يقدم عقيل سعيد محفوض في كتابه «سورية وتركيا: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل» دراسة متكاملة حول راهن ومستقبل علاقات الدولتين، مع التركيز الخاص على الجانب السياسي والجيوسياسي، وتبيان عوامل التجاذب والتنافر التي تتحكم فيها عوامل ومتغيرات البيئة الداخلية والإقليمية والدولية.

ويستند المؤلف في دراسته للعلاقات السورية- التركية إلى مفهوم «العلاقة»، بوصفه مفهوماً ينطلق من مقولة أساسية معيارية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية، تفيد بأن العلاقة بين طرفين، دولتين أو غير ذلك، هي علاقة جدلية، يحكمها تصور يعتبرها مندرجة أو قابلة للاندراج في فعل عقلي واحد، له طبيعة محددة. وتركز اهتمام كل من سورية وتركيا، في الشؤون الإقليمية والدولية، على دائرتي نشاط رئيستين، هما بالنسبة إلى الأولى: المنطقة العربية، وما يرتبط بالصراع العربي مع إسرائيل، وإلى الثانية: دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ولم تكن علاقات الدولتين، على هذا الصعيد، مستقرة، الأمر الذي شكّل عاملاً إضافياً، خلال العقود الماضية، لهواجس سورية تجاه العلاقة التركية مع إسرائيل، وأيضاً هواجس تركيا تجاه تحديات التكوين والتركيب الداخلي ومقتضيات الأمن القومي التركي.

تاريخياً، أفرزت تداعيات الحرب العالمية الأولى اتفاقاً بين تركيا وفرنسا كدولة انتداب على سورية يقضي بترسيم الحدود التركية - السورية، نتج عنه سلخ تدريجي لأراضي ضمت الحزام الشمالي لسورية منذ ذلك الحين وحتى العام 1939. وبعد ذلك دخلت العلاقات السورية ؟

التركية- وحتى نهاية تسعينيات القرن العشرين- مرحلة من التوتر متفاوت الحدة، زادت فيها الهواجس والمخاوف المتبادلة، حيث اندمجت سورية تدريجياً في الإطار التحالفي والردعي المفروض على المنطقة في إطار نظام عالمي ثنائي القطبية، وأصبحت الحدود السورية - التركية واحدة من «حدود» الحرب الباردة. وتركزت نقاط الخلاف والتوتر الشديد بين الطرفين حول قضايا المياه، والأكراد، ومستقبل العراق، والعلاقات مع الولايات المتحدة، وإسرائيل، والسياسات الإقليمية...إلخ.

وجاء اتفاق أضنة الأمني عام 1998 ليشكل «نقطة تحول» رئيسية في مسار العلاقات بين سورية وتركيا، التي تحولت من ذروة التوتر إلى «نقطة التقارب» تدريجي، ثم متسارع، وصولاً إلى الدخول في «حوار استراتيجي» كان من نتائجه «تفكيك» عدد من عقد الحرب الباردة بينهما، وكذلك عقد وأزمات الحرب المائية والمسألة الكردية، ومن ثم الدخول في اتفاقات اقتصادية وإعلامية وثقافية وتعليمية وسياحية.

وقد تأسس التوتر في العلاقات بين سورية وتركيا على مسار طويل ومتراكم من السياسات العدائية التي تأسست بدورها على عدد كبير من عوامل التنافر، مثل الذاكرة التاريخية، والنزاع على الجغرافيا، والموارد المائية، والأكراد، والسياسة الإقليمية...إلخ. كما شكل موقع الدولتين مجالاً للتفاعل الحضاري والتنافس السياسي والعسكري، لأنه منح القوى التي سيطرت عليه أهمية ووزناً عالمياً خلال مراحل التاريخ المختلفة.

ويبدو أن إدراك الغرب لذلك جعله يساهم بقوة في استثمار عداوات كبيرة، وإقامة جدران من عدم الثقة. أما ملف الحدود فهو يتضمن مسألتين أساسيتين، تتمثل الأولى بالنزاع على الجغرافيا في ما يخص لواء إسكندرونة والأراضي الأخرى التي احتلتها تركيا، وضمتها إليها خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتتمثل الثانية في التداعيات السياسية والأمنية المفترضة لـ «نفاذيتها» و«هشاشتها».

وقد أفضى التقارب بين البلدين إلى تناول إيجابي للعلاقات ككل، وليس إلى حسم نهائي للمشكلات القائمة بينهما، الأمر الذي يعني أن الطرفين يمكن أن يقاربا الموضوع بمنظار التواصل والتفاعل الإيجابي، وليس الفصل والانقطاع. وينطبق ذلك على مشكلة الحدود، وعلى النزاع المائي بين سورية وتركيا، حيث بقي الأمر في الإطار دبلوماسي، مع الحرص على التفاهم.

وتنسحب أوجه التقارب على السياسة الإقليمية، إذ على الرغم من اختلاف وتعاكس الرؤى بصدد القضايا الأساسية للمنطقة، إلا أن ثمة أوجهاً تقاربية من قبيل تأكيد تركيا، وإن لم يكن ذلك بالقوة والوضوح الكافيين، أن علاقاتها بإسرائيل ليست على حساب العرب، وإعلانها بصورة شبه مستمرة، أن السلام بين سورية وإسرائيل يجب أن يتأسس على مبادئ الشرعية الدولية، وفي إطار إقليمي شامل. كما أن اهتمام تركيا بمسألة التسوية السياسية بين سورية وإسرائيل، ودخولها على خط الوساطة بين الطرفين، هي مؤشرات يمكن أن تطمئن السياسة السورية.

تحولات و دلالات

يحافظ ملف الحدود بين الدولتين على حال من «عدم التعيين»، ولكنه لم يشهد تحولات جوهرية سلبية أو عنفية مادية، بل إن ثمة تحولات نسبية تنطوي على دلالات يمكن اعتبارها عوامل تقارب في العلاقات البينية، ذلك أن الدولتين لا تريدان-عموماً- الذهاب بعيداً في توتير وتسخين الملف الحدودي بما يمكن أن يؤدي إلى نزاع عسكري أو حتى تحكيم دولي.

المؤلف في سطو

الدكتور عقيل سعيد محفوض، كاتب وأكاديمي، متخصص بالشأن التركي، سبق وأن أصدر كتاب «جدليات المجتمع والدولة في تركيا؛ المؤسسة العسكرية والسياسة العامة، 2008».

الكتاب: سورية وتركيا: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل

تأليف: د. عقيل سعيد محفوض

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009

الصفحات: 510 صفحات

القطع: الكبير

عمر كوش