ها نحن نتلمس نوعية أنشطتنا الثقافية ونتفحص كمية الاستسهال في الظهور المنبري ونشهد على حجم الاهتمام الإعلامي، ولا نبالي بذلك وكأن ما يحدث شأن شخصي للمستسهلين أو تحولنا إلى كائنات ليست معنية بالثقافة وإفرازاتها، فقد أعطت سعة الانتشار الإعلامي بعداً قيميّاً لمن تبهره الأضواء حتى لو كانت خافتة كما هو حال شح الكهرباء في ثقافتنا، لكن بريق الصورة يحولها إلى ضوء ساطع.

حولنا مهرجانات للشعر وأندية للقصة ومحاضرات في النقد وصحافيون في المرصاد تضافرت جهودهم للتقليل من قيمة الجمال الذي يقترحه الأدب في المجتمع ، تآزرهم في ذلك المؤسسة الثقافية فتوفر لهم المكان والرعاية لينشطوا من منابرها غير آبهين بمستوى ما يفعلون، أو غير واعين أن دور الأدب في الحياة ليس لتزجية الوقت أو للتسلية، ولعل المشكلة الأكبر في عدم وعيهم للدور الذي يقومون به تجاه المجتمع، فهم يحبون الكتابة والنشر ولا بأس بمكان يتبناهم.

لقد ساهمت ثقافة الاستسهال في نشر ما لا يرقى إلى الأدب، وساهمت ثقافة التسرع في تعزيز حياة الظهور، وخلف هذا الاستسهال والتسرع لا تقف أيديولوجيا تخريبية أو مؤامرة على الثقافة العربية كما اعتدنا أن نعلق غسيلنا على مشاجب الآخر بوصفه دخيلاً على عاداتنا وتقاليدنا، الأغلب أن من يقف خلف ذلك شخص لا مبالٍ ومتسرع، وربما يشكل حالة فردية في المجتمع وليس أيديولوجيا.

فإذا ساهمت ثورة التكنولوجيا في سرعة نشر الأفكار حول العالم وأعطت التقنيات الحديثة لمن يرغب فرصة مثلى للظهور العام، فإنها لم تكن متاحة لأجيال سابقة، أجيال حفرت الطريق الوعر بصبر وأناة، تلك التكنولوجيا التي تعزز حضورها في حياتنا الاجتماعية تتحمل جزءاً كبيراً من الاستسهال والتسرع، فقد كان المبدع يرسل نصه إلى المطبوعة وينتظر عدة أشهر ليراه منشوراً لكن يكفي اليوم أن يضعه على الفيس بوك ليصبح مشهوراً.

ثقافة الاستسهال حولت عدداً كبيراً من محبي الظهور إلى نجوم وساهمت مؤسسات ثقافية في ترسيمهم، وأعطتهم صحف كثيرة أضعاف أحجامهم، وإلى ذلك صاروا سفراء للثقافة لا توفرهم مهرجانات الشرق ولا الغرب يقدمون فيها ما هو قليل الشأن جمالياً بوصفه منتجاً وطنياً يمثل تجربة شعب أو أمة.

ترى هل ينظر الغرب إليهم نظرة تقدير؟!

hussain@albayan.ae