتى وفاته، كما تحتوي بعض الوثائق والرسائل أهمها معاهدة أهالي الشارقة واللية والحيرة لإحضار أولاد الشيخ صقر بن خالد القاسمي لحكم الشارقة، وتضم أيضا أحداثا أخرى جرت في تلك الفترة مثل انتشار مرض الجدري ووصول أول طائرة للشارقة.

غرفة الشيخ

يوجد في غرفة الشيخ سرير قديم وصندوق أوارق وآخر خاص بالشيخ سلطان بن صقر القاسمي، يحتوي على مصحف قديم وخنجر قديم من الفضة، وشال، وغرفة الشرفة (استراحة الشيخ).

المكتبة القاسمية

تقع المكتبة القاسمية في الطابق الأرضي وتحتوي على كتب للشيخ سلطان بن صقر القاسمي ومكتب وكرسي قيم وتضم المكتبة مختصرا خاصا للحاكم يحتوي على (400) صورة تمثل عددا من المناسبات الهامة لتاريخ الشارقة وهي من مقتنيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.

مرعي الحليان