مؤلف كتاب الأذكياء: هو عبدالرحمن على بن محمد الجوزي القرشي، المعروف بابن لجوزي، علامة عصره في التاريخ والحديث، وله تصانيف كثيرة، ولد في بغداد سنة 508 هجرية، وتوفي فيها سنة 597ه. أما كتابه الأذكياء، فهو كتاب ممتع في نوادر الأذكياء، وطرائف أخبارهم بناه: ابن الجوزي على ثلاثة وثلاثين باباً، وقال في مقدمته:
وأحببت أن أجمع كتاباً في أخبار الأذكياء الذين قويت فطنتهم. وتوقد ذكاؤهم لقوة جوهرية عقولهم، وفي ذلك ثلاثة أغراض:
الأول: معرفة أقدارهم بذكر أحوالهم.
الثاني: تلقيح ألباب السامعين، وقد ثبت أن رؤية العاقل ومخالطته تغير ذا اللب.
الثالث: تأديب المعجب برأيه إذا سمع أخبار من تعسّر عليه لحاقه.
من الكتاب: ومن فصل في سياق المنقول من ذلك عن الخلفاء:
من المنقول عن هشام بن عبدالله، قال هشام لمؤدب ولده: إذا سمعت منه الكلمة العوراء في المجلس بين جماعة، فلا تؤنبه لتخجله، وعسى أن ينصر خطاه فيكون نصر للخطأ أقبح من ابتدائه به، ولكن احفظها عليه، فإذا خلا فردّه عنها.
ويورد الكاتب: وبلغنا عن الرشيد أنه رأى يوماً في داره حزمة خيزران، فقال الوزير الفضل بن الربيع: ما هذه ؟ فقال الوزير هذه عروق الرماح يا أمير المؤمنين، ولم ير أن يقول الخيزران لموافقة اسم أم الرشيد، وقال الفضل: إياكم ومخاطبة الملوك بما يقتضي الجواب، فإنهم إن أجابوكم شقّ عليكم، وإن لم يجيبوكم شق عليكم.
قال ثعلب: قلت للحسن بن سهل وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله:
ليس في السرف خير، فقال بل ليس في الخير سرف، فردّ اللفظ واستوفى المعنى.
ورأى الفتح خاقان في لحية المتوكل شيئاً، فلم يمسه بيده، ولا قال له شيئاً ولكنه نادى: يا غلام، مرآة أمير المؤمنين، فجيء بها، فأخذ المتوكل مرآته وأزال ذلك الشيء بيده.
وحدّث أن بعض التجار قدم من خراسان ليحج، وتأهب للحج وبقي معه ألف دينار لا يحتاج إليها، فمضى إلى الصحراء فرأى شجرة خروع، فحفر تحتها ودفنها ولم يره أحد، ولما عاد من حجه لم ير المال، فجعل يبكي فقيل له قصدت عضد الدولة فإن له فطنة، فذهب إلى عضد الدولة وأخبره بقصته، فجمع عضد الدولة الأطباء، وقال لهم داويتم في هذه السنة أحداً بعروق الخروع.
فقال أحدهم: أنا داويت فلاناً هو من خواصك فقال: علي به فقال له هل تداويت في هذه السنة بعروق الخروع؟ قال نعم، قال من جاءك بها، قال فلان الفراش، قال علي به فلما جاء قال من أين أخذت عروق الخروع؟ قال من المكان الفلاني قال: اذهب بها معك فأره المكان، فذهب معه وحين وصلا قال له تركت مالي هنا، وحين عادا إلى عضد الدولة، أمر الفراش بإحضار المال فتلكأ قليلاً ثم أعاده لصاحبه.
