لا يولد الناس خارجين على القانون بل قد يصبحون كذلك فيما بعد. هذا ما يحاول أن يبرهن عليه «لوران ماريشو» في كتابه الصادر مؤخرا تحت عنوان «الخارجون على القانون» والذين يشملون اللصوص وقطّاع الطرق والقراصنة والمغامرين والفوضويين. هؤلاء جميعا «اختاروا الحرية» بمعنى خروجهم على القانون عن سابق إصرار وتصميم.

بعض الخارجين على القانون الذين يصف المؤلف مسار حياتهم تمرّدوا على أشكال الظلم أو ضد استغلال الشركات الكبرى أو احتكار العالم الصناعي. وبعضهم مارسوا تمرّدهم وخروجهم على القانون على خلفية نوع من الحنين إلى «مجالات عذراء» لم تمسّها مساوئ السلوك البشري. بهذا المعنى لا يقدم المؤلف الخارجين على القانون الذين يقصدهم كمجرمين أو لصوص لا يمتلكون أية قيم بل على العكس إنه يرى أفعالهم كنوع من الاحتجاج على عدالة متعسفة أو على الثراء الفاحش لأقلية قليلة لا تأخذ باعتبارها أية قيمة سوى زيادة ثرائها أو الاحتجاج على اضطهاد الفقراء. ثم إن سعيهم من أجل تحقيق «الأهداف النبيلة» التي يريدون تحقيقها دفعهم للقيام بتضحيات كبيرة وعرّضهم لدفع الثمن غاليا والذي وصل أحيانا إلى منصة الإعدام ناهيك عن الملاحقة الشرسة لرجال الشرطة في كل الأحيان.ويشير المؤلف إلى أن شهرة بعض هؤلاء الخارجين على القانون وصلت إلى أقصى أرجاء العالم ومغامراتهم معروفة من قبل الجميع. لكن هذا لا يمنع بالوقت نفسه أن أسباب تمرّدهم الحقيقية ظلّت غائبة أو مغيّبة في أكثر الأحيان.

مع ذلك، ورغم أنه يتم النظر إليهم غالبا كمجرمين خطيرين، قد مارسوا على الآخر من قوّة جذب كبيرة.

وإذا كان المؤلف يتحدث بتعاطف كبير مع «أبطاله» الذين يكتب نبذة عن سيرة حياتهم، فإنه يطالب منذ البداية بعدم خلط الأمور والغرق بالأوهام، إذ «لا يكفي أن يقول أحدهم أنه الابن الروحي لروبين هود ـ اللص الظريف ـ كي يصبح محبّا للعدل وحاملا لقلب كبير.

ذلك أن إرادة الأخذ من الأغنياء من أجل منح الفقراء تختفي غالبا عند تقاسم الغنائم. ذلك أن الطمع والجشع يشوشان سريعا على العقل وينهيان كل المشاعر الكريمة. وباستثناء بعض الاستثناءات النادرة، يتحول الإعلان عن السعي لتحقيق عالم أفضل إلى ملحمة قاتلة».

«الخارجون عن القانون» الذين يتحدث عنهم المؤلف هم يمثلون «الاستثناءات». هكذا نقرأ عن «روبن هود»، البطل الفولكلوري الانجليزي الذي عاش في القرون الوسطى، ويكرس المؤلف له ولأمثاله فصلا تحت عنوان «أشكال روبن هود واللجوء إلى الغابات»، ولذلك يسمّى «روبن ابن الغابات». وكان روبن هود خارجا على القانون اختار العيش في غابتي «شيروود» و«بارنسدال». كان كريما وبارعا في سلب الأغنياء كي يساعد الفقراء والمضطهدين.

أما أول ذكر لروبن هود فيعيده المؤلف إلى عام 1377، ثم أخذت حكايته أشكالا شتى. لكن منذ العصور الوسطى حتى اليوم جرت صياغة «أسطورة» هذه الشخصية عبر أعمال مسرحية وأفلام سينمائية وأغاني وأهازيج ومسلسلات تلفزيونية. هذا مع الاستخدام الإيديولوجي لروبن، حيث يبدو أحيانا كمجرد «قاطع طريق» وأحيانا أخرى ك«مقاوم» له قضية.

ومن «الخارجين على القانون» الذي يوليهم المؤلف اهتمامه «شينغ شيه»، «الأرملة القرصان» التي عاشت أغلب سنوات حياتها في القرن التاسع عشر. وكانت، كما يتم تقديمها، تقود «أسطولا من القراصنة»، أو كانت لا تتورع عن قطع رأس الأغنياء لكنها كانت تحمي الفقراء وأبناء البلدان الأصليين التي تحلّ فيها.

كما كانت تقوم بثقب أذن كل رجل من سفينتها ينزل إلى البر دون إذن منها ولا تتردد في قتله إذا «كرر فعلته». لم تكن «شينغ شيه» تساوم على القانون التي تسنّها، وعدم الطباعة كان الجريمة الأكبر بالنسبة لها. وجريمة كبرى أخرى كانت بنظرها سلب قرية كان أهلها قد قدّموا المساعدة للقراصنة. والسارق من الغنائم كانت عقوبته الموت وكذلك اغتصاب السجينات.

و«الأخوة دالتون» الذين قُتل اثنان منهم وبقي واحد فقط هو «ايميت دالتون» أثناء هجوم على بنك عام 1892 «ايميت» هذا أمضى في السجن 14 سنة ثم خرج وأصدر كتابا عام 1918 عن قصة خروجه واخوته عن القانون.

وكانت هوليود قد قدّمت حياة الأخوة دالتون في فيلم لعب فيه «ايميت» دوره في الحياة.الصفحات الختامية من الكتاب مكرّسة لرجل العصابات الفرنسي الشهير «جاك ميسرين». واختار لها المؤلف عنوانا يقول: «الخارجون على القانون في القرن الحادي والعشرين».

وذلك في إشارة «مبطنة» إلى الخارجين على القانون قد يكونون «مستقبل العالم» حيث نقرأ «الخارجون على القانون الجدد موجودون اليوم في عالم المال والمعلوماتية وهم يسرقون، قبل انكشاف أمرهم وفقدان كل شيء، من الأسواق المالية المظلمة. ودون حماس ودون أي تصرف ينمّ عن الشرف (...). إن عالمنا يموت بسبب افتقاره إلى خارجين على القانون يملكون قلوبا كبيرة».

بحثا عن الحريّة

السمة المشتركة لهؤلاء الخارجين على القانون من أجل ولوج دروب «الحريّة» كما فهموها وحددوها فهي أنهم كانوا على وعي كامل أن الطريق الذي سلكوه كان مسدودا، بل وأن الموت كان ينتظرهم في نهاية بأغلب الأحيان. لم يكن ذلك هو الذي يخيفهم طالما أنهم كانوا يروون بسلوكهم، كما اعتقدوا، نوعا «أرواء تعطشهم للحرية» واستجابة لبحثهم عن عالم أفضل.

المؤلف في سطور

لوران ماريشو كاتب وروائي فرنسي، صدرت روايته الأولى «أشكال الخوف السبعة» عام 2005 وتلتها روايته الثانية «ابن التنين» ف«جواهر العائلة». هذا قبل أن يكرس كتابه الأخيرة لسيرة حياة 24 خارجا على القانون، ممن يسميهم «المتعطشون للحرية».

الكتاب: الخارجون على القانون

تأليف: لوران ماريشو

الناشر: ارتو ـ باريس 2009

الصفحات: 448 صفحة

القطع : الكبير

Hors la loi

Laurent Maréchaux

Arthaud - Paris- 2009

P.448