أول ما يلفت النظر في رواية «الشريك» الصادرة مؤخراً للروائي الأميركي جون غريشام أنها تردد أصداء روايته المتألقة التي تعود إلى عام 1991 «الشركة» من حيث انتماء الروايتين إلى فئة رواية الإثارة القانونية التي تجمع في حبكتها بين الحركة والتشويق، وذلك خلافاً لروايته الصادرة عام 2008 بعنوان «الاستئناف» والتي شكلت ساحة للإعراب عن مخاوفه من التأثيرات المفسدة لانتخابات القضاة.

وفي رواية «الشريك» نحن على موعد مع البطل كايل مكافوي، الطالب بكلية الحقوق في جامعة يال الذي برع في دراسته بحيث انتخب رئيساً لتحرير صحيفة «يال لوجورنال»، وبدا أن مستقبلاً مشرقاً يمتد أمامه، وهو يحلم بخدمة الحياة العامة.

لكن حياة كايل تحتوي على سر مظلم، ينتمي إلى أيام الدراسة وهو يحاول أن ينساه قدر استطاعته، لكن هذا السر يقع في أيدي أشخاص تغمرهم الظلال، وهكذا فإنه يتعرض للابتزاز باستخدام شريط فيديو يمكن أن يعيد الحياة إلى اتهام عمره خمسة أعوام بالاغتصاب.

هكذا فإن مكافوي بدلاً من أن يساعد من يحتاجون إلى المساعدة يقبل منصباً في شركة عملاقة في وول ستريت، هي شركة سكالي أند بير شنج، التي تضم في صفوف زبائنها متعاقداً عسكرياً له قضية تدور حول 800 مليار دولار وتتعلق بطائرة حديثة التصميم.

ويمكن لمكافوي أن يتجنب الكشف عن ماضيه إذا زود سادته الجدد بمعلومات من الداخل عن القضية.

ويتعين على القراء أن يكونوا على استعداد لمواجهة انعطافات يمكن التنبؤ بها في مسيرة الرواية ونهاية يلفها قدر لا يستهان به من الغموض وبعض التفاصيل غير المقنعة.

وعلى الرغم من ذلك فإن عشاق روايات غريشام سيجدون في هذه الرواية الجديدة ما يرضيهم وأكثر، حتى وإن خيل إلى بعضهم أن هذه الرواية ليست الأكثر تألقاً من بين أعماله الروائية.

والواقع أن كايل بعد ثلاثة أشهر فحسب من تخرجه من كلية الحقوق في جامعة بال سيجد نفسه ملتحقاً بأكبر شركة محاماة في العالم، حيث يتوقع منه إلى جوار الاشتغال بالمحاماة، أن يكذب ويسرق ويشارك في مخطط يمكن أن يفضي به إلى السجن، بل وأن يلقى حتفه في غماره.

وكما هي الحال في العديد من أعمال غريشام الروائية، فإن القارئ يجد نفسه في «الشريك» حيال حشد يستعصى على النسيان من الشخصيات والأشرار والأوغاد ابتداء من باكستر تيت الذي يحتمل أن يكون مرتكب جريمة اغتصاب، ووصولاً إلى ديل المدرس السابق لمادة الرياضيات والذي يشارك كال مكتبه في شركة المحاماة، في أميركا، وهؤلاء جميعاً يخوضون غمار الانعطافات والتقلبات التي جعلت من جون غريشام كاتب الروايات الأكثر شعبية في العالم.

ويجمع النقاد على أن رواية «الشريك» تتطابق مع الصورة المؤسفة لما يمكن النظر إليه على أنه أخلاقيات الحياة اليومية في وول ستريت، ويلفت النظرة بقوة الإيقاع السريع للرواية والتطور المدهش لشخصياتها والساحات التي تجري عليها أحداثها والأسلوب الذي كتبت به.

ومحبو إبداع غريشام لابد لهم من أن يتحمسوا، مجدداً، لما يجدونه في رواية «الشريك» من اقتدار في رسم الشخصيات والحبكات الفرعية المشوقة.

غير أنه بقدر الحماس من جانب عشاق عالم غريشام الروائي، هناك أيضاً الفتور من جانب من ينتقدون هذه الرواية ربما بغير قليل من القسوة، ويحرصون على رصد ما يصفونه بعيوبها العديدة.

هكذا فإن مجلة «بوكماركس» لاتتردد في الاشارة إلى الحشد غير المبرر في الرواية لأعداد كبيرة من الأشرار والأوغاد، بل وإلى اتسام شخصية كايل بقدر ليس باليسير من الغموض، والبعد عن الواقعية من جانب العديد من خيوط القص في الرواية.

وتمضي المجلة في تعدادها لعيوب الرواية إلى القول إنه خلافاً لروائيين من عيار مايكل كريستون أو سكوت تورو، الذين «يصارعون قضايا فعلية» فإن غريشام لا يعالج شيئاً.

وعلى الرغم من ذلك فإن رواية «الشريك» تظل لها جاذبيتها التي لا موضع لإنكارها ولا مجال لتجاهلها.

وإذا أردنا أن نقترب بعض الشيء من أبرز شخصيات الرواية، فإننا سنلاحظ المفارقة بين البداية التي ينطلق منها كايل مكافوي وإلى جانبه فتاة رائعة وإن لم تكن شديدة الجدية لدى تخرجه من جامعة يال وإلى ما يصل إليه بعد لقائه بالتحري الخاص بين رايت، الذي يؤكد له أنه سينتهي إلى تنفيذ كل ما سيأمره في المستقبل المنظور.

ولكن لماذا يضع كايل مصيره بين يدي شخص بغيض من نوعية بني وفريق عمله سيء الصيت؟

إن الإجابة تعود إلى ذلك السر المظلم في حياة كايل الذي يضرب جذوره في حادثة وقعت في حفل إقامته إحدى الجمعيات في الكلية والتي ساءت عاقبتها، على الرغم من أن كايل قد حسبها مدفونة في غابر الأيام وأهال عليها رماد النسيان.

فإذا به أمام الحقيقة القائلة إن هذه القصة إذا رأت النور مجدداً، فإنها ستعني القضاء على حياته العملية، وهكذا فإنه يذعن لما يطلبه بني ويقبل العمل في شركة للمحاماة هي الأكبر من نوعها في العالم.

ولكن المهمة التي يعهد بها إلى كايل هي أن يتجسس على من ألحقوه بالعمل في هذه الشركة العملاقة لحساب عمل بني، وهي الشركة الأكبر والمنافسة في وول ستريت، فيما الشركتان تواجه إحداهما الأخرى في أكبر قضية تشمل عقوداً عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة.

ويجد كايل أنه يتعين عليه أن يساير بني وعملاءه إذا أراد أن يبقى على قيد الحياة، تماماً مثل ميتشل ماكدير بطل رواية غريشام المتألقة «الشركة» التي أطلت عبر الشاشة الفضية في فيلم لا ينسى.

ويبدو لنا كايل شابا يجمع في آن، بين السذاجة واللماحية، ويتسم بالجرأة التي تدفعه إلى محاولة الالتفاف حول قوة تفوقه جبروتا بما لا يقاس. وبينما تمتد حبكة «الشريك» على نحو يمكن لصديقه فإن القارئ يجد نفسه وهو يتابع هذا الصراع غير المتكافئ حتى آخر كلمة في الرواية.

وقد كان من الطبيعي أن تحظى هذه الرواية باهتمام كبرى الصحف والمجلات في الولايات المتحدة وخارجها فور صدورها.

هكذا فإننا نجد صحيفة «نيويورك تايمز» لا تتردد في القول عنها: «إنها تجتذب اهتمام القارئ بسرعة بحيث يصعب عليه، إلى حد الاستحالة، أن ينحيها جانباً قبل الفراغ منها».

وتقول صحيفة «واشنطن بوسطن» عن رواية غريشام الجديدة: «يسهل علينا غريشام تقليب الصفحات واحدة إثر الأخرى، لأننا أمام صورة مذهلة لعصر بارز وفيض هائل من الأموال».

وتعقب صحيفة «بوسطن جلوب» على الرواية بالقول: «على امتداد الرواية يوسع غريشام نطاق سرده باقتدار وبإيقاع مذهل بحيث يجتذب القراء ويجعلهم يرغبون في المزيد، لأنهم أمام رواية تستقطب الاهتمام، وهي بمثابة جزء ثان مناسب لرواية (الشركة)».

قواعد اللعبة

«اقتضت قواعد دوري شباب نيو هافن أن يلعب كل فتى عشر دقائق على الأقل في كل مباراة. وكان يسمح بالاستثناءات للاعبين الذين كانوا قد أثاروا ضيق مدربهم بعدم حضور التدريب أو مخالفة قواعد أخرى.

وفي مثل هذه الحالات كان بمقدور المدرب أن يكتب تقريراً قبل المباراة ويبلغ مسجل الأهداف أن فلاناً لن يلعب كثيراً إذا لعب، بسبب إصابة ما.وكان هذا يقابل بالضيق من جانب المسؤولين عن الدوري، فهو في النهاية ترفيهي أكثر منه تنافسي. وقبل انقضاء المباراة بأربع دقائق نظر المدرب كايل من مقعده وأومأ إلى فتى جهم صغير يدعى ماركيز، وقال «هل تريد أن تلعب؟» ومن دون أن يجد رداً مضى ماركيز إلى مائدة مسجل الأهداف، وانتظر سماع صافرة.

وكانت مخالفاته عديدة، ومن بينها عدم حضور التدريب، عدم المجيء إلى المدرسة، العلامات السيئة، فقدان زيه المدرسي، الحديث البذيء. وفي حقيقة الأمر فإنه بعد عشرة أسابيع وخمس عشرة مباراة، كان قد خالف كل قاعدة من القواعد المعدودة التي حاول مدربه فرضها».

(مقتطف من رواية «الشريك»)

الكتاب: الشريك

تأليف: جون غريشام

الناشر: راندوم هاوس ـ نيويورك 2009

الصفحات: 512 صفحة

القطع: المتوسط

The Associate

John Grisham

Random House N.Y 2009

P.512