الذين قرأوا، بحب وتعاطف، رواية جيمي لينش الأولى «المد الأعلى»، ثم عادوا لقراءة روايته الجديدة «أغنيات الحدود»، لابد أنهم توقفوا طويلاً عند الثراء الاستثنائي في العملين على حد سواء بالشخصيات المفعمة بالحياة والنشاط، الأمر الذي يؤكد أن إبداع الشخصيات هو أفضل ما ينجزه جيمي لينش حقاً.
وينطبق هذا القول بصفة خاصة على شخصية براندون بطل «أغنيات الحدود»، فهي مكتوبة انطلاقاً من قرارة نفس إنسان يفهم ويستطيع التواصل مع شخص له مفاهيم خاصة ينفرد بها.
هكذا فإن براندون يتألق عبر حبكة معقدة وعلاقات متشابكة بين الشخصيات، فيجعل من هذه الرواية عملاً رائعاً وعميقاً في آن.
ولعله ليس من قبيل المبالغة القول إن «أغنيات الحدود» تشكل نسيجاً وحدها. ويلفت نظرنا أن البطل براندون فاتدور كول تمتع على الدوام بمنظور غير مألوف، خاصة مع قيام أبيه بإبعاده عن مزرعة انتاج الألبان التي يمتلكها ليلتحق بصفوف رجال دوريات الحدود.
وقد اعتاد القفز عبر الخندق الذي يشكل الحدود الأميركية الكندية منطلقاً إلى ولاية بريتش كولومبيا، ولكنه غدا الآن مسؤولاً عن حراسة ثلاثين ميلاً من هذه الحدود غير المرئية تقريباً.
وعلى الرغم م عدم ارتياح براندون إلى مهمته التي تفرض عليه الزي الرسمي، إلا أنه ينغمس في حبه لمراقبه الطيور، ولا يعثر على نوعيات كثيرة منها فحسب، وإنما يعثر كذلك على عدد كبير من المهربين، الذين ينقلون كمياتك بيرة من الماريجوانا إلى ولاية واشنطن وكذلك على متسللين غير شرعيين ربما كانوا أشد خطورة من المهربين، فهذه المنطقة التي كانت قبل عقد من الزمان أرض ظهير ريفية ناعسة غدت الآن خط المواجهة في الحرب المتصاعد على كل من المخدرات والإرهاب.
تتعرض الحياة على كل من جانبي الحدود لتحول مماثل، فالدور التي تقع على قمم الجبال في كندا تطل على مزارع الفاكهة التي ربما تشكل طرقاً مناسبة إلى السوق الأميركية المزدهرة. والسياسيون يضغطون من أجل مزيد من الأمن، فتنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، والمواطنون الذين كانوا يذعنون للقانون في السابق أصبحوا الآن يميلون إلى إغماض عيونهم عما يجري.
وفي المزرعة يحارب والد براندون المرض الذي يجتاح قطعانه، وتحارب أمه شيئاً أكثر خطورة، هو النسيان الذي يجتاح ذاكرتها. أما مادلين روسو التي نشأت على الجانب المقابل من الخندق فقد رأت مهاراتها في زراعة الحدائق وقد تحولت إلى نشاط هائل الربح، بينما ينشغل أبوها بتقليد اختراعات الماضي العظيمة وعلاج نفسه ومحاربة الامبريالية. وتطل على هذا خبيرة في التدليك يحيطها الغموض، فيما تعرف أسرار الجميع.
هكذا تبدو لنا رواية «أغنيات الحدود» عملاً غنياً بالشخصيات المثيرة للاهتمام، التي تتعامل مع عالم دائب التحول، وتطل علينا كرواية تجمع في آن بين الطابع الكوميدي والرقة والقوة، فتقدم لنا في نهاية المطاف لوحة بانورامية هائلة لمجتمع لا تخطئه العين وقصة حب فذة تتحدى النسيان.
ربما تتكشف لنا جوانب من أسرار فتنة هذا العمل الروائي النادر عن شمال الغرب الأميركي من خلال اعتراف المؤلف بأنه يجد نفسه مجتذباً إلى ساحات الأحداث الدراماتيكية ووقوعه في حب أماكن بعينها لا يفتأ يفكر فيها ويدرسها إلى أن تنهض منها الشخصيات والقصص، ومن هنا يأتي تشديده على أنه يعتبر نفسه محظوظاً لأنه ولد في منطقة سياتل الكبرى ونشأ في الشمال الغربي الأميركي.
وهو يقول إنه كان يعرف على الدوام على أي أرض ستدور أحداث رواياته، فهو بحكم عمله الصحافي أمضى وقتاً طويلاً في دراسة الطرف الغربي من الحدود الأميركية ـ الكندية ورصد الحدود التي يصفها بأنها خط لا معنى له والذي يفترض أنه يمتد بموازاة خط العرض 49 من مينسوتا إلى المحيط الأطلسي.
حيث تكسوه الأشجار والنباتات، وفي أحوال كثيرة لا يميزه شيء إلا مصرف صغير أو لا يميزه شيء على الإطلاق.
وهو يلاحظ أنه على نحو ما تحولت أراضي المزارع الهادئة المتواضعة هذه فجأة إلى النمط الأمامي في ساحة المعركة على الإرهاب والحرب على المخدرات، وأنه سرعان ما وجد نفسه يبتكر الشخصيات على جانبي الحدود بما في ذلك رجل الدورية براندون الذي تشكل الطيور عشقه الكبير والوحيد، وحول هذه النواة تكونت «أغنيات الحدود». وقد كان من الطبيعي أن تثير رواية على هذا القدر من الثراء ردود فعل مدوية على امتداد جانبي الحدود كليهما.
هكذا نقرأ في مقال مطول لروف تشارلز في صحيفة «واشنطن بوست» قوله «رواية مدهشة، رقيقة، حزينة، متألقة باللماحية. ويبرز من بين شخصياتها العديدة براندون فاندركول الذي يستعصي على المقاومة والذي انضم أخيراً إلى حرس الحدود ويجتاز بعضاً من أجمل المشاهد في هذه الرواية.
إن جيمي لينش لم يكتب نقداً ليبرالياً للحرب على الإرهاب فحسب، وإنما كتب تفنيداً مؤشراً ومتفائلاً للبارانويا التي تشجع الناس على تصور إمكانية القفز فوق كل شيء يفصل البلدين».
وتقول صحيفة «بوسطن جلوب» أبرز الصحف الكندية عن هذه الرواية إن: «إنجاز الرواية يتمثل في أنه ما من شيء من الكتابة الصحافية المكثفة التي تجعلها عملاً واقعياً يظهر أمامنا على صفحاتها. وبطلها براندون يشكل إبداعاً لشخصية من طراز نادر. وأرض الحدود التي يقدمها لينش ليست كوميدية فحسب ويمكن استيعابها وإنما هي رمزية على نحو بالغ الثراء.
والمقارنة بينها وبين أعمال كين كيسي وتوم روبنز ليست حتمية فحسب وإنما هي موضع ترحيب كذلك». وترى ماري آن جوين محررة صفحات الكتيب في صحيفة «سياتل تايمز» إن «لينش يلاحظ بعيني الصحافي ويكتب بقلم الشاعر. وبطله براندون من أبرز الشخصيات التي أبدعها مؤلف ينتمي إلى الشمال الغربي فيما تعيه الذاكرة».
وتقول صحيفة «ناشيونال بوست» الكندية إن: «جيمي لينش ينطلق على نحو متمكن على النمط بين الملاحظة الدقيقة والسخرية والمرح غير المتوقع، متتبعاً في غضون ذلك نضج بكل من نوع مدهش». وفي إيجاز شديد تقول مطبوعة «بيلشرز المتخصصة عن هذه الرواية: «إن تصوير لينش للعالم الطبيعي وتعاطفه العميق مع شخصياته يمضي قدماً بالكتاب وبلحظاته الرائعة».
وبالإيجاز نفسه تقول مطبوعة «بوكليست» المتخصصة أيضاً عن رواية لينش إنها «شديدة الجاذبية، بل ودافعة للحماس، وكل شخصية تستعصي على النسيان، ومرسومة بخطوط مميزة». ويقول موقع «أمازون» الإلكتروني المتخصص إن هذه الرواية «عمل مبهج، صورة ساخرة على نحو دقيق، وقصة حب فذة تعكس احتفاء بما هو عرض وأقرب إلى روح المعجزة».
وبدورها ترى صحيفة «بتسبرج تريبون» أن هذه الرواية هي: «واحدة من أكثر الروايات إبداعاً وفرادة في السنوات الأخيرة، ومعالجة لينش البارعة للأصوات المتعددة وخطوط القص تجعل من هذه الرواية عملاً يمضي بإيقاع سريع للغاية».
وتقول صحيفة »لويزفيل كوريير جورنال» إن «لينش يكتب بكبح للجماح يجعله موضع حسد الكثيرين، وهو يرى بصورة غير متوقعة بالمرة كيف أن حياة شخص ما تدق ساعتها وتندفع إلى مكان ما أو تخرج منه. ومعالجته للعبارات بارعة كلمة ريشة، ولكنها بالغة الدقة وواضحة الهدف بحيث أنك تجد نفسك أسيراً للرسالة التي تحملها لك».
ما يتذكره الجميع
«يتذكر الجميع الليلة التي انطلق فيها براندون فاندركول عبر حقل جليد كراوفورد، وألقى القبض على أمير المتاهة وأميرتها. وكانت القصة غير مألوفة للغاية وتكررت كثيراً بصورة متوهجة بالحياة إلى حد أنها جدلت نفسها في صميم الذكريات على امتداد جانبي الحدود كليهما إلى حد أنك تنسى أنك لم تشاهدها بالفعل بنفسك.بدأت الليلة، شأن الليالي الأربع السابقة، بمحاولة براندون ألا يشعر بأنه مدع فيما هو يرصد الحقول، سفوح التلال والطرق بحثاً عن أناس، سيارات، أجولة، ظلال أو أي شيء آخر لا ينتمي إلى المنطقة، متشككاً من جديد في أنه لديه ما يقتضيه الأمر لكي يصبح رجل دورية حدود».
مقتطف من رواية «أغنيات الحدود»
الكتاب: أغنيات الحدود
تأليف: جيمي لينش
الناشر: نوف ـ نيويورك 2009
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط
Border Sorgs
Tim Lynch
Kropf, N.Y.2009
Kr
