لم يكن الحب يوماً رغبة في المألوف، إنما في النقيض، لم يكن إلا وشاية مدهشة بجميل المختلف، وما هو أبعد منه، فالحب حب بوصفه شوق الآخر المفارق لنا إلينا، وهو شوق يمارس فينا تهذيباً، لنحسن معايشته باضطراد.سهل إذاً على أي كان، أن يفيض في الحديث عن الحب، لكن المعنيين بالحب يشيرون إلى المغاير واللاممتَلَك.

إن النظر في الحب، في تاريخه العصي على التدوين، يحيلنا على مكاشفة هذا الذي نتغنى به، أو نتلوع من أجله، أو نكابد عالماً من الأوجاع كرما له وفي صمت، إلى درجة أن ثمة رغبة تعصف بنا لأن نكون خارج تكويننا العضوي، أن ننتثر في عالم لم يُسكَن بعد.

والتعرف إلى بشر لم نعهدهم بعد، ولغة معتمدة غير مسبوقة في أبجديتها، تحت تأثير الحب ذاك، ولعله من أولى أولوياته، عندما يتحسس أحدنا أن ثمة ما ينبض فيه ليس هو القلب، ما يتخيله أو ما يفكّر فيه، لا ينحصر في القوى النفسية، وأن شعوراً خاصاً من هذا النوع، يكون استثنائياً، إذ يتملكه إحساس داخلي خاص أن الذي يسمّيه في التكوين الحيوي والاسمي، مفارق لما يعنيه في حياته اليومية.

إنه التوزيع الأوركسترالي اللامقاماتي لمقومات الجسد حيث إن كل عضو، أو عرق أو عصب يتولى القيام بمهمة معينة في اكتشاف العالم من الداخل المنفتح على الخارج، أن الطائفة العظمى من العناصر الأرضية وما هو خفي على النظر المباشر، تصبح في متناول مكونات الجسد، وهي تُسمع في تفاوتاتها واختلافاتها ما يرفع من شأن الجسد في كليته جرَّاء هذا الاندفاع حباً، والانتثار حباً داخلاً وخارجاً، عندما تستحيل المسامات منافذ مضيئة.

كما هي المفاصل التي تمنح المدونة الاوركسترالية طابعاً من الغواية المطلوبة، إذ لا تعود الحواس مشدودة إلى أعضائها، ولا اللغة منسوبة إلى الدماغ السليم، إنما يكاد الجسد ينغمر بما هو سيمفوني، أو يرفع من شأن الجسد.

يُدخلنا الحب في عهدة اللامكتوب، في الفضاء اللامتناهي للصوت، أو الرائحة الباعثة على الاندهاش، على تلقي المدد مما لا يمكن التعريف به، أو إطلاق اسم محدد عليه، لأنه هو ذاته أكثر من كونه المعرَّف به تاريخياً!

أن نحب هو أن ننسى الذين عرفناهم عن قرب ولسبب يقلل من شأنه، لئلا يكونوا عائقاً دون ارتحالنا إلى جهات أبعد، وعوالم غير منظورة، يشملها كوننا الذي نعجز عن تحديد اليسير فيه. إنه انشداد إلى الحياة بحيث لا نعود نميّز بين الذي يكون حياة، وما يختص به الموت.

إنه تحرر من الذاكرة ذاتها، ودخول حر فيما كان محظوراً علينا حتى مجرد التفكير فيه، وذلك شرط مشدَّد عليه للحب، بما أن المحظور يستند إلى ما هو مألوف وإزاءه يكون اللامألوف، إنه التخلي طواعية عن الوضع المادي الضاغط للجسد، تجاوز لحدود الرغبة ذاتها، بقدر ما يكون الاستعداد لجنون من نوع خاص، وهو اختفاء الذات عن ذاتها.

إن أهل الحب أكثر قدرة من غيرهم على تجسيد مفهوم الشفاعة على معرفة ما عجزت عنه عباقرة العلم وهي تمعن النظر في دقائق الأشياء، أو العناصر.

خارج الاعتبار الإنساني يتراءى الحب في اعتبار كل شيء معطى لسواه، رغبته المفتوحة، حيث لا لمراتب لهذا الحب الصامت والمجل، وكأن الأشياء جميعاً تتفانى في حب بعضها بعضاً، أما نحن فنطلق عليها أسماء تخصنا نحن وليس تلك، أما نحن فإن الرغبة الواحدة فينا لا حدود لها، فيكون الحب شديد الانقسام داخلنا، ولهذا يكون أول الحب كيفية تجاوز الانقسام بحصر الرغبة ومن ثم الخروج من أسرها، ليكون أول الحب آنئذ فعلياً!

في حال المتصوفين بامتياز والشعراء الذين ترتقي علاقاتهم مع اللغة وهم في معايشة روحية لعالمهم، يمكن التعرض لبعض من مزايا الحب، كيف أنهم في جنونهم الطليق، يخرجون على التاريخ، أنهم بمجرد التذكير باللغة تتلجلج ألسنتهم، وهم إذ يبدعون يكونون قد اعتمدوها اضطراراً، لأنهم في قرارة أنفسهم، يستمدون معنى وجودهم خارج وجودهم الطبيعي.

في اللحظة التي يحاول قارئ حصيف ما، رؤية زلال العالم، وما لا يُسبَر غوره، ما لا يعود أفق المرئي أفقاً، ولا حدود الارتحال حدوداً، ولا الكائنات التي تشاهَد كائنات بالفعل، لأن النقطة المتحلقة التي بلغها أحدهم، ليست أكثر من مجاز، وأن الحقيقي هو الذي أمسى نزيله وأصيله.

إن عجز المسكون بالحب المشار إليه عن التعبير عما هو فيه، لا يفسّر بوجود حبسة لفظية أو لسانية معينة، وإنما لأنه يكون قد بلغ الحد الذي يكون آخر عهده بما كان عليه سابقاً، إنه فيما انتهى إليه انتهى به المطاف ليكون عين الحب، وهو غير دار بنفسه، أن يضفي على الكوني ذاته مسحة من حضوره، لأنه المأهول بروح حنت إلى أصلها الكلي، وأن الانتهاء هذا هو أول الابتداء ليعيش نعمة الإلهي الذي يرى ما وراء الأشياء ذاتها.

إنه الحب: المحال الذي لا يُرد، لأن الذي حل فيه، يكون قد آل على نفسه تدريجياً في أن يمضي بها، ويشع بهواه من كل جهاته، إنه دخول أوقيانوسي في عقد مغاير لكل عقد اجتماعي، عقد يلغي واسطته المؤرَّخ لها؟ إنه عقد كائن ناطق كغيره، وإذا به جرَّاء اندلاع شرارة الحب فيه، يستعيد وعيه الآخر، أن يؤم النور هذا الذي يُنشد، إنه اقتران بخلود لا يعلَن عنه، بقدر ما يكون كائن الحب هذا على بينة منه وفي صمت.

وفي الحب هذا يمكن أن نشهد صراعاً على أشده، أن نتبصر مفارقات الصراع ومن الداخل، ومن الطبيعي أن يكون الوضع كذلك لأن ثمة تنافساً عليه وباسمه، لأن ليس كل من نطق باسمه يسهل له التحرك نحوه والتحلي به، إنما لأن ضروباً من المعاناة هي التي تفصل بين الواحد والآخر.

بين قوى النفس الواحدة، إلى المقام السامي الذي لا يعود البالغ لما هو مأمول فيه، يشعر بأي حضور لعالمه الذي غذّي به. إن حبنا لشخص ما، ليس سوى النسخة المصورة عن نسخة أخرى نظراً لطبيعة الرغبة في الآخر، وفيما نتمنى تجسيده لنكون موضوع حب لهذا الآخر.

في الحب الذي هو محال في أكثر وجوهه شفافية ونورانية، يكون الإنسان العدني، وتكون ثمة رغبة وحيدة وحية، تُسمى بحكم الضرورة وهي رغبة الأبدية التي تسميه، وهذه ليست حاجة، كون الأبدية لسان حال الزمان المطلق!

ابراهيم محمود