يتناول كتاب « المجتمع العربي القديم » لمؤلفه محمد الخطيب المجتمع العربي في عصر ما قبل الإسلام، من خلال النظام القبلي والتقاليد والقيم الاجتماعية ووضع المرأة وثقافة الحروب لديهم، معيداً الاعتبار للحضارة العربية الجاهلية التي كان لها نظامها المميز ومنظومتها القيمة الخاصة. حيث يدرس المؤلف : معتقدات عرب الجاهلية، عشائرهم، حياتهم اليومية، أنواع الزواج عندهم. بالإضافة إلى خمورهم وطربهم وشعرهم وأصنامهم وطبقاتهم الاجتماعية.
ويوضح المؤلف كيف أن طبيعة أرض العرب المقسومة إلى بادية وواحات ووديان أفرزت نوعين من الحياة. الأولى خاصة بالسكان الذين يجولون الصحراء بحثاً عن الماء والكلاء والمراعي، وهؤلاء هم الأعراب الذي اقتصروا على تربية الماشية وصناعة الوبر. أما الحياة الثانية فخاصة بالسكان الذين اختاروا أن يعيشوا حول الواحات الكبرى والوديان، وهؤلاء هم سكان المدن أو « أهل الحجر» الذين استقروا وبدئوا يعملوا بالزراعة والصناعة والتجارة. هذا الفرق في أسلوب الحياة والنشاط الاقتصادي أدى إلى فروقات أخلاقية وقيمية وسياسية كثيرة بين البدو والحضر. فالبدو يكتفون بالضروري من أسباب العيش، بينما يتوسع أهل الحضر في أسباب الترف. كما أن البدو أكثر صحة وبدانة من الحضر، وذلك لاستنشاقهم الهواء النقي في البادية وقلة احتكاكهم بالغرباء، الأمر الذي يجنبهم الأمراض المعدية. ويضيف المؤلف، أن حياة الصحراء وقساوتها فرضت على العرب عموماً قيم وعادات معينة لا يستطيع العربي إلا أن يقوم بها. فهناك الشجاعة التي تعكس اضطرار العربي للدفاع عن نفسه وأهله بشكل دائم. وهناك العصبية، حيث عادةً يضطر العربي لأن يوجد لنفسه جماعة يحتمي بها تساعده على ظروف الحياة القاسية. كما مارس العربي القديم الظلم والعدوان، وذلك لقلة الموارد حيث يضطر سكان الصحراء للإغارة على بعضهم البعض.
والمشهور عن العرب أنهم قوم يكرهون الزراعة والاشتغال بالحرف والصناعات، لدرجة أنهم يستخفون بشأن من يشتغل في صنعة معينة ويزدرونه، فلا يتزوجون منه ولا يزوجونه، وبالمقابل فإنهم يحترموا أعمال الصحراء كالرعي والتجارة والقتال.
كما بين المؤلف أن للأعراف دوراً كبيراً في حياة العرب.
ومن هذه الأعراف الثأر حيث اشتهرت قصصه لدرجة أنها أدت إلى زوال دول وإبادة قبائل بأكملها. وهناك أيضاً الوفاء وإغاثة الملهوف والمحافظة على العرض، وهي عادات تبين قيم البدوي المعنوية التي لا يستبدلها بأي ثمن. فالعربي يفضل أن يُقتل على أن يتحول إلى عبد أو ينتهك عرضه.
وتتكون القبيلة في البادية من « صرحاء النسب »، وهم طبقة الأشراف وأصحاب النسب، بالإضافة إلى الموالي أو اللصقاء، وهم الملتصقون بالقبيلة بواسطة الجوار أو عن طريق التحالف والاصطناع، وهناك أيضاً العبيد المسترقون وهم أسرى الحروب والغارات. بالإضافة إلى المستلحقون، وهم الذين يُلحقهم شيخ القبيلة بنسبه ويجعلهم من رعاياه وتحت حمايته.
أما مجتمع المدنية، فإنه ينقسم إلى جمهور القبيلة وهم عامتها، وإلى « الملاء » وهؤلاء عليّة القوم وأشراف القبيلة، وهم الطبقة التي تكون حول الملك ويأخذ برأيها. ويجتمع الملاء وجمهور القبيلة في مكان اسمه « النادي » لكي يناقشوا أمور بلادهم. وفي مكة المكرمة كان هناك مكان يسمى « دار الندوة »، وقد أسماه القرآن الكريم « النادي ».
وفيما يتعلق بأوضاع المرآة وعادات الزواج، فإن العربي لم يكن يكتفي على الأغلب، بزوجة واحدة. وغالباً ما يتم الزواج لأسباب اجتماعية أو سياسية أو جغرافية. فزعيم القبيلة يتزوج من القبائل الأخرى ليقوّي الروابط السياسية مع القبائل الأخرى، والغني يتزوج بعض الفقيرات لإعالتهن، والتاجر يتزوج في كل مدينة يكثر ذهابه إليها.
وهناك أنواع زواج أخرى مثل : زواج « الاستبضاع »، وفيه يرسل الزوج زوجته إلى رجل اشتهر بشجاعته وبنجابته لكي تحمل منه، وينسب الولد في النهاية إلى الزوج الأساسي.
أما زواج « المضامدة » ففيه تلجأ المرأة إلى معاشرة غير زوجها، وهذا الزواج يحصل في الغالب مع الزوجات الفقيرات أيام القحط أثناء المواسم. وهناك أيضاً زواج « المخادنة »، ويقصد فيه زواج عدة رجال لإمرأة واحدة، وقد اشتهر عند القبائل التي توئد بناتها، حيث يقل عدد البنات ويكثر عدد الذكور.
كما أن للماورائيات دور كبير في حياة العرب القدماء، فقد عرفوا الكهانة والسحر والشياطين والجن والهاتف والأرواح والقيافة والاستقسام بالأزلام. فالعربي القديم كان يعتقد أن مفتاح سعادته وشقاءه ومستقبله بيد تلك الكائنات الماورائية، ولذلك نجده يحاول استرضائها أو استمالتها لتحوّل شقاؤه إلى سعادة.
ويرجح المؤلف، أن فكرة الجن أتت العرب من بلاد إيران، وأنها تشبه فكرة بعض القبائل البدائية عن أرواح الحيوانات. أما السحر فكان من اختصاص رجال الدين، يمارسونه في المعابد وله شعائر خاصة تشبه الشعائر المعاصرة. وتقوم ماهية السحر عندهم على التأثير في الأرواح كي تقوم بأداء مايطلب منها. وتقوم الكهانة والقيافة على الإيمان بإمكانية التنبؤ والإخبار عن المستقبل وتتبع الأثر.
وفيما يتعلق بديانات العرب القدماء، فقد عرفوا اليهودية والنصرانية، وعبدوا الحجارة « الأصنام » وأطلقوا عليها أسماء كثيرة. ومنها صنم « اللات » وهو صخرة مربعه بيضاء بنت عليها « تثقيف » بيتاً أصبح دارةً للعبادة تأتي إليها الناس من كل مكان. أما « العزّة » فهو صنم أنثى، كان والد خالد ابن الوليد يتقدم إليه بالهدايا والنذور. وهناك صنم « سواع » وهو صنم على صورة امرأة، والصنم « يغوث » في اليمن.
المؤلف في سطور
محمد الخطيب باحث انتربولوجي، مهتم بالتاريخ الثقافي للشعوب. من أهم مؤلفاته: الفكر الإغريقي 1999، الدين والأسطورة عند العرب في الجاهلية 2004، الدين والأسطورة عند العرب في الجاهلية 2004، الأنثروبولوجيا الاجتماعية 2005، الأنثروبولوجيا الثقافية 2005، حضارة أوروبا في العصور الوسطى 2006، المجتمع البدوي 2008.
الكتاب: المجتمع العربي القديم العصر الجاهلي
تأليف: محمد الخطيب
الناشر: دار علاء الدين ـ دمشق 2008
الصفحات: 200 صفحة
القطع : الكبير
د. رشيد الحاج صالح

