من الشائع القول إن الولايات المتحدة هي أحد أكثر بلدان العالم تقدما في ميدان العلم والبحث العلمي، ومن المعروف أنها كانت رائدة في حقل علوم المعلوماتية وعلوم الحياة وهي الأقوى بكل ما يتصل بحقل الاتصالات وعالم الانترنت. لكن هذا لم يمنع كريس موني وشيريل كيرشنبوم من تكريس كتاب لـ «أميركا غير العلمية»، كما يقول عنوانه الرئيسي، مع عنوان فرعي مفاده: «كيف تهدد الأمية العلمية مستقبلنا».
الفكرة الرئيسية التي يؤكد عليها المؤلفان هي أن المجتمع يعاني أكثر فأكثر من أعراض «الأمية» العلمية، ذلك أن موقع العلم وتأثيره انحسرا كثيرا في السنوات الأخيرة. وهما يعيدان هذا الانحسار إلى جملة من الأسباب التي ليس أقلها القول إن أميركا بحاجة إلى العلماء وإلى الباحثين في الحقل العلمي، وذلك في سياق حركة عامة من تراجع المؤسسات العلمية الأميركية.
وتتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية. يخص القسم الأول نوعا من التأريخ لمسيرة العلم في الولايات المتحدة الأميركية منذ بداياتها حتى الحقبة الراهنة. هذا مع التوقف عند العديد من المحطات الأساسية في فترات ازدهار المؤسسات العلمية وأيضا في فترات انكفائها ومن بينها المرحلة الراهنة.
ويدرس المؤلفان في القسم الثاني من الكتاب المصادر الأساسية للمشاكل التي تعرضت لها المسيرة العلمية الأميركية. ويتم التمييز في هذا القسم بين عدة «أنواع» ثقافية تتوزع الاهتمام في المجتمع الأميركي.
ويتمثل أهمها في «الثقافة العلمية» و«الثقافة السياسية» و«ثقافة وسائل الإعلام» و«ثقافة التسلية» و«الثقافة الدينية». وتكمن الظاهرة الأساسية التي يتم التأكيد عليها بوجود نوع من «التباعد» بين الثقافة العلمية والثقافات الأخرى التي يزداد حيّز الاهتمام بها في المجتمع الأميركي.
القسم الثالث والأخير من الكتاب مكرّس لتقديم عدد من الاقتراحات والأفكار لمكافحة «الأميّة» العلمية التي تهدد المجتمع الأميركي. وهذا كله في أفق إعادة الاعتبار للعلم وتقريب رجاله من هموم المجتمع المعاصر.
ذلك أنّه «مقابل كل رجل علم يتجنّب التعامل مع الجمهور العريض، أو يسيء التعامل مع هذا الجمهور، هناك رجال علم آخرون يعرفون من كيف يجدون وسائل تعامل أفضل. لكن هذا لا يمنع واقع وجود قطاعات هامة وحاسمة في المجتمع لا تعطي للعلم ما يستحقه من اهتمام»، كما نقرأ.
ويركز المؤلفان في شرحهما لظاهرة العزوف أكثر فأكثر من العلم في المجتمع الأميركي خلال العقود الأخيرة على القول أن هناك نوعا من «الجفاء»، إن لم يكن من «القطيعة»، بين العاملين في حقل العلم وبين الآخرين. ويتم التأكيد أن مثل هذا التباعد يسيء جزئيا إلى طبيعة التكوين العلمي اليوم، وإلى الثقافة العلمية بصورة عامة.
والنتيجة هي أن العلم أصبح، ببعض جوانبه، عامل عزل وليس أداة تواصل، كما ينبغي أن تكون وظيفته. وتأتي في هذا السياق نزعة الإغراق في التخصص العلمي مما جعل واقع «العزل» أكثر صرامة. وقد عمل التخصص المؤطّر كثيرا في اتجاهين. فمن جهة جرى تحقيق نجاحات كبيرة في ميدان الأبحاث، ولكن من جهة أخرى زادت حدة الانكماش والتقوقع داخل المختبرات على حساب الصلة مع العالم الخارجي، العالم المحيط، بتعبير آخر انكفأ رجال العلم أكثر فأكثر في «برجهم العاجي».
هكذا إذا كان رجال العلم ينتجون باستمرار المعارف المطلوبة للتقدم فإنهم يعانون بالوقت نفسه، وبالتوازي، من نوع من «الاغتراب» عن محيطهم الاجتماعي وبالتالي يعانون من نقص نفوذهم وتضاؤل مكانتهم الاجتماعية. وبهذا المعنى أصبحت «الثقافة العلمية» تتطور حسب منطقها الخاص الذي يُبعدها عن الاهتمام العام.
يقول المؤلفان: «هناك عدد ضخم من الأشخاص ذوي المواهب والنفوذ في المجتمع لا يرون الأهمية المركزية للعلم في حياتهم وهناك الكثير من رجال العلم لا يعرفون كيف يشرحون لهم هذه الأهمية».
وهناك أيضا نقص كبير في التواصل بين «المثقفين العلميين» و«المثقفين الفكريين».
وهذا يمثل أحد الظواهر المتعاظمة في المجتمع الأميركي الحديث، كما يشرح المؤلفان. مثل هذا النقص يشكل عقبة أمام «تعميم المعارف العلمية»، وجعلها «شعبية»، وبما عبر تبسيطها دون المساس بجوهرها، كما يؤدي إلى عدم اهتمام الثقافة العلمية بمسألة ما يمكن تسميته بالثقافة الشعبية. إن المؤلفين يبحثان على مدى فصل كامل العلاقة بين العلم والثقافة الشعبية.
ويتعرّض المؤلفان في هذا الإطار إلى حالة رجل علم يدعى «كارل ساغان» الذي نال شهرة كبيرة في أميركا خلال مطلع عقد الثمانينات الماضي عندما جعل العلم أحد مكونات الثقافة الشعبية الرائجة. لكنه فشل في عام 1992 في اكتساب عضوية «أكاديمية العلوم» ذلك أن رموز تلك الهيئة العلمية اعتبروا أنه قد «بسّط كثيرا من أشياء العلم في كتاباته العلمية» وبالتالي ساهم في «انحطاط العلم».
وفي المحصلة هذا كتاب عن تاريخ العلم في أميركا وواقعه الحالي وأفقه المستقبلي. والتأكيد أن وضع العلم في أميركا اليوم هو أدنى مما كان عليه في الماضي غير البعيد، وأن العلم يحظى بدرجة أقل من الاحترام. لكن هذا لا يمنع القول، في النتيجة النهائية، أن ملكة الإبداع والتجديد كانت، ولا تزال، قوية في أميركا.
تراجع الفضول العلمي
يقدم المؤلفان التشخيص التالي لحالة العلم المتراجعة في المجتمع الأميركي: «لقد تغيّرت ثقافتنا كثيرا منذ أواسط القرن العشرين.
ذلك أن العلم فقد الكثير من طراوته وجذبه للأميركيين. والعلماء والباحثون في حقل العلوم إجمالا لم يعودوا نماذج «موديلات» يُقتدى فيها والأطفال لم يعودوا يخفّون للرجوع إلى المنزل للاهتمام بحلّ مسائل المواد العلمية. وبالطبع لا جدوى من توجيه اللوم لرجال العلم وحدهم بسبب الوصول إلى هذه الحالة المحزنة، بل ومن الظلم توجيه اللوم لهم وحدهم.
المؤلفان في سطور
مؤلفا هذا الكتاب يعملان في حقل البحث العلمي. وكان كريس موني قد قدّم كتابا عرف مكانه في قائمة الكتب الأكثر انتشارا في الولايات المتحدة تحت عنوان: «الحرب الجمهورية على العلم» وشيريل كيرشنبوم فيعمل أستاذا في جامعة ديوك.
الكتاب: أميركا غير العلمية
تأليف: كريس موني، شيريل كيرشنبوم
الناشر: بازيك بوك ـ نيويورك2009
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط
Unscientific Americaa
Chris Mooney،
Sheril Kirshenbaum
Basic Books- New York- 2009
P.224
