«الأفكار والاختراعات التي غيّرت العالم»، عنوان كتاب يُفصح بوضوح عن مضمونه. ويعود مؤلفه الأستاذ الجامعي الاسباني «خافيير اوردونيز» للحديث عن الاكتشافات الكبرى والمخترعات التي قلبت حياة البشر في جميع ميادين المعرفة من الطب إلى الصناعات المتقدمة ومرورا بوسائل النقل ومختلف العلوم وكل مجالات التربية والفنون وشتى مشارب النشاطات الإنسانية الخلاّقة.

ويحاول «خافيار اوردونيز» التقصّي عن منجزات «الإبداع» الإنساني على مدى عشرة قرون تقريبا تمتد من عام 900 وصولا إلى عام 1900. ويتوقف طويلا عند بعض الإنجازات التي غيّرت «نوعيا» حياة البشر. وهو يطلق على هذه الإنجازات صفة «ثورات» مثل تلك التي ترتبت على اختراع مقياس الزمن وميزان الحرارة واللقاحات ضد الأمراض والكهرباء والمطبعة وتقنيات التصوير، الخ.

ويمثل هذا الكتاب في أحد وجوهه نوعا من التأريخ لمسيرة العلوم منذ الآلات الحاسبة الأولى وحتى علوم الوراثة والحياة. ولعلّ من أحد ميزات هذا الكتاب هو تركيزه على دراسة ما يسميه «خافيار اوردونيز» بـ «الحوار المستدام» الذي وحّد منذ بداية البشرية حتى اليوم بين الفنون والعلوم.

الأمثلة التي يقدمها على هذا الحوار كثيرة، وليس أقلها شهرة «الدمغات المطبوعة البارزة» التي عرفها القرن الخامس عشر في أوروبا ولوحات جوهانز فيرمير ووليام تورنر وكلود مونيه وفانسان فان غوغ ورسومات ليوناردو دوفنشي وتماثيل مايكل انجلو. وكثيرين غيرهم بحيث أن هذا العمل يبدو أيضا تأريخا لدور الفن في دفع عجلة العلم إلى الأمام.

ومن الواضح أن التكوين المعرفي المتنوع للمؤلف وجمعه بين الفيزياء والفلسفة جعل من التنوع في الحديث عن المخترعات والأفكار التي غيرت العالم هو السمة الأساسية للكتاب. لكن هذا لم يمنع مؤلفه من القول «لا يزعم هذا العمل أنه يغطّي جميع المخترعات الكبرى التي عرفتها الإنسانية خلال حوالي 1000 عام، لكنه يريد أن يبيّن التنوّع الهائل للأشكال وللأفكار التي كان لها أثرها الكبير على ثقافتنا».

وفي شرح مستفيض عن الثقافة يرى المؤلف أنها تتغذى أولا وأساسا من مجموعة من «الأفكار الخلاقة». فمثلا كان البحث عن طريقة بسيطة لتوزيع النصوص المكتوبة باليد على أكبر عدد ممكن من البشر وراء ولوج المسالك المعرفية التي أدت إلى اختراع المطبعة.

هكذا كان عمل «غوتنبرغ» هو المحطة الكبرى التي توّجت أفكارا كانت تجول في ذهن الكثير من المغمورين الذين لا يسمع بهم أحد اليوم. ويتم التأكيد في هذا السياق أن المخترعين الكبار هم ثمرة «جهد جماعي».

هكذا قبل الدخول في شرح التقدّم الهائل الذي ترتب على ما يسميه المؤلف ب«الثورة الكوبرنيكية» أي حركة المجموعة الشمسية يعود المؤلف إلى البحث عن محاولات «السيطرة على الزمن» وذلك خاصة عبر التقدم الكبير الذي مثله «قياس الطول» بالنسبة للبحاّرة.

وإلى جانب «الأفكار والمخترعات الكبرى التي غيّرت العالم» يولي المؤلف أهمية خاصة لدراسة المسار الذي أدّى بالمخترعين والمكتشفين إلى تحقيق إنجازاتهم. هكذا يجد القارئ الكثير من الأسماء الشهيرة التي تتردد في صفحات هذا الكتاب في جميع الميادين مثل غاليلي غاليليو وباستور وابن سينا واديسون وغيرهم.

ولكنه يحد أيضا أسماء باحثين ومخترعين أقل شهرة ولكن كان لإنجازاتهم أثرا كبيرا في حياة البشر من أمثال وليام هيرشل، مخترع «التلسكوب»، وتوماس هاريو، «المخترع العبقري الذي عاش في عصر غاليليو وقدّم أول توصيف علمي دقيق لكوكب القمر»، كما نقرأ.

وإذا كان المخترعون والباحثون يحظون باهتمام خافيار «اوردينيز»، فإنه يولي نفس الاهتمام لوصف المسيرة العلمية التي عرفتها مختلف المشارب في مسار تطورها. هكذا وجد اختراع «الميكروسكوب» في القرن التاسع عشر امتداده في أجهزة الكشف عن الجراثيم وتشخيص الأمراض والتقدم في طريق مكافحتها.

وضمن نفس النسق من تسلسل المعرفة يتم البحث حول اكتشافات ومخترعات متنوعة مثل اختراع الكهرباء وسبل التواصل والمواصلات الجديدة وأسرار «الغرفة المظلمة» وتقنيات التصوير.

إنه في المحصلة كتاب عن مغامرة العقل البشري في عالم المعرفة والاختراعات الباعثة دائما للبحث عن حلول لحاجاتنا الحالية ولإبداع حاجات جديدة.

ويجد المؤلف أن الاكتشاف والاختراع وحتى التجديد أمور تشكّل كلها «حوافز من أجل زيادة المعرفة»، ثم هناك في واقع الأمر نوع من التداخل «العميق» بين هذه «الحوافز» حيث «يرى فيها البعض العناصر الأكثر أصالة لدى الكائن البشري»، كما نقرأ.

مسيرة المعرفة والاكتشاف والاختراع طويلة، وعن بداياتها يكتب المؤلف: «الأكيد، هو أنه منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، وفي مناطق ثلاث متباعدة نسبيا في العالم تتحدد ببقعة من شرق آسيا وفي المنطقة المسماة بالهلال الخصيب أو بلاد ما بين النهرين وفي وادي النيل توصّل البشر إلى عدة اختراعات خلال حقبة زمنية قصيرة جدا.

إن الكتابة والحساب والتنظيم الاجتماعي والسياسي وتأسيس المدن وما شهدته من نشاط تجاري كبير، كانت كلها اختراعات حاسمة ولّدت الثقافات الإنسانية النشيطة».

وكتاب عن مسيرة الاختراع والاكتشاف والتجديد خلال الألف سنة التي أسست للحضارة الحديثة، منذ 900 وحتى 1900. أما القرن العشرون فيعد المؤلف بتكريس كتاب قادم له.

المعرفة هي المرشد

يشير المؤلف بداية إلى أن البشر كانوا منذ بدايات تشكّل المجتمعات الإنسانية مأخوذين بإرادة فهم الوسط المحيط بهم، ومحاولة السيطرة على الطبيعة والنضال ضد المرض وزيادة قدراتهم.

وكان هذا كله دافعا لهم من أجل ولوج مختلف دروب الاختراع والاكتشاف والتجديد. وبفضل مثل هذه الإرادة وما ترتب عليها من جهود مبذولة، وخاصة بفضل «التعطّش للمعرفة» عرضت الإنسانية مسارا «تقدميا» في مغامرة متواصلة لم تنقطع. بل وتوصلت تلك المغامرة إلى إحداث تغييرات مهمة في العالم الذي نعرفه.

المؤلف في سطور

عمل خافيار اوردونيز لسنوات طويلة أستاذا في جامعة مدريد. وهو الآن مدير قسم اللسانيات والمنطق وفلسفة العلوم في «الجامعة المستقلة» بالعاصمة الاسبانية. والمؤلف حائز على شهادة جامعية عليا بالفيزياء الأساسية وهو دكتور في الفلسفة.

الكتاب: الأفكار والمخترعات التي غيّرت العالم

تأليف: خافيار أودونيز

الناشر: رويرغ ـ باريس 2009

الصفحات: 254 صفحة

القطع: المتوسط

Les idées et les inventions qui ont changé le monde

Javier Ordonez

Rouergue - Paris- 2009

P.254