مثل كل شيء ضربت الأزمة الاقتصادية الحب، وعمقت الفجوة بين الحبيبين وخلقت نوعا من اللامبالاة والاستياء، فلا يمكن أن يتحمل المرء مسؤولية الحب، مسؤولية المشاعر الفياضة، مسؤولية حماية حبه والدفاع عنه والبحث له عن طريق يسمح له بالاستمرار والنمو، وجيوبه خاوية، العواطف والأحاسيس النبيلة تملأ القلوب الشابة. لكن كيف يمكن أن يتحقق الاستقرار لها وهي لا تملك ثمن الجلوس في نادي أو مقهي أو كازينو لتحقيق أدني متطلبات اللقاء، لقاء الحب، ولا تجد وسيلة سوى التجوال في الشوارع والمنتزهات العامة، وعلى الكورنيش، إن الشباب اليوم يواجه أزمة عدم إمكانية الاحتفاظ بالحب وبلورته لكي يصبح استقرارا أسريا في عش الزوجية

تقول ريهام سميح (حاصلة على بكالوريوس تجارة وتعمل بعقد مؤقت في أحد المصانع بمدينة 6 أكتوبر وتبلغ من العمر 28 عاما): الحقيقة إنني أخاف أن أقع في الحب وأنا في هذه السن، مررت به في فترات سابقة خاصة في الفترة الجامعية، وبمجرد التخرج عرفت أن حبي كان وهما، كان مجرد فسح وكلام، من أحببت لا يجد عملا حتى اليوم. فكيف له أن يرتبط بي، الحب ليس مجرد مشاعر وتسلية ولكن مسؤولية والمسؤولية تعني الارتباط، الآن في المصنع الذي أعمل فيه هناك مهندسون لو غفلت لغرقت في غرام أحدهم، هم شباب مهذب ومتربي وحاصل على شهادة جامعية، لكنه لا يملك مقومات أن يفتح بيتا، فماذا سيفعل بنا الحب ونحن لا نملك أن نحميه بالارتباط والاستقرار ؟ هذا هو السؤال، عندما كنت أصغر من ذلك لم يكن ذلك يطرأ في ذهني، كنت أهيم عشقا بمن أحب، لكن ماذا بعد ذلك ؟ هذا هو السؤال الذي أطرحه على نفسي اليوم وأفزع، الحب شيء جميل وأيامه رائعة، وصدقني ليس هناك فتاة لا تتمنى أن تكون غارقة في الحب ولكن إلي متى في ظل ظروف تحول دون الجمع بين الحبيبين.

ويؤكد أشرف عبد المجيد (مهندس ميكانيكي ويعمل للأسف في ورشة لتصليح السيارات ويبلغ من العمر 30 عاما) في هذه الظروف التي نعيشها لا يوجد شيء اسمه صدق في المشاعر، ليس هناك حب حقيقي، هذا بصراحة، إنني أعيش لحظات جميلة مع فتاة جميلة والسلام، هي «عشمانه» في الكلام الحلو المعسول و«الفسح» طمعا في الزواج، تتعشم كما تحب، أنا لا أملك شروط الزواج من شقة وتأثيث شقة ومصاغ وخلافه. وعندما أملك ذلك وأقع في الحب سوف أتزوج بمن أحب، لكن الآن أنا صريح، لا أملك أن أتقدم لأحد، واسمح لي أن أقول لك أنني عرفت ومشيت مع أكثر من فتاة، بمجرد أن تعرف أنه ليس لدي النية للزوج تبعد عني، ومن تقبل بالاستمرار تريد هي أيضا أن تعيش لحظات جميلة حتى يأتيها نصيبها وتجد من يملك شروط الزواج.

وتقول سميحة بلال (أخصائية اجتماعية بإحدى المدارس الخاصة وتبلغ من العمر 30 عاما): تساءل عن الحب والشباب لا تجد عملا وأسعار الشقق تفوق التصور، الشباب اليوم يريد أن يفرغ شحنة عواطفه يهيص ويقضي وقتا مسليا دون مسؤولية على الكباري والكورنيش والمتنزهات والحدائق، تسمع منهم كلاما معسولا وأحلاما وردية وهم يحصلون على مصاريفهم من آبائهم. ويرى محمد رؤوف (طالب بالسنة الثانية بكلية الحقوق) أن الحب لا يحتمل طرح أي أسئلة، ولست مستعدا إلى أن أسأل نفسي كل دقيقة ما إذا كانت حبيبتي ستكون لي أو لغيري، أنا أحبها وهي تحبني ونحن نعيش وقتنا بكل حلوه ومره، لا نستطيع أن نجلس في كازينو وندفع خمسين جنيها في مشروبات يمكن أن نشتريها ونتجول على الكورنيش أو نذهب بها لأي حديقة عامة. أعرف أن الظروف صعبة وتخنق الجميع، وأنا أسرتي تعاني من ذلك، لكن لا يمكن أن أتجاهل مشاعري وأحاسيسي ولا مشاعر وأحاسيس الفتاة التي تبادلني الحب، وقد نكون متفقين بشكل خفي أن كل شيء قسمة ونصيب وليس لازما أن ينتهي حبنا بالزواج، ونكتفي بأن نعيش تلك اللحظات الجميلة نضحك ونمرح ونغني ونتبادل المشاعر، ليس مطلوبا من الحب أن يعيش في الاكتئاب.

ويتفق رجب محمود بالفرقة الثانية بكلية الحقوق مع قول صديقه السابق ويضيف: مفهوم الحب تغير، لم يعد حب قيس وليلى، أن يموت الواحد من أجل من يحبه، الحب اليوم شطارة وفهلوة في الإيقاع بفتاة جميلة ومسايرتها والتنزه معها، ممكن بعد فترة فعلا يكون هناك صدق في المشاعر لكن هذا الصدق يصطدم بالواقع وبالأزمات التي نعيشه.

يجب أن نعترف بأن الشباب مظلوم والحب مظلوم، صدقني لا أحد منا يريد أن يتخلى عن الإنسانة التي يحبها، وليس هناك بنت تريد أن تتخلى عن الشاب الذي اختاره قلبها، لكن الظروف صعبة على الجميع، والضغوط تدفعك دفعا عن التخلى عن الحب، الظروف أقوى منا ومن عواطفنا، لكن ولعلمك هذا يؤذينا نفسيا، ألا ترى أن هناك من يتندرون ويضحكون قائلين «أنت رومانسي أكثر من اللزوم».

وأخيرا يرى الكاتب د.السيد نجم إن إنسان اليوم يفقد فرديته شيئاً فشيئاً، فالكل صار لهم المتع نفسها ويقرأون الصحف نفسها، ويشعرون تجاه الأحداث بالمشاعر نفسها، وأصبحوا متساويين مساواة الآلام، وهذه المساواة التي تسمى الواحدية في علم النفس، هؤلاء الأشخاص ينظرون للحب كما لو انه جائزة يسعون للحصول عليها، فالمرأة الجذابة - وفق معايير معينة - هي جائزة يسعى الرجل للحصول عليها، كما أن الرجل الجذاب - وفق معايير معينة - هو بدوره جائزة تسعى المرأة للحصول عليها.

وكل من الرجل والمرأة يفتش عن نصفه الآخر بالحماسة ذاتها التي يبحث فيها عن سلعة في السوق، بل أن عصر العولمة طرح تعبير الفريق ليعبّر عن الزواج السعيد، كما لو أن الرجل والمرأة يشكلان تحالفاً ما، وقد يعيشان معاً ضمن مؤسسة الزواج - أو حتى دون رابط رسمي - ويعاملان بعضهما بكياسة لكن يظلان غريبين عن بعضهما طوال حياتهما، لأن جوهر الحب مفقود، الحب الذي يعني أن ينفتح الإنسان روحياً ووجدانياً على الآخر، وليس أن يتحوّل الآخر إلى وسيلة لإشباع حاجات جنسية وطموحات معينة.

ويبين ايريك فروم في كتابه الرائع (فن الحب) ان الشرط الرئيسي لتحقق الحب هو قهر الأنانية الشخصية، وان يتمكن كل شريك من احترام الآخر وطموحاته وتوجهاته، ومساعدته أن يحقق ذاته، إن إقامة علاقة حب دون وجود استغلال مبطن أمر صعب للغاية.

وجود علاقة حرّة نقية في هذا الزمن، ليس فيها هيمنة ولا تملك ولا استغلال ولا نظرة للآخر على انه موجود لخدمتي، شيء شبه مستحيل، وليس غريباً ان كثيراً من المدارس في الغرب، أدخلت إلى مناهجها المدرسية مادة تعلم الطلاب كيفية احترام الآخر، وكيفية التعامل مع الحياة، بل وكيف يجب أن ننظر إلى أنفسنا.

ان حياتنا ليست مشروعاً للاستثمار والآخر ليس مطية لبلوغ أهدافي وطموحاتي، والحياة ليست تفاحة كبيرة شهية يجب ان نلتهمها.

حب.. وغم

يقول أحد الذين مروا بهذه التجربة: للأسف صدقت أحدهم وظللت أنتظره خمس سنوات باسم الحب والعواطف ودبلة الخطوبة، وفي النهاية ذهب لحال سبيله مخلفا داخلي جرحا كبيرا، إن الحب يحتاج إلى ظروف غير التي نعيشها، نحن نعاني من مرارة ارتفاع الأسعار في كل شيء وضعف بل تدني الرواتب، إنني لا أريد أن أقول كم يبلغ راتبي، فكيف بالله عليك تعيش حبا صادقا ومتفانيا في ظل هذا الغم الذي نعيشه.

العلاقة في عصر العولمة

في عصر العولمة صار أساس اختيار الشريك لشريكه هو: ماذا يمكنني أن استفيد منه؟ ماذا سيقدّم لي؟ جوهر الحب في عصر العولمة هو الاستفادة؟ أي أن الشريك موجود بغرض خدمتي وراحتي، تغريب مفهوم الحب عن حقيقته بمعنى أن الإنسان لا يُحّب بل يُستخدَم تحت خداع الحاجة للحب، هو مرض العصر الأشد خطورة من السرطان، لأن الحب ليس محطة للراحة والاسترخاء، بل هو نمو روحي ووجداني وتحرّك دائم باتجاه الآخر.

محمد الحمامصي