القصص البسيطة كجدول الماء يجري ببطء وهدوء لا يصدر صوتاً ولا يثير جلبة، وربما لا أحد ينتبه إليه أو يعول عليه، لذلك يجري هناك زمنا وراء زمن يحفر الصخر دفقة خلف دفقة، كأنه قصة بسيطة المفردات طويلة التأمل عميقة المعنى، إنها قصة السينما عندما تحول آلاف الكلمات ومئات الصفحات إلى لغة بصرية، تجري فيها دموع العشاق وتنطلق منها آهات الألم وتحلق فيها أحلام الأعمار بصمت عميق، لكنه مليء بملايين الكلمات، إنها لغة السينما.
لقد أعطت السينما روحاً أخرى للأدب، توازي نبضات قلب الكاتب عندما وضعها، والأدلة على عمق معناها كثيرة ليس في الروايات التي خلدها الزمن فقط، بل تلك القصص الصغيرة بحكايتها، الكبيرة بمعناها، والذين شاهدوا فيلم جسور مقاطعة ماديسون الذي حول الرومانسية في السينما من آلان ديلون الفتى القوي الوسيم آنذاك إلى أشخاص ناضجين، في منتصف العمر حيث كلينت إيستوود بملامحه الموحية، وميريل ستريب التي أعطت الفيلم نسيجاً من روحها، روح ربة المنزل الريفية التي تعيش حياتها بملل ورتابة فاستحقت جائزة الأوسكار.
بساطة القصة ليس في حب المرأة الريفية ربة المنزل (ميريل ستريب) لمصور جوال (كلينت إيستود) بل في وَلَديها اللذين يعيشان حياة تعيسة في زواجهما، فقد كانت ابنتها تعيش حياة زواج مهددة بالانفصال، بينما شقيقها الأكبر لا يقل تعاسة عنها، فهو يعيش حياة رتيبة مملة، مليئة بالفراغ.
حيث جلس الاثنان في مطبخ أمهما القديم يقرآن مذكراتها العاشقة، والتي طلبت فيها ذر رماد جثتها بعد حرقها من فوق جسر ماديسون قرب منزلها الريفي حيث تعرفت إلى المصور وعاشت معه قصة عاطفية بسيطة اكتشفت خلالها الحب كمعنى زمني يدوم إلى الأبد.
خلال ذلك اكتشفت الابنة أن أمها الريفية ـ ربة المنزل ـ كانت أكثر سعادة منها، ولم تشفع الجامعات والمدن الكبيرة التي ذهبت إليها لتكون سعيدة، لقد عرفت أمها الحياة الرومانسية في هذا المطبخ الذي تقرأ فيه مذكراتها، وقد اعترفت لشقيقها بذلك، والذي بدوره سارع للاتصال بزوجته مطمئناً إلى أحوالها طالباً منها الاستعداد للخروج إلى العشاء، لقد منحتهما مذكرات أمهما أملا لغد أفضل، وقد اكتشفا لتوهما أن الحب حيث السعادة تغلف الحياة.
قصة صغيرة جاءت إلى السينما عبر كلمات وصفحات وتحولت إلى حكمة تدفع المرء إلى البحث عن سعادته لعلها إلى جواره، لكنه لا ينتبه إليها.
