الفكر السياسي لثورة التحرير الجزائرية

الفكر السياسي لثورة التحرير الجزائرية

صورة

يحاول الصادق بخوش في كتابه «الفكر السياسي لثورة التحرير الجزائرية ـ مقاربة في دراسة الخلفية» أن يستجلي الفكر السياسي الخلفي للثورة الجزائرية، للوقوف على خصوصياته وطبيعته ومظاهره وتجلياته، بالإضافة إلى مساهمات كل من حزب الشعب الجزائري وحركة الإصلاح السلفي وجمعية العلماء المسلمين الجزائرية والتيار الانتخابي الاندماجي والأحزاب الشيوعية والقومية، في إنضاج الوعي السياسي الذي فجر ثورة الجزائر التحريرية.

ومقاومة الاستعمار في الجزائر ـ بحسب المؤلف ـ لها وضعية خاصة، لأننا لسنا أمام مستعمر تقليدي يحتل بلداً لتحقيق بعض المصالح والحصول على بعض النفوذ، ثم المغادرة بعد انتهاء تلك المصالح. بل إن استعمار الفرنسيين كان بقصد الاستيطان وتحقق الوجود الدائم، وهذا لا يتحقق، بحسب الفرنسيين أنفسهم على طريق القوة العسكرية فقط، بل عن طريق تسخير قدرات الثقافة والسياسة والتربية والتاريخ لتدجين الجزائريين وإقناعهم بضرورة التعايش مع الثقافة الفرنسية واكتساب مزاياها وإيجابياتها. أما مقاومة الاستعمار فبدأت بدخول الفرنسيين إلى الجزائر عام 1830 حتى عام 1871، وهي المرحلة التي يسميها المؤلف بـ «مرحلة الوطنية العفوية»، حيث كان الجزائريون يقاومون المحتل مقاومة فطرية وعفوية، تقوم على الدفاع عن الوجود المادي والمعنوي ضد خصومهم بطريقة غير منظمة وغير مؤدلجة.

ويعود اختيار الجزائريين للمقاومة المسلحة كوسيلة لمواجهة الاحتلال الفرنسي، لأن المستعمر الجديد لم يكن يريد احتلال الأرض والحصول على مكاسب اقتصادية وحسب، بل كان يريد فرض قيمه وأسلوب حياته وثقافته على الآخر، اعتقاداً منه أن هذا الآخر لايمتلك سوى التراجع الحضاري والسكون التاريخي والتخلف الاقتصادي والتعليمي.

ولذلك فإن هذا التوجه للاستعمار الكامل عزز الوعي لدى المغلوب بضرورة المقاومة والاستماتة في المواجهة، يدفعهم إلى تلك المواجهة شعورهم بالخيبة والبؤس والاحتقار. وقد انتهت هذه المرحلة باستيلاء الفرنسيين على كافة مناطق البلاد وبسط نفوذهم وقوانينهم عليها.

أما المرحلة الثانية فيسميها الكاتب بـ «مرحلة الوطنية السياسية» وتمتد بين 1871 ـ 1954، حيث لجأ الجزائريون إلى انتهاج النضال السياسي كخيار بديل عن المواجهة العسكرية، وذلك بعد أن انتهت غالبية الانتفاضات بانتصار ساحق للفرنسيين. ففي هذه المرحلة حصل إدراك عام بأن المعركة مع المحتل الفرنسي ليست متكافئة عسكرياً، الأمر الذي يبرر خوضها سياسياً.

وقد قامت مرحلة الوطنية السياسية على اعتماد الفكر والاقناع والمطالبة بالحقوق والاحتجاجات السلمية والنشر في الصحف. حيث تراوحت الدعوات بين القبول بالاندماج وضرورة التغيير الجذري وانتهاءً بالمطالبة بالاستقلال الكامل.

غير أن مرحلة النضال السياسي سرعان ماانتهت إلى طريق مسدود، بسبب ماقوبلت به من قبل المحتل، الذي رد على النضال السياسي السلمي بالاعتقالات واصدار المراسيم التي تزيد من حقوق الفرنسيين في أراضي الجزائريين وتحول السكان الأصليين إلى سكان من الدرجة الثانية.

وهكذا فقد أدركت أحزاب تلك المرحلة، ولاسيما حزب نجم الشمال الافريقي وحزب الشعب وحركة الانتصار للحريات، أن النضال السياسي لم يعد يجدي نفعاً وأنه استنفد مساره السياسي دون الوصول إلى النتائج التي رسمها في أدبياته، وناضل في سبيل تحقيقها.

الأمر الذي أدى إلى بروز اتجاه ثالث يطالب بعودة العمل المسلح كمنهج لا بديل عنه لمقاومة الاحتلال. وبذلك بدأت مرحلة الثورية الوطنية، وهي المرحلة الثالثة في المقاومة الممتدة بين 1954 ـ 1962، والتي أدركت فيها جميع الأحزاب والحركات السياسية أنه لا بديل عن المقاومة العسكرية.

أما الاتجاهات السياسية التي رافقت نضال الجزائر الطويل ضد الفرنسيين، وأثرت في حركة المقاومة فهي أربعة اتجاهات: الاتجاه الوطني والإسلامي والليبرالي والشيوعي. وقد واجهت جميع هذه الاتجاهات الاحتلال، كلٌ من منطلقه وقناعاته الفكرية والايديولوجيا.

وبالرغم من أن المعركة كانت واحدة بالنسبة للجميع، إلا أن ذلك لم يمنع تلك الاتجاهات من أن تصارع بعضها البعض، حيث كان هذا الصراع يحتدّ ويفتر بحسب رؤية أصحاب تلك الاتجاهات، ومواقعهم في التعارض مع المحتل، وطبيعة وعي كل اتجاه بفكره وفكر الآخر.

الليبراليين وحقوق الجزائريين

التيار الليبرالي، الذي يضم الفئات المثقفة والمتعلمة والتجار وأبناء الأسر الكبيرة والباشوات والآغوات، فقد كان يميل إلى الدفاع عن حقوق الجزائريين دفاعاً سليماً بواسطة البرلمانات والمنابرة الحداثية في فرنسا. وعلى العموم فإن مطالب هذه التيار كانت إصلاحية اجتماعية أكثر من كونها سياسية. غير أن هذا التيار تعرض لخسائر كبيرة بسبب عدم استجابة الفرنسيين لمطالبه، وعدم اقتناع الجزائريين بأسلوبهم في العمل السياسي.

المؤلف في سطور

الصادق بخوش، خريج جامعة الجزائر ـ قسم الفلسفة، مفكر وروائي وصحافي وكاتب سيناريو، له العديد من سيناريوهات الأفلام التاريخية منها: مصطفى بن بولعيد، فاطمة نسومر، ديدوش مراد. وهي مجموعة أفلام تتحدث عن الثورة الجزائرية وزعمائها وأبرز أعلام النضال الوطني الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي.

أما أهم رواية له فهي: حفنة سراب، التي تروي قصة حياة شاب جزائري التحق بصفوف القاعدة بأفغانستان. يضاف إلى ذلك له كتاب مخطوط بعنوان الاتجاهات السياسية الجزائرية في القرن العشرين، كما وضع برفقة أحد زملائه، ملخصين بالعربية والفرنسية عن التاريخ الجزائري العام، منذ ما قبل التاريخ والى اليوم.

الكتاب: الفكر السياسي لثورة التحرير الجزائرية مقاربة في دراسة الخلفية

المؤلف : الصادق بخوش

الناشر: غرناطة للنشر والتوزيع الجزائر 2009

الصفحات: 231 صفحة

القطع: المتوسط

د. رشيد الحاج صالح

طباعة Email
تعليقات

تعليقات