«رافق الرخاء الاقتصادي في اليابان شعور كبير بالملل سواء لدى المفكرين أو الأجيال الجديدة وحتى نصف الشعب. ما من أحد سعيد، ماذا يعني لهم هذا الرخاء؟ أحاول من خلال استعادة تقاليد الساموراي إحياء إكبارهم للروح والشرف في الحياة والموت على السواء. إنهم الذين احتقروا المال والحياة المترفة»، مقتطف مما قاله الروائي والمسرحي والشاعر الياباني يوكيو ميشيما خلال مقابلة نادرة معه سنة 1969، أي قبل عام من انتحاره.
أنتج ميشيما 40 رواية، و18 مسرحية وعشرة كتب في القصة القصيرة، وما لا يقل 20 كتابا في المقالة، وتتمحور جميعها حول الرغبة في الانسجام بين العالم الخارجي مع الداخلي، واحتياجات الجسد والروح، وبين نوعية الحياة الحديثة والقيم والمثل التقليدية، أي بين الأصالة والحداثة. وعلى الأرجح أن الإشكاليات التي واجهها ميشيما وأبطاله، نابعة من سنوات طفولته منذ ولادته في 14 يناير 1925 وحتى الثانية عشرة، والتي عاشها مع جدته لوالده التي تنحدر من سلالة للساموراي. وقال إن جدته التي كانت مثقفة وتعاني من حالة عصبية اختارته من بين إخوته ليعيش عندها. عاش تلك المرحلة وهو مراقب منها باستمرار، ولم يكن يسمح له باللعب مع الصبية الآخرين، وكان محاطا طيلة تلك السنوات بالمرأة وصحبتها.
نشر في البداية قصصه تحت اسمه المستعار الحالي (اسمه الحقيقي هو كيميتاكي هيراوكا)، كي لا يعلم والده بأمر كتابته التي كان ينهاه عنها بقسوة شديدة منذ بداياته، ولم يتردد في ترك عمله بوزارة المالية والذي التحق به لدى تخرجه من جامعة طوكيو 1947، ليتفرغ للكتابة.
شغلت ميشيما طيلة حياته فكرة الموت وشباب الجسد والحفاظ على جماله، وقد تجلى كل ذلك في أعماله الملحمية، وطيلة خمسة أعوام لم يتوقف يوما عن تدريباته الرياضية.
وانشغل بعد ذلك بطبيعة حياة وفكر الساموراي، ومفهوم الشجاعة والبطولة التي لم يستطع تحقيقها لعدم مشاركته في الحرب العالمية الثانية، وربما عوض ذلك من خلال تأسيس لفرقة عسكرية تحمل اسم «درع المجتمع» وضمت ما يقارب من 100 شاب جامعي، ودربهم تدريبا عسكريا حسب مفاهيم الساموراي.
وسرعان ما حقق حلمه في مواجهة الموت والانتصار له من خلال انتحاره بطريقة الهاري كاري الخاصة بالساموراي لدى اقتحامه قاعدة عسكرية في طوكيو وخطبته القصيرة أمام الجنود من الشرفة. وقد قام أحد تلاميذه بتنفيذ المرحلة الأخيرة بفصل رأسه عن جسده بالسيف. أما الكلمات الأخيرة التي لفظها فكانت «يحيا الامبراطور».
تدور أحداث روايته «البحار الذي لفظه البحر» في يوكوهاما بعد الحرب العالمية الثانية، ويجمع فيها بين تناقضات الحياة، كالصيف والشتاء، البر والبحر، الرفقة والوحدة، الترحال والاستقرار، المجد والعدمية. وتتجلى تلك التناقضات من خلال الشخصيات الرئيسية في العمل وهم، البحار الشاب ريوجي تسوكازاكي والأرملة الثرية فوساكو كورودا وابنها المراهق نوبورو.
وتبدأ الأحداث مع الفتى نوبورو البالغ من العمر 13 عاما، الذي يعيش في كنف أمه الثرية التي تملك محلا للأزياء، والتي تتبنى الحياة الغربية في لباسها وحياتها وسلوكها. وأسوة بجميع المراهقين ينشد نوبورو الاستقلالية مع حاجته للانتماء لمثل أعلى، وتقلب المزاج والتعطش للمغامرة والانبهار بالأفكار الكبيرة والاعتداد بالنفس والرغبة في التفرد.
يقدم ميشيما من خلال روايته تلك الرواية التي نشرت عام 1963، نموذجا للحياة الحديثة في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية والصراع بين الحداثة والأصالة، ويعبر عن سطحية المجتمع الثري والفئة المتوسطة البرجوازية من خلال حياة الأرملة فوساكو.
ويترجم رفض هذه الحياة وازدرائها من خلال أبناء تلك الطبقات الذين يبحثون عن عالم أو مفاهيم بديلة، ونظرا لانعدام الرعاية الفكرية لجيلهم، انجرف نوبورو وبعض الطلبة الآخرين لأفكار زميل لهم، والذي أصبح رئيس عصابة تضم ستة طلاب يحمل كل منهم رقما ينادى به فيما بينهم.
تبنت تلك العصبة أفكار الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 ـ 1860)، وسعت بقيادة رئيسها إلى تطبيق فكرة العدمية على حياتها اليومية. وقد وجد نوبورو في تلك العصبة متنفسا لصراعه الداخلي ولأسئلته المؤرقة عن جدوى الحياة المسطحة أمام عظمة الموت.
تعرفت فوساكو خلال نزهتها على ناقلة بحرية برفقة ابنها، على البحار ريوجي تسوكازاكي. وقد انجذب كل من الأطراف الثلاثة إلى الآخر، فالأم الوحيدة رأت فيه قوة الرجل، ورأى فيه نوبورو بطلا اسطوريا، ورأى ريوجي في الأرملة الأنثى الجميلة الرديفة للبحر.
تترجم فكرته المثالية عن حياة البحار الذي ينفر من الارتباط والحياة التقليدية على اليابسة، والذي يعيش أسوة بنوبورو حمله الكبير أنه من خلال البحر سيصل في يوم ما إلى المجد الذي ينتظره، وبأن حبه المثالي لامرأة ما والموازية للبحر سينتهي بقبلة الموت وهجرانه لها.
يتلصص الابن من خلال ثقب في غرفته على والدته وهي تنام مع البحار. ونظرا لأفكاره العدمية، شعر بالفرح لكون تواصل الأم مع البحار يعني تواصله شخصيا مع البحر من خلاله. وحينما تعامل البحار معه بود استرضاء لأمه شعر بالنفور منه، وعندما سرد على عصبته ما جرى، شاركه الأصدقاء استياءه لكون ما يحدث يتناقض وفكرة البحار البطل.
ولتأكيد قناعتهم بالعدمية واختبار نوبورو، طلب الزعيم من قتل قطة ليقوم الجميع بعدها بتشريحها بهدف ترجمة سيطرتهم على الحياة الخارجية. وبالطبع لم يتردد نوبورو بتنفيذ ما طلب منه والشعور بالرضا.
عاد ريوجي إلى البحر بعد بضعة أيام، وكان الوداع بينهما متحفظا ورسميا، إذ لم تكن الأم ترغب أيضا بفقدان حريتها واستقلاليتها. وبرحيله استعاد البحار دوره البطولي في ذهن نوبورو.
لكن هذه الصورة لم تدم طويلا، إذ عاد البحار في ليلة رأس السنة إلى فوساكو حيث أدرك أنه كان يعيش وهما كبيرا بالمجد وأن حبه لها يعادل حبه للبحر. وحينما يعرف نوبورو بزواجه من والدته، تنهار صورة البطل، وبمشورة العصبة يتفقون على قتله ليبقى بطلا.
الكتاب: البحار الذي لفظه البحر
تأليف: يوكيو ميشيما
الناشر: الفريد كنوف ـ الولايات المتحدة 1965
الصفحات: 181 صفحة
The Sailor Who Fell From Grace with the Sea
Yukio Mishima
Alfred A. Knopf (U.S.) - 1965
P.181
رشا المالح

