«ليونيل جوسبان بقلمه» هو كتاب حوارات مع الصحافيين بيير فافييه وباتريك روتمان. ويعود فيه رئيس وزراء فرنسا الأسبق إلى الحديث عن مساره السياسي الذي وضع حدا نهائيا له في شهر أبريل من عام 2002.

لقد كان آنذاك مرشحا لمنصب رئيس الجمهورية عن الحزب الاشتراكي الفرنسي، أي المرشح الرئيسي لمعسكر اليسار في مواجهة جاك شيراك الذي كان يومذاك مرشح اليمين للمرة الثانية بعد انتخابه للمرة الأولى عام 1995.

لكن جوسبان أُقصي من السباق الرئاسي عندما نال جان ماري لوبن، مرشح اليمين المتطرف ممثلا بحزب الجبهة الوطنية، على نسبة أعلى من المرشح الاشتراكي في الدورة الانتخابية الأولى ـ الانتخابات الرئاسية في فرنسا تجري على دورتين يفصل بينهما أسبوعان ـ، وهكذا قرر جوسبان أمام تلك «الهزيمة» أن يتنحّى تماما عن العمل السياسي.

يقول جوسبان عن تلك الانتخابات في كتابه الصادر قبل أيام «كانت مهمتي هي قيادة اليسار إلى الانتصار الرئاسي. وهنا يمكنني القول ان فريق اليسار تخلّى عن قائده ـ عن الكابتن-». هذا يعني أنه يضع مسؤولية هزيمته «على ظهر» بعض القوى اليسارية الفرنسية.

وهو يوجه بنفس الوقت انتقادا شديدا لهذه القوى عندما اقترعت في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية لصالح جاك شيراك تحت حجّة محاربة الفاشية التي يمثلها جان ماري لوبن. نقرأ «أرى أنه من المضحك الطريقة التي انضمّ فيها اليسار، بما في ذلك اليسار المتطرّف، لمعسكر جاك شيراك بحجة محاربة الفاشية.

وفي الواقع، ومهما كانت درجة النفور من حزب الجبهة الوطنية، لم يكن هناك في فرنسا آنذاك تهديدا فاشيا وكان انتصار مرشح اليمين مؤكّدا، وبدون العون الاشتراكي».

وما يؤكده جميع المحللين في فرنسا هو أحد مشاكل اليسار الحالية هو «افتقاره» منذ تنحّي ليونيل جوسبان لزعيم يمثّله، هذا بالإضافة إلى افتقاره لبرنامج واضح وغياب منظوره لتحالفات محددة.

هذه الأمور كلها يتجنّب الخوض فيها صراحة. لكنه بالمقابل يدافع عن محصّلة عمله عندما كان رئيسا للوزراء ما بين 1997 و2002. وهو يؤكد خاصة على أنه اختار «دور الحكم» مع الاحترام الكامل لكفاءات فريق حكومته وعملهم كفريق. وهو «يستفيد» من فرصة قول هذا للحديث عن طريقة حكم رئيس الجمهورية الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي.

وعن علاقته بالرئيس الفرنسي الأسبق الراحل فرانسوا ميتران التي كان قد قال عنها ذات يوم بكلمة واحدة أنه «يعترف بالجميل»، يعود في هذا الكتاب لتأكيد ما كان قد قاله ويكتب «نعم بالتأكيد فتح لي فرانسوا ميتران السبيل من أجل ممارسة العمل السياسي الحقيقي، العمل الذي وجّه مسيرة حياتي كلها.

وقد منحني الفرصة لقيادة الحركة السياسية الاشتراكية التي كان قد بعثها للحياة من جديد. وكان بالنسبة لي قدوة بالدقة والحزم والتصميم في ممارسة السياسة».

ويُعيد ليونيل جوسبان لفرانسوا ميتران الفضل في تعيينه بأول مسؤولية سياسية حقيقية في الدولة. ويؤكد أنه قاسمه لحظات الصعوبة ولحظات الانتصار. ونظرا لكل ما كان قد قدّمه له لا يتردد في القول أن كلمة «الاعتراف بالجميل» مناسبة جدا لوصف موقفه حيال ميتران.

هذا مع إشارته بحزم إلى وجود «خلافات» و«تباينات» لا بد منها لكن بعيدا عن روح «الخيانة». ولكن «حرية الرأي التي كان ميتران قد جعل منها قاعدة في حياته». وعندما توفي فرانسوا ميتران يوم 8 يناير 1996، أحس جوسبان أنه «من الصعب مواجهة ما لا يمكن ردّه».

لكنه أضاف: «إنني أفكّر بموته أقل بكثير مما أفكّر في حياته التي كانت قد اكتملت، ولكنها كانت قد غيّرت الكثير من حياتي خلال ثلاثة عقود سابقة. وكنت أعرف أن قدري هو أن أكمل الطريق الذي بدأه».

ويعود جوسبان في هذا الكتاب أيضا إلى مسألة كانت قد ألقت الكثير من الظلال على مسيرة حياته السياسية وهي الكشف عندما كان في موقع المسؤولية عن انه كان يساريا متطرفا، «تروتسكيا» خلال فترة من شبابه. ويكتب بهذا الصدد «قد أعيب على نفسي أنني لم أتحدث عن ذلك بوقت مبكر. لقد ترددت ولم أفعل ذلك (...). وليس لدى المرء بالضرورة الرغبة في الحديث عن أمر كان قد عاشه بصورة سريّة، وأصبح ينتمي إلى عالم النسيان».

وبعد تأكيده أن «الحلم الثوري قد دغدغ أحلامه حيث كانت الحقبة كلها متشرّبة فيه» يصف مساره كالتالي «كنت أولا تروتسكياً واشتراكيا، ثم انحدر التروتسكي أمام الاشتراكي».كذلك يتعرض رئيس وزراء فرنسا الأسبق ليونيل جوسبان للحديث عن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك وعن الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي.

وعن فترة التعايش التي كان فيها رئيسا للحكومة في عهد شيراك كرئيس للجمهورية يكتب «من أجل الوصول إلى علاقات شخصية هادئة بين رئيس الجمهورية ـ شيراك وبيني كان عليه التوقف عن نقدي علنا وعدم تنظيم هجومات ضدي كردّ على قضايا الفساد التي كان يواجهها».

وعن الرئيس ساركوزي يكتب «مع هذا الرئيس، من الأفضل عدم التمسّك بالخطاب الذي يقوله. فرغم إظهار نوايا العمل المشترك فإن واقع السياسة التي يقودها ساركوزي تخلّ بالتوازن وتنتقص من المكتسبات الاجتماعية. إن الرئيس تسلّط في السياسة، وهو من أنصار ترك المجال على غاربه لفعل كل شيء في الاقتصاد ويحتفظ دائما بدعم مصالح الأكثر قوة».

رئيس وزراء فرنسا الأسبق يتحدث عن مساره وعن سياسة بلاده وسياسييها خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

عن ساركوزي

«إنني لا أفهم اليوم الطريقة التي يعمل فيها رئيس الجمهورية، وتهميش رئيس الوزراء وإساءة معاملة الوزراء ودفعهم للتقدم ثم انتقاد ما فعلوا مثلما يفعل نيكولا ساركوزي، إنما هي طريقة في تسيير أمور الدولة وللعلاقة مع البشر غريبة عنّي تماما. وأنا على قناعة أن مثل هذه الطريقة في التصرّف قد تتكشّف عن مساوئ كبيرة في زمن الشدائد».

المؤلف في سطور

ليونيل جوسبان هو أحد أشهر الشخصيات السياسية الفرنسية خلال العقدين الأخيرين. كان رئيسا لحكومة فرنسا ووزيرا في عدة حكومات فيها وأمينا عاما للحزب الاشتراكي الفرنسي. له العديد من المساهمات في الصحف والدوريات الفرنسية.من كتبه: «العالم كما أراه» و«الطريق المسدو

الكتاب: ليونيل جوسبان بقلمه

تأليف: ليونيل جوسبان

الناشر: سويل ـ باريس 2010

الصفحات: 280 صفحة

القطع : المتوسط