الفرنسيون اخترعوا السينما على يديّ الأخوين لوميير، ويقال إنهما اخترعا الحب أيضاً أو بالأحرى اخترعا الحب في السينما. في فيلم «رصيف الضباب» للمخرج مارسيل كارنيه الذي أُنتج عام 1938، يتطلع بطل الفيلم جان غابان إلى شريكته في البطولة ميشيل مورغان ويقول لها: «لك عينان جميلتان. هل تعرفين ذلك؟».
وسارت تلك العبارة مثلا في الأمثال، تردده الأجيال الفرنسية كلما ورد اسم هذه النجمة. وانتهى الفيلم بقصة حب حقيقية بين البطلين. وبعد ذلك بأربعين سنة، عندما كتبت هذه الأخيرة مذكراتها، اختارت لها عنوانا هو «بهاتين العينين». قصة الحب مع غابان لم تستمر طويلا، إذ نشبت الحرب العالمية الثانية وتطوّع غابان للقتال في صفوف «قوات فرنسا الحرة». أما مورغان فسافرت عام 1942 إلى الولايات المتحدة الأميركية لكي تتزوج بالممثل والمخرج وليم مارشال وتنجب منه ولدها الوحيد مايك. وهكذا اختلطت قصة الحب على الشاشة بقصة الحب في الواقع لأول مرة في تاريخ السينما. وبعد ذلك تلتها قصص الحب التي لم تزل تثير دوياً هنا وهناك، أبطالها ممثلون وممثلات.
ولم ينفصل الحب عن الشعر، بل ارتبطا سوية، وكان على المخرجين الذين جاؤوا من ميادين الأدب أن يخلطوا السينما بالشعر، فكان جون كوكتو أول من أسس السينما الشاعرية التي يعبر من خلالها عن قصص الحب، فلم تعد السينما بالنسبة له صوراً متحركة، بل وسيلة تقنية جديدة، وفناً شعرياً فيه الشكل المتقدم لثورة جمالية تساهم في بناء روحية جديدة. لذلك كان يحرص أن تكون كل صورة لها معنى أكثر من المألوف. وهكذا تعلم جيل المخرجين الذين تلوه بإتباع خطواته في السينما الشاعرية. في البدء، كانت السينما الفرنسية تعالج الموضوعات الرومانسية وعلاقات الحب بطريقة بسيطة دون أي محتوى فلسفي وفكري إلا أن مرحلة الستينات عملت على بلورة قصص الحب على يد مجموعة من المخرجين هم فرانسوا تريفو وجان لوك غودار واريك رومير وغيرهم من رواد الموجة الجديدة.
وكان فيلم «هذا هو الحب» من إخراج كوسيه دايا نقطة تحول في التعامل مع فكرة الحب لأنه يسرد حياة الروائية مارغريت دوراس، بتقنية إخراجية بسيطة ولكنها مؤثرة، ويتوجه إلى نخبة من المشاهدين الذين يدركون معنى الانفعالات النفسية والعاطفية التي تعتري الإنسان في مرحلة من حياته.
وهنا بدأت فكرة البوح غير المحكي في الفيلم من خلال التدقيق والتمعن في العيون والفم وبقية الحركات التي تشكل لوحات توصيفية للوجه الإنساني، وتعابير الإحباط والسرور والخوف كما تساعد المتلقي على التحليل النفسي للبطل أو البطلة.
تمكن المخرج من ابتكار مشاهد مشفرة ومرموزة من خلال وسائل كشف بسيطة ونمطية: مؤثرات صوتية غير معقدة واستخدام ذكي للإنارة واعتماد لقطات «الكلوزآب». كل التقنيات أستخدت للتعبير عن عواطف الحب وما يعتري البطل أو البطلة من مشاعر.
بطلة الفيلم الكاتبة مارغريت دوراس التي تبدو كما لو إنها فقدت حساسيتها من المحيط الذي يحاصرها ولكنها وجدت نفسها في أحضان شاب ممتلئ بالحيوية التي افتقدتها امرأة تجاوزت عمر الحب والإغواء.
ومن ايقونات الحب والعواطف الجياشة التي ملأت شاشة السينما الفرنسية ألن ديلون، الذي أصبح «معشوق النساء» في عقدي الستينات والسبعينات من القرن العشرين.. وأيام صباه الصعبة التي جعلته مرشحاً مثاليّاً لأداء دور العاشق المنحوس، ودور الوغد أو القاتل المأجور أو محقق الشرطة الصارم.
هذه الأفلام جعلت منه رمزاً من رموز الفتنة والإغواء، وأصبح معشوق النساء و«كازانوفا» السينما الفرنسيّة بلا منازع. وهو قدم زير النساء، والعاشق المجنون كازانوفا بحلّة مختلفة مغايرة لما هو سائد فيما قبل.
وفي مقابل الممثلين العظام كانت هناك أسماء كبيرة في الإخراج: كلير وكارنيه ورنوار .لقد فقد اثنان من هذه الأسماء الشهيرة خلال الفترة ما بين 1954 -1963 أما الثالث فقد طبقت شهرت الآفاق.
ومن أفضل أفلام كلير فيلمه «جمال الشيطان» وهو مقتبس من أسطورة فاوست أو فيلمه «حسناوات الليل» وهو نوع من الفانتازيا المكرسة لخرق وهم العودة إلى الماضي. وهنا يمثل كلير الطرف المقابل النقيض لجان رنوار الذي تربع على عرش السينما الفرنسية في الستينات.
في الثلاثينات كان رنوار يضع كاميرته خارج البيوت والجدران يتركها ثابتة بينما الناس يتحركون. وكان يصور الريف كما في فيلمه «مدام بوفاري» وخلال مشوار في طريق ريفي يجعل المشاهدين يشعرون بقشعريرة البرد. وهو ليس بالأمر العجيب لابن الفنان الشهير اوغست رنوار يعرف كيف يتعامل مع الطبيعة والطقس والشكل الإنساني والطعام والحيوانات وأشعة الشمس والحب. وكان الحب يشكل مدار حياته وأفلامه.
وقد تميز مخرجون آخرون في معالجة موضوعة الحب: كلود اوتان-لارا الذي دعم شهرته بفيلم «الشيطان في الجسد» وهو ذلك الاقتباس الشعري المؤلم لرواية راد يغو عن قصة حب أيام الحرب العالمية الأولى واندريه كايات الذي أخرج فيلم «عشاق فيرونا» وفق التقليد الرومانطيقي- السوداوي.
ولم تهمل الموجة الجديدة، منذ عام 1958 موضوعة الحب في أواخر الخمسينات على يد كل من تروفو وريفيت وغوادر وشابرول وآخرين ويبدو أن هذا التيار السينمائي الجديد أتى بحساسية مغايرة تماما للسينما الفرنسية لما بعد الحرب العالمية الثانية سواء من حيث الموقف من السينما كأداة للكتابة أو من حيث التصور الذي حملوه عن الإنسان والمجتمع والطبيعة والمرأة والجمال.
ويظهر ان أفلام الثمانينات في فرنسا صهرت التراث السينمائي الفرنسي - وغير الفرنسي- ووظفته في شكل كتابة جعلت من الموضوع مرشدا لأساليبها السينمائية وبعثت قضايا ومسائل حياتية ووجودية. فموضوعات العائلة وتفكك عناصرها المكونة لها والعلاقة بين المرأة والرجل ونمط الحب الذي يمارس داخل هذه العلاقة.. كلها موضوعات بدأت تفرض نفسها على العمل السينمائي الفرنسي في الثمانينات في الوقت الذي كانت تطرح فيه في أواخر الستينات والسبعينات بأشكال هجومية وانتقادية.
وفيلم المخرج الفرنسي ـ السويسري جان ـ لوك غودار «في مدح الحب»، وهو فيلم انطباعي بالدرجة الأولى، على غرار ما كانت تكتبه فيرجينيا وولف، صديقة الانطباعيين وتحديدا في كتابها «الأمواج» وهو عبارة عن صرخة احتجاج وصمود يطلقها المخرج الكبير، ومطلق موجة السينما الجديدة، في وجه السائد والمعتاد، وفي وجه السينما الأميركية وكل ما يتشابه معها. صرخة في حب السينما، بعد كل هذه السنوات من الخبرة والمعرفة واختبار الذات.
والفيلم عبارة عن تأملات المخرج في الحياة وفي الثقافة، في التاريخ والذاكرة في الحب والموت والسينما: مفاتيح للحب: اللقاء، التعلق الجسدي، المشاحنات والانفصال. وفي القسم الثاني يعود بالمشاهد سنتين إلى الوراء ويصور بالملون على عكس القسم الأول منه، موظفا مراسلا من هوليوود إلى فرنسا ليطلب من مقاومين قديمين، شراء قصة حبهما التي امتزجت بأعمال المقاومة التي خاضاها أثناء الحرب العالمية الثانية.
السينما .. حالة شغف
قال المؤرخ والناقد السينمائي الفرنسي جورج سادول إنّ السينما حالة شغف، تحتاج إلى الحبّ أولاً. هذه الفكرة كانت منطلقاً لأفلام فرنسية عديدة طبعت آلاف الأفلام التي أنتجت منذ بداية ظهور السينما وحتى الوقت الحاضر.
18 فيلماً قصيراً في حب باريس
«باريس، أحبك».. دعوة إلى سينما الحب لا زالت تلاقي رواجا واسعا بين أوساط المشاهدين الذين يبحثون عن السينما الحديثة التي تعالج همومهم ومشاكلهم.
فالفيلم يروي عددا من قصص الحب والعشق التي تدور في أحد شوارع باريس وأزقتها قام بإخراجها عدد من أهم المخرجين في السينما العالمية، من بينهم أوليفيير أسايي، وسيلفيان كوميت، وألكسندر باين، وأوليفر شميتز، والأخوين كوهين ولا يرتبط موضوع كل فيلم بالآخر على الإطلاق، إذ لكل منها موضوع مختلف وشخصيات مختلفة ولكنها تعبر جميعاً عن حالة الحب.
بلاد الحب والرومانسية
إذا كانت الفرنسية هي لغة الحب، فإن الأفلام الفرنسية أصبحت وسيلة مثالية لتصويره. في الحقيقة، إن بلاد الغال، أظهرت الحب والرومانسية في السينما أكثر نضجا وتصديقاً من نظرائهم الأميركيين.
وقدمت الحب بوجهات نظر متنوعة، ولكن معظمها تجسد واقعية الحب، كما هو الحال في أفلام المخرج الراحل اريك رومير في فيلمه «أصدقاء وصديقات» 1987 وأفلام فرانسوا تريفو «جول وجيم» (196 أو «أطلق النار على عازف البيانو» 1960.
تحتل السينما الفرنسية مكان الصدارة على الصعيد العالمي في معالجة موضوع الحب، ففي فرنسا ولدت السينما وفيها خرجت أولى قصص الحب على الشاشة وتطورت هذه «الثيمة» مع تطور السينما فيها.
ورافقت حركاتها التجديدية لأن السينما لم تكن منفصلة عن بقية النشاطات الاجتماعية والفكرية والفلسفية. فقد أخرجت السينما الفرنسية قصص الحب من عالمها الضيق إلى رحاب عالم جذاب مليء بالتفكير والوعي والجرأة.


