سادت لفترة طويلة من الزمن فكرة مفادها أن من يسيطر على البحار يسيطر على العالم. وكانت بريطانيا في بداية البلدان التي أسست أسطولا بحريا كان وراء قيام إمبراطوريتها الاستعمارية الشاسعة. وكان البرتغاليون قد فهموا ذلك الدرس أيضا، ثم تبعهم الفرنسيون حيث كان الأسطول الفرنسي، رغم تأخر تشكّله زمنيا عن الأسطول البريطاني، وراء مدّ نفوذ فرنسا إلى مناطق بعيدة في العالم. هذا مع عدم نسيان دور الأسطول العثماني.
بين هذه الأساطيل الكبرى والأساطيل الأكثر تواضعا دارت معارك لا تزال شهيرة في التاريخ، والمؤرخ العسكري البريطاني «ر. ج. غرانت» يكرّس كتابا لهذا الموضوع تحت عنوان «معارك البحار»، مع عنوان فرعي يقول: «3000 سنة من الحروب البحرية». ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول إن السفن الحربية كانت هي العامل الأكثر حسما في تاريخ الحروب قبل اختراع السلاح النووي. وهو يعود في هذا الكتاب - الذي اعتمد كثيرا في تأمين مادته على البحرية الملكية البريطانية- إلى توصيف المواجهات البحرية الكبرى التي خاضها البحارة والأساطيل من أجل السيطرة على البحار. ومن الهام الإشارة أن مواد هذا الكتاب تتوزع في أربعة أقسام أساسية تبعا للحقب الزمنية وللتقدم التكنولوجي.
ويغطي القسم الأول فترة تمتد من العصور القديمة إلى القرن السادس عشر ثمّ عصر سيادة «السفن الشراعية» (1550-1830)، ثم عصر السفن التي تسير بواسطة المحرك البخاري (1830-1918)، وأخيرا فترة البحرية الحديثة منذ عام 1918 وحتى اليوم.
ويصف المؤلف في العديد من صفحات الكتاب التي تزيد على 350 صفحة الحياة اليومية للبحّارة على ظهر سفنهم وللنظام الغذائي الذي تفرضه عليهم مهنتهم وكيفية قضائهم لأوقات فراغهم. بل ويتم شرح الكيفية التي تطورت على أساسها سلوكيات البحارة من مختلف المراتب انطلاقا من البحارة العاديين وحتى القباطنة ويبيّن كيف جرى التطوّر بل والتبدّل الذي عرفته هذه السلوكيات مع مرور الزمن.
ويولي المؤلف أهمية خاصة للمعارك البحرية خلال الحرب العالمية الثانية ويشرح بإسهاب أن الإنزال البحري الذي قامت فيه القوات الأميركية والكندية والانكليزية في منطقة «النورماندي» الفرنسية كان بمثابة الخطوة الأساسية من أجل تحرير أوروبا من هيمنة الجيش النازي الألماني.
وكانت عملية التحرير قد بدأت في عام 1944. ومن المعارك البحرية الكبرى التي شهدتها الحرب العالمية الثانية يركز المؤلف كذلك على وصف تلك التي دارت بين القوات البحرية الأميركية والقوات البحرية اليابانية في المحيط الهادئ «الباسفيكي» حيث كان يتواجد قسم هام من الأسطول البحري الأميركي.
وتتم الإشارة إلى أن ثلاثة معارك على تلك الساحة البحرية تبقى ماثلة باستمرار في الذاكرة الجماعية وهي الهجوم الياباني على قاعدة «بيرل هاربور» بجزيرة هاواي في المحيط الهادئ خلال شهر ديسمبر من عام 1941. ومعركة «دوليتل» التي استهدفت اليابان في شهر أبريل من عام 1942. والمعركة الثالثة هي معركة «ميدواي» في شهر يونيو 1942.
ويشرح المؤلف أنه مع نهاية الحرب العالمية الثانية دقّت أيضا ساعة نهاية المعارك البحرية الكبرى التي كانت قد مهدت تاريخ الإنسانية لعدة قرون سابقة. ذلك أن حاملات الطائرات والغواصات النووية بما تحمله من أسلحة وعتاد متقدّم هي التي أصبحت ذات المكانة المركزية في القوات البحرية ولتقاسم النفوذ في مختلف بحار العالم ومحيطاته، والأساطيل البحرية الأميركية من الأكثر تواجدا في أغلبية مناطق العالم.
وتتمثل آخر معركة بحرية يوليها المؤلف اهتمامه في هذا الكتاب، لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بمعركة «الفولكلاند» أو «المالوين» التي جرت بين السفن الحربية البريطانية والقوات البحرية الأرجنتينية حول السيادة على تلك الجزر القريبة من الأرجنتين. ولم يتردد الجانبان في استخدام كل أنواع الأسلحة والصواريخ الأكثر تقدما في تلك المواجهات.
ومن الجوانب التي يتعرّض لها المؤلف بالشرح والتحليل على مدى أكثر من فصل هناك مختلف المظاهر المرتبطة بحياة البحّارة على السفن والتي كان لها أثرها في تحديد نمط سلوكياتهم مثل المعتقدات الدينية أو الخرافات التي ارتبطت بأذهان أولئك الذين يعملون في عالم البحر، ودون أن يكون هناك تفسيرا واضحا لأسباب شيوعها.
ويذكر من هذه الخرافات تلك التي تقول بـ «حظر» إطلاق سفينة إلى مياه البحر خلال يوم جمعة. والتأكيد على «سوء الصغير» على سطح السفينة لأن ذلك قد يجلب العاصفة. والقول أن «تسريح البحارة لشعرهم على غرار الأطفال عند ولادتهم» يحمي من الغرق، إلى آخر ما هناك من خرافات.
بكل الحالات اندرجت المعارك البحرية الكبرى في إطار حروب أوسع وأشمل. هذا دون نسيان بعض «المعارك النهرية» مثل تلك التي شهدتها فيتنام. ومن المعارك البحرية الكبرى التي يتوقف عندها المؤلف طويلا هي تلك التي شهدها البحر الأبيض المتوسّط وفي مقدمتها معركة ليبانتي التي جرت عام 1571 وانتصرت فيها القوات البحرية التابعة للتحالف المسيحي على العثمانيين. ومعركة «أبو قير» عام 1799 بين الأسطولين الفرنسي بقيادة بابليون بونابرت والعثماني بقيادة مصطفى باشا.
«ألبوم » تاريخي
يشكل الكتاب نوعا من التأريخ للحروب الكبرى والعودة للحديث في أسبابها وأحداثها الكبرى ونتائجها. مع تقديم توصيف دقيق للأسلحة التي شاركت فيها و«التكتيك» والإستراتيجيات التي انتهجتها قيادات القوى البحرية في معارك البحار الشهيرة. وللإشارة يُرفق مؤلف هذا الكتاب توصيفاته بعدد هام من الرسومات التوضيحية للسفن وللخطط البحرية.. وتحتل الحروب البحرية أهمية خاصة في الحروب بين القوى الاستعمارية للسيطرة على بحار العالم ومنها على مناطق اهتمام القوى الاستعمارية.
الكتاب: معارك البحار 3000 سنة من الحروب البحرية
تأليف: ر. ج. غرانت
الناشر: دورلينغ كندرسلي ـ لندن 2008
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
Battle at sea
R. G. Grant
D. K. Publishing- London- 2008
P.360

