«فن المأدبة هو فن من فنون الحكم»، هذه قاعدة تمت المحافظة عليها منذ الأزمنة القديمة حتى اليوم. ذلك أن رجال السياسة استخدموا دائما «الدعوة لمآدب الطعام» كأداة للسيطرة أو لإظهار سلطتهم. هذا ما يؤكده المؤرخ-المؤلف جان مارك البير، في كتابه الذي يحمل عنوان «حول موائد السلطة، من المآدب اليونانية حتى قصر الاليزيه».
ويشرح المؤلف على مدى الفصول السبعة التي يتألف منها الكتاب دور «المآدب» في السياسة، وذلك تبعا لحقب تاريخية تمتد من «طقوس المآدب اليونانية» وحتى «دبلوماسية طاولة الطعام في الاليزيه: فن للحكم»، كما جاء في عنوان الفصل الثاني للكتاب والفصل الأخير، ومرورا بفصول تحمل العناوين التالية: «مآدب الاحتفالات في العصر الوسيط» و«الاستعراض المسرحي لمآدب الطعام الملكية» و«طاولة الطعام بين النظام والفوضى» و«المخيلة السياسية والهويات الغذائية». أما الفصل الأول من الكتاب فهو محاولة الإجابة عن السؤال التالي: «وجبات طعام القانون أم قوانين طاولة الطعام؟».
وعلى مدى هذه الفصول كلها يؤرخ المؤلف للروابط التي قامت عبر التاريخ الأوروبي بين «السلطة ومآدب الطعام». وتبيين الآليات التي جعل فيها البشر، منذ العصور القديمة حتى اليوم، من اللقاء حول وجبات الطعام أداة ورمزا لسلطتهم.
هكذا يسأل المؤلف: ما هي النقاط المشتركة بين اسكندر الأكبر ولويس الرابع عشر وجاك شيراك؟ ويقول في معرض الإجابة إن القاسم المشترك الأول والأكبر بينهم هو بالتأكيد السلطة. ولكن هناك شيئا آخر غير السلطة هو «شهيتهم» للطعام و«استخدام طاولة الطعام كسلاح سياسي فعّال»، وذلك من خلال ثلاثة وسائل أساسية.
الوسائل المقصودة يحددها المؤلف في استخدام المأدبة كبرهان على القوة والسيطرة على أولئك الذين تتم دعوتهم. والوسيلة الثانية هي الاهتمام بشد لحمة أولئك الذين يجتمعون حول طاولة طعام واحدة حيث تولّد بينهم نوعا من التآلف. أما الوسيلة الثالثة التي يتم استخدام فيها المائدة كسلاح سياسي فهي «إرادة إبراز بعض التراتبية أو بعض التمييز عبر تحديد مكان جلوس هذا المدعو أو ذاك».
ولا يتردد المؤلف في القول أنه بين جميع رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958، الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك هو «الأكثر شراهة» بينما أن الرئيس الراحل فرانسوا ميتران كان «الأكثر تذوّقا للطعام والأكثر تطلّبا»، أما الأكثر بساطة وزهدا فهو الجنرال شارل ديغول نفسه.
ويرى المؤلف أنه من المستغرب كون أن جاك شيراك لم «يأخذ» عدة كيلوغرامات أثناء سنواته الرئاسية. أما ميتران فقد كان حريصا على إتباع قواعد تغذية صارمة، خاصة بعد مرضه، بل وقام بتوظيف مختصة بالتغذية في الاليزيه بحيث كانت تفرض مصدر القصر الرئاسي من الاجبان أو من اللحوم. الجنرال ديغول حرص دائما على التقشّف بنوع من «التضامن» مع فرنسا التي كانت تعيد بناء نفسها بعد الحرب العالمية الثانية.
إن رجال الدولة يقدّمون، كما يشرح المؤلف، صورة عن أنفسهم أنهم من «محبّي» الطعام. ذلك كإرث من ثقافة لاتينية قديمة صوّرت «الرجل الأكول» أنه «رجل قوي». وهكذا أثار الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية القديمة عندما قال أنه «لا يتذوق كثيرا النبيذ».
وشاعت عن «آلان جوبيه» رئيس وزراء فرنسا السابق أنه «لا يحب الطعام»، مما اضطرّه للانتساب إلى «جمعية هواة رأس العجل»، وهذا كان «الطبق المفضّل» لدى الرئيس جاك شيراك. يشير المؤلف في هذا السياق إلى وجود «علاقة لا عقلانية قليلا» بين البشر والغذاء.
ويؤكد المؤلف أنه من الصعب الحديث عن معسكري «اليمين» و«اليسار» في ميدان «الطبخ والطعام». ذلك أن كل رجل سياسة له «تقاليده الغذائية». لكن هذا لا يمنع الربط غالبا بين الأطعمة «الدسمة» وبين الناخبين الشعبيين.
هكذا كان فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي الأسبق، قد ارتكب خطأ كبيرا، كما يرى المؤلف، عندما صرّح أن «طبقه المفضل هو العجّة مع الكمأة». هذا في الوقت التي تقول فيه قاعدة فن السياسة بالاقتراب من «الشعب» وأطعمته من أجل النجاح.
ومن الأفكار التي تتردد في هذا الكتاب القول أن المساهمة في الولائم كانت تعبيرا عن «المواطنة» لدى أثينا القديمة. لكن المآدب الاحتفالية في العصور الوسطى شكّلت قطيعة مع الماضي حيث أصبح المدعوون يتحلّقون جلوسا حول طاولة الطعام. لكن مفهوم «غرفة الطعام» لم يظهر إلا بعد أن أصبح لغرف المنازل إجمالا وظائف محددة «خاصة» في القرن الثامن عشر.
وتتم الإشارة أن «المطبخ الفرنسي» عزز مواقعه في عصر النهضة على حساب «المطبخ الإيطالي». كما أن القواعد الكلاسيكية التي شاعت في الأدب والفكر في القرن السابع عشر جرى تطبيقها أيضا في «فن المطبخ». هكذا في ظل لويس الرابع عشر أصبحت فرساي هي «مركز المعرفة والسلطة على صعيد المطبخ. وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حاولت الارستقراطية أن تتميز على صعيد الممارسات الغذائية.
مآدب ملكية ومآدب ثورية
يؤكد المؤلف أنه حول وجبات الطعام، بكل أشكالها وتنوعاتها، تتم النقاشات منذ آلاف السنين بين أصحاب القرار والمقرّبين من أصحاب القرار. القارئ مدعو من قبل أحد أكبر مؤرخي مآدب الطعام وخبير معترف به بعاداتها وطقوسها لدى «الأقوياء» في الماضي و«الأقوياء» اليوم، لـ «حضور» مآدب هؤلاء الأقوياء منذ مآدب اليونانيين القدامى حتى «المآدب الثورية أو الجمهورية».
ومرورا بـ «مآدب القرن الكبير»، أي تلك التي نظّمها ملوك فرنسا في ظل «النظام القديم» الذي سبق قيام الثورة الفرنسية الكبرى. ولكن المؤلف «يدعو» قارئه أيضا لحضور ما يسميه بـ «المآدب التعيسة» للأنظمة الشمولية، التوتاليتارية، دون أن ينسى «دعوته» إلى بعض «حفلات عشاء» قصر الاليزيه.
المؤلف في سطور
جان مارك البير، مؤرخ فرنسي، يعمل أستاذا في المعهد الكاثوليكي بباريس. وهو أحد الباحثين الفرنسيين القلائل المختصّين بتاريخ الأطعمة ودورها. من كتبه: «أطلس تاريخي للعصر الوسيط»، وله العديد من المقالات والدراسات حول ثقافة الطبخ والمطبخ.
الكتاب: حول موائد السلطة من المآدب اليونانية إلى قصر الاليزيه
تأليف: جان مارك البير
الناشر: ارمان كولان ـ باريس 2009
الصفحات: 320 صفحة
القطع : المتوسط
Aux tables du pouvoir
Jean Marc Albert
Arman Colin Paris 2009
Arm
