سألتني: هل ما زلت تحب وأنت في هذا السن ؟!

ضحكت.. وأنا أبو البنات.. قلت لها بالتأكيد ما زلت أحب.. وبدأت أتحدث عن فلسفة الحب.. وحبي لبناتي وحفيداتي.

قالت: بلاش فلسفة.. أنت والحب وبس.

أيام المراهقة كان للحب عندي وأبناء جيلي سمات جميلة.. وأغان حزينة.. وقصائد ظلت خالدة في أجندة عصر بأكمله.. عصر نزار، وحليم، وفايزة، ووردة، ونجاة، وفريد، وعبد القدوس، والسباعي، وعشرات من الأفلام ومئات من الأغاني بل آلاف.

كان أجمل غزل تقدمه للحبيبة.. وردة حمراء تتوسط ديوان قالت لي السمراء، أو طفولة نهد، وأجمل لقاء مع الحبيبة.. عندما تطفئ أنوار صالة السينما، ويبدأ العندليب الأسمر يغني..

(في يوم.. في شهر.. في سنا.. تهدا الجراح وتنام وجرح قلبي أنا .. أطول من الأيام)

كنت أشعر بسخونة دموع الحبيبة وهي تلتصق بي وأنا احتضن روحها قبل أن احتضن جسدها..

معظم مراهقي جيلي كان لهم موعد مع خروج الحبيبات من مدارسهن.. لم تكن هناك باصات لنقلهن كما هو حال اليوم.. كن يخرجن من مدارسهن بجدائلهن التي تتراقص وهن يسرقن النظر للحبيب.. خجل مشوب بحمرة الوجنتين.. وخوف من افتضاح الحب.. لكن العين تتكلم.. والرسائل تتبادلها العيون.

العباءة كانت مثيرة.. بعضهن تتفنن بلف العباءة وهي تعلم أن الأغاني أثيره بها.. والجميع يغني لها.

يَمْ العباية حُلوة عَبايتج

يا سمرة هواية زينة صِفايتج

منذ صغري كنت أملك موهبة الكتابة، لذا فكل أصدقائي كانوا يستعينون بقلمي في كتابة رسائل العشق، والهوى لمن كانت قلوبهم تميل.

صورة الحبيبة لا تزال عالقة بذهني.. أحاول ألا أنساها لكنني أتناسها وأنا أعيش الواقع معها بعد حفنة سنين، تساقط شعر الرأس وأبيض ما تبقى منه وحفر الزمن دروبة في وجهي، لكنها تحاول أن تتغلب على عيوب الزمن وأن تظل بصورتها التي كانت ولا تدرك أنه العدو الذي لا يقبل الهزيمة، غير أن الحب باق معها.. وأن تبدلت فلسفته، ويومياته، ووسائله، هي الآن الصديقة والرفيقة والصدر الذي يرنو إليه الإنسان بعد يوم متعب تفرضه الحياة التي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.

لذا حينما اتحدث عن فلسفة الحب، اتحدث عن متغيرات بايلوجية، وسايكلوجية، وحياتية، ومصيرية، يفرضها الزمن، وللحب فلسفة حقيقية، فما زلت وأنا بهذا السن أملك قلباً يتراقص مثل قلب طفل عند كل ثغر يبتسم، أو عينين تملكان سهاماً لا تستقر إلا في الأعماق من القلب، المرآة التي اضطر أن أنظر فيها كل يوم تجبرني لأن أتذكر بناتي وحفيداتي الجميلات. فأهرب بهن .. ولهن أعقد بقية عمري.. لعلي اتمتع بابتسامة وقبلة من كل جميلة منهن.. لذا فقد رهنت قلبي عندهن حماية لجدتهن.

abduleah_q@hotmail.com