غوستاف فلوبير، اسم شهير في عالم الأدب، ليس في فرنسا وحدها ولكن في جميع أنحاء المعمورة. وبالتالي كثيرة جدا هي الكتب التي شكّلت حياته وأعماله موضوعا لها. لكن السلسلة لا تزال متواصلة، ولعلّ آخرها هو كتاب قدّمه الباحث الفرنسي المختص بغوستاف فلوبير، أي «بيير مارك لوبيازي» الذي يحمل عنوان «غوستاف فلوبير، طريقة خاصة للعيش».

ما هي حياة الكاتب؟ هذا هو السؤال البسيط الذي يتم طرحه منذ السطور الأولى في هذا الكتاب. وتأتي الإجابة: الطفولة والحب والأسفار والصداقات والحصول على المال والمكانة الاجتماعية والنجاحات والانكفاء. هذه هي بعض المكونات الأساسية في حياة كل إنسان. لكن هل لهذه الأمور كلها علاقة عميقة مع أعمال الكاتب وكتاباته وأسلوبه؟ ثم ما هي الخصوصيات التي تجعل من سيرة حياة ما هي سيرة حياة كاتب؟ مثل هذه الأسئلة تشكل، كما يُشار بتقديم هذا الكتاب، عناصر لا يمكن الاستغناء عنها في كتابة سيرة حياة أي شخص، لكنها تغدو عناصر حاسمة أكثر في حياة شخصية مثل «غوستاف فلوبير» الذي كانت له «طريقة خاصة في العيش»، كما جاء في العنوان. إنه المؤلف يوزع مواد الكتاب بين عشرة فصول، الأربعة الأولى منها مكرّسة لسيرة حياة غوستاف فلوبير في سنوات الطفولة، ثم فصل يحمل عنوان: «الطبيعة النارية» وآخر عن «الموت والحب والأمكنة الأخرى». وتهتم الفصول الأخرى بالمسار الأدبي والإبداعي لصاحب السيرة حيث يتم تكريس واحد منها ل«الدخول في عالم الأدب». ويتساءل المؤلف في عنوان آخر «مدام بوفاري، من هي»؟ تجدر الإشارة إلى أن غوستاف فلوبير كان قد ردّ على هذا السؤال بالإجابة التالية: «مدام بوفاري، هي أنا»، كما يُنقل عنه.الخطوط العريضة لسيرة حياة فلوبير هي أنه ابن أسرة بورجوازية، وأنه عاش أياما زاخرة بالسأم قبل أن يلج عالم الكتابة.

عانى منذ سن مبكرة من وفاة والده ثم أخته التي توفيت عندما أعطت الحياة لطفلة. سافر فلوبير كثيرا خاصة إلى إيطاليا والشرق حيث قدّم عملا شهيرا تحت عنوان: «أحاسيس من السفر». اعتزل لعدة سنوات في بين ريفي لأسرته حيث كتب أكثر أعماله شهرة، أي «مدام بوفاري» وبعدها «التربية العاطفية» و«سالامبو». لكن ما تتم الإشارة إليه هو أن أعماله لم تلق نجاحا كبيرا عندما كان مؤلفها لا يزال على قيد الحياة.

لكن شخوص رواياته، وفي مقدمتهم «ايما بوفاري» جسّدوا ما كانت تعنيه العادات والأخلاق البورجوازية في عصره وخاصة الحرية بحثا عن إشباع الرغبات. هكذا واجه غوستاف فلوبير تهمة عدم احترام الأخلاق، في رواية «مدام بوفاري» بالتحديد. توفي عام 1880 إثر إصابته بنزيف دماغي.

ومن عادات غوستاف فلوبير التي يؤكد عليها المؤلف أنه كان يكتب حتى ساعات الصباح الأولى هذا إلى درجة أن أولئك الذين كانوا قد تعودوا أخذ الطريق النهري عبر «السين» كانوا قد اعتبروا نافذته المضيئة كنقطة علاّم. أحب فلوبير مهنة الكتابة إلى درجة أنه أطلق على نفسه «الرجل-القلم»، ذلك على خلفية قناعته أن أي عمل أدبي لن يكون ذا قيمة كبيرة إلا إذا كان مصيره هو «الخلود».

وينقل المؤلف عنه قوله ذات مرة: «أنا لا أكتب لقارئ اليوم ولكن لجميع القراء الذين سيوجدون طالما أن اللغة باقية. هذه الجملة مأخوذة في الواقع من رسالة كان فلوبير قد وجهها إلى الكاتبة «جورج صاند» عام 1872.

ويروي المؤلف أن فلوبير كان يحب امتطاء صهوة الجياد، لكنه عندما كان يترجل عن ظهر الحصان، في النورماندي بفرنسا، أو في لبنان أو في مصر، إنما كان يفعل ذلك غالبا كي يدوّن على الورق بضعة جمل كانت قد «أتته» ولا يريدها أن تضيع. بهذا المعنى كانت لدى فلوبير هوايتين أساسيتين لا ثالث لهما هما الفروسية والأدب، وهما نشاطان كانا متلازمين لديه.

ولعله من المناسب أن يضاف للهوايتين الأساسيتين، هوى ثالث هو الحب وينقل عنه المؤلف أنه كتب ذات مرة إلى إحدى عشيقاته المدعوّة «لويز كوليه» ما مفاده: «الجنة في هذا العالم توجد على صهوة جواد أو في التنقيب في أوراق الكتب أو بالقرب من امرأة».

الكتابة هي الهدف

يرى المؤلف أن مختلف التجارب التي عاشها غوستاف فلوبير من عشق وأسفار وبحث وأهواء وصداقات وتمرّد ووحدة صبّت كلها لدى فلوبير في هدف واحد هو الكتابة. هكذا كان أحد الذين أعطوا للأدب الفرنسي عصره الذهبي باعتباره أحد «مبدعي» الرواية الحديثة.

المؤلف في سطور

يعمل بيير مارك دو بيازي، مؤلف هذا الكتاب، باحثا في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. كما يعمل في حقل الإنتاج الثقافي المكرّس لإذاعة فرنسا الثقافية. وهو أحد الأخصائيين الفرنسيين بأدب غوستاف فلوبير.قدّم ما يزيد على عشرين كتابا، جلّها عن فلوبير، ومن بينها: «يوميات العمل والسفر إلى مصر».

الكتاب: غوستاف فلوبير، طريقة خاصة للعيش

تأليف: بيير مارك دو بيازي

الناشر: غراسيه ـ باريس 2009

الصفحات: 496 صفحة

القطع: المتوسط

Gustave Flaubert, une manière spéciale de vivre

Pierre Marc De Biasi

Grasset - Paris - 2009

P.496