ما هي المصادر التي شكلت الالهام بالنسبة لك لإبداع رواية «أغنيات الحدود»؟ هل كانت هناك حوادث فعلية على الحدود الكندية ـ الأميركية ألهمتك فكرة هذه الرواية؟

تعلقت بمفهوم تأليف رواية تتخذ من الحدود الكندية ـ الأميركية مسرحاً لها بعد رحلات عديدة إلى هناك صحافي يكتب عن المخاوف الأمنية وتهريب الماريجوانا. والنهاية الغربية للحدود ليست رائعة فقط، ولكنها تؤثر في الذهن أعظم تأثير، عندما يرى المرء كيف أن البلدين لا يفصلهما إلا خندق يستخدم مصرفاً لمياه الري.

وقد كانت رؤية عدد متزايد من سيارات الدورية الخضراء والبيضاء التي تجوب المزارع الواقعة على الحدود كافية لإطلاق العنان للرواية في ذهني. وقد كانت هناك قصص خبرية عديدة على جانبي الحدود ساعدت في إلهامي الرواية.

هل تعين عليك القيام بالكثير من الأبحاث لتأليف هذه الرواية؟ هل تحدثت مع أناس لديهم تصور لإدارة نشاط منظم لتهريب الماريجوانا؟ أو مع أناس يديرون مزارع إنتاج الحليب؟ ما مدى قرب منزلك من الحدود؟

قمت بالكثير من الأبحاث، كصحافي أولاً ثم كروائي. وقد تضاعفت القوة الشمالية لدوريات الحدود ثلاث مرات خلال العامين اللذين أعقبا أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولكنني عندما انطلقت بالسيارات مع رجال هذه القوة أصبح واضحاً بالنسبة لي أنه ما من أحد يمسك بإرهابيين هناك.

وما كانوا يفعلونه في المقام الأول هو رصد حمولات هائلة من ماريجوانا بريتش كولومبيا وهي في طريقها إلى المدن الكبرى في الغرب الأميركي.وقد رأيت رجال هذه القوة وهم مذهلون كالمراهقين أمام أكوام من براعم الماريجوانا. وأجريت مقابلات مع ناشطين ومزارعين كنديين، ووجدت مشهد الماريجوانا في ولاية بريتش كولومبيا طريفاً ومسلياً.

فبينما كانت الإدارة الأميركية تصعد حربها على المخدرات وتصف الماريجوانا بأنها مخدر الحدود القاتل، كانت كندا تغازل فكرة إضفاء الطابع الشرعي على الماريجوانا وزرع مقادير هائلة منها إلى حد أن مجلة «فوربس» وصفت «برعم بريتش كولومبيا» بأنه أكبر صادرات الولاية الزراعية على الإطلاق.

وقد شملت أبحاثي كذلك قضاء بعض الوقت في مزرعة صغيرة لإنتاج الألبان. وقرأت كتباً عن الطيور والتلعثم والتوحد وفن المشاهد الطبيعية أيضاً. وأنا أقيم على بعد 150 ميلاً إلى الجنوب من الحدود.

تتخلل روايتك فكرة الحدود بين الأماكن، بين الناس، بين العالم الطبيعي والعالم الذي صنعه الإنسان، بين الماضي والمستقبل. هل تضع في ذهنك كل هذه الموضوعات الأكثر صرحية عندما تنطلق لتأليف رواية تقع أحداثها على حدود فعلية؟

لقد كنت على تمام الوعي بعناصر التوازي هذه في غمار بروزها. ولكنني لم أنطلق لإيجادها. وقد وثقت في أن مسرح الأحداث والشخصيات والمادة سوف تنطلق قدماً بالعمل، وحاولت كبح جماح كل ما هو ممكن فيما الرواية تتطور.

وانطباعي الدائم عن الحدود الكندية هو أنها موجودة هناك لإيجاد وهم الأمن. وهي توحي بأنها تعسفية، وفي العديد من الجوانب، عبثية، وهو ما يمكن وصفه بأنه توصيف مناسب لمعظم الحدود التي نقيمها بين كل منا والآخر، وبين الأجيال والعصور والأماكن.

وكلما أمعنت النظر في الشطر الغربي من الحدود وجدته أكثر عبثية. وهو يفترض أنه يسير بمحاذاة خط العرض 49، ولكن هذا الحد الرفيع وغير الدقيق يغدو أكثر كثافة في أشجاره بسرعة بالغة بحيث لا تستطيع الفرق المزودة بالمناشير الكهربائية وبلطات قطع النباتات الحفاظ عليه.

والعديد من أمياله ليست متعينة ولا تحرسها دوريات، غير أن ذلك لا يمنع تكرار الصيحات «أمنوا الحدود!». وقد بدا هذا كله بالنسبة لي بمثابة مادة استفزازية وكوميدية.

يعد براندون فاندركول شخصية رائعة للغاية وبطلاً غير محتمل الوجود بالتأكيد. ترى من أين جاء؟ إنه يبدو، في بعض الجوانب، المقابل لمايلز، بطل روايتك الأولى «المد الأعلى». ولكن بينما نجد مايلز قصيراً بصورة استثنائية فإن براندون طويل على نحو استثنائي، وبينما تفتن الحياة البحرية مايلز، فإن عاطفة براندون تتركز باتجاه السماء نحو الطيور. هل هذا كله بمثابة مصادفة؟

لقد أعجبت على الدوام بمن يتسمون بدقة الملاحظة، ولذا فربما كان من المعقول أنني أبدعت بطلين يتحولان إلى مادة مميزة يفتقدها معظمنا.

وقد أردت أن أبدع رجل دورية يتناسب على نحو غريب وفريد مع هذا العمل، على الرغم من حداثة سنه وارتباكه. وبراندون هو رجل الدورية الذي عاش على امتداد الحدود طوال عمره، وبالتالي فهو يلاحظ مالا ينتمي إلى المنطقة.

وهو أكثر بكثير من حيث الانتباه من رجل الدورية العادي، ويرجع ذلك في أحد جوانبه إلى أنه يرصد المنطقة على الدوام بحثاً عن الطيور غير المألوفة وفرص مشاهدة فن الطبيعة. وفي البداية جعلته طويلاً للغاية على سبيل التسلية، ولكن ما إن بدأ في البروز على الصفحات حتى بدا أن طوله المفرط متناسباً مع ذهنه المفرط، وكان الوقت متأخراً للغاية على جعل أي شيء آخر بخلاف ما هو عليه تماماً.

يتخلل روايتك تعجب حقيقي من العالم الطبيعي وتوقير له.

ما الذي أثار اهتمامك بالطبيعة على هذا النحو؟

لقد أمضيت معظم سنوات عمري في غربي ولاية واشنطن، وهي أعجوبة مؤلفة من الجبال والخلجات والغابات. وربما لم يكن لدينا الكثير من التاريخ والثقافة في هذه المنطقة، ولكن لدينا البعض من أروع الغابات المطيرة ومسطحات المد والحقول الجليدية في العالم. والعديد من اللحظات التي أحسست فيها بأنني أكثر تدفقاً بالحياة كانت في هذه الأماكن، بينما كنت أتزلج، أبحر بالمراكب الشراعية وأتسلق ضاحكاً.

يتعين علينا التساؤل: هل أنت من عشاق مشاهدة الطيور؟ لأنه شخص مطلع على عالم الطيور وتغريدها هو وحده الذي يمكن أن يجعله الحياة تتدفق في الطيور بصورة جميلة على نحو ما فعلت على امتداد الرواية.

شكراً، إنني الآن خبير بالطيور إلى حد ما، لكنني لم أكن كذلك عندما بدأت كتابة هذه الرواية. وهذه إحدى أعاجيب إجراء الأبحاث، ومعرفة كيفية تعرف الطيور. وعلى امتداد الطريق للوصول إلى ذلك تعرفت ببعض من أمهر خبراء الطيور في الغرب، وهم أناس يركزون أشد التركيز على هذا الاهتمام بحيث انهم يستبعدون أي شيء آخر، ولا يرون ولا يسمعون شيئاً إلا الطيور.

وعبر النظر من خلال عيونهم فإن العالم يبدو مختلفاً تماماً. وبقدر ما يتعلق الأمر بالعادات والاهتمامات الاستحواذية، فإنني أعتبر الاهتمام بالطيور اهتماماً استحواذياً.

يتعرض نورم والد براندون لخطر فقدان مزرعته وأمه، جين، لخطر فقدان ذاكرتها. ويبدو أن هذه الخسائر المحتملة مرتبطة بإحساس أكبر من خسارة طريقة الحياة. وكما كتبت: «إن ما أثار نورم وفجر ضيقه أكثر من تحول مزارع انتاج الألبان إلى مزارع فاكهة هو تحول هذه المزارع إلى مزارع لهو وترفيه للأثرياء. والأسوأ من كل شيء آخر هو عندما ترك الأغنياء الأجران والصوامع قائمة انطلاقاً من حنين إلى أميركا لم يعرفوها قط».

مع اطلالة الرواية الثانية للكاتب الأميركي جيمي لينش، أخيراً، بعنوان «أغنيات الحدود» بادر موقع «راندوم هاوس» الثقافي المتخصص إلى إجراء هذه المقابلة معه، حيث أشار إلى أنه استلهم هذه الرواية من زياراته العديدة لمناطق الحدود بين ولاية بريتش كولومبيا الكندية وغربي ولاية واشنطن الأميركية.

وإقامته على بعد 150 ميلاً إلى الجنوب من هذه الحدود، وأعرب عن اعتقاده بأن الحدود التي نقيمها بين الأجيال والعصور والأماكن هي حدود تعسفية ومجردة من المعنى، وقال إنه يعكف في الوقت الحالي على إنجاز روايته الثالثة، التي تتخذ من سياتل مسرحاً لأحداثها.

منى مدكور

المؤلف في سطور

عمل الروائي الأميركي جيمي لينش بالصحافة، وقام بتغطية العديد من الأحداث على امتداد الحدود بين ولايتي بريتش كولومبيا الكندية وواشنطن الأميركية، وتوجت جهوده في مجال الصحافة بالحصول على العديد من الجوائز القومية والدولية، أبرزها جائزة ه. ل. مينكن وجائزة لفنجستون للصحافيين الشبان.

ولفت الأنظار إليه بشدة مع صدور روايته الأولى «المد الأعلى» التي فازت بجائزة باعة الكتيب في الشمال الغربي الأميركي وتصدرت العديد من قوائم أفضل الكتب مبيعاً، وتم اقتباسها للعرض على خشبة المسرح، وصدرت في طبعات مختلفة في إحدى عشرة دولة إلى جوار الولايات المتحدة.

وصدرت مؤخراً روايته الثانية «أغنيات الحدود» وسط إشادة عارمة من النقاد والقراء، وهو يعكف على تأليف روايته الثالثة التي تتخذ من مدينة سياتل التي نشأ بها المؤلف ساحة لأحداثها.