ثمَّة عالم معنوي روحي مجرَّد يتشكَّل على الورق، وآخر مادي محسوس يتشكَّل على أرض الواقع، وتلك هي المفارقة التي ينطوي عليها فن المسرح. هذا ما يذهب إليه الناقد المسرحي السوري د. نديم معلا. فالمنجز ـ العرض ـ يتطلَّب مشاركة جماعية. التلقي الجمعي يحيله إلى ممارسة اجتماعية يأنس المتفرج بوجود شركاء له جالسين أمامه أو خلفه، على يمينه، أو يساره.

ولعل السبب يكمن في تقارب الذائقة، أو هكذا يفترض. وينبغي ألا يفهم من ذلك غياب الجانب المادي(الإنتاج المسرحي وما يتطلبه التمويل) وكيف أن التمويل لابدَّ أن يؤثر في طبيعة العرض. وقد يقود إلى نوع من الهيمنة السياسية أو الدعاوية. والمشاركة الجمعية النفسية والجسدية في آن معا. إلا أن د. نديم معلا يرى أن (النص) يجد سلطته الخاصة عربياً في اللاوعي وفي الوعي أحياناً، بسببٍ من ضعف الثقافة البصرية وتمجيد السمعي، ويذكِّرنا بالخلاف الذي جرى بين سعد الله ونوس وجواد الأسدي حول نص (الاغتصاب) لونوس، الذي تحوَّل سجالاً في الصحافة، وقد اعتبر الكاتب أن العرض ضربٌ من تقطيع أوصال النص وتقويض بنيته الأساس. في حين رأى المخرج أنه قرأ النص من زاوية مختلفة، وأن من حقه أن يفعل ذلك. وأظن أن السياسة المباشرة ـ الصراع العربي الإسرائيلي والموقف منه قد فعلت فعلها وأفضت إلى ما أفضت. على أن الباعث على الدفاع عن النص وعن ضرورة وجوده، والاعتراف به كياناً يستحيل إقصاؤه، ذلك الخوف من اعتبار المسرح مجرد عرض، وأن مسرحة المسرح لا تكتمل إلا بتهميش النص، ومن أولئك الفرنسية «آن أوبر سفيلد» التي رأت أن هذا الأخير موجود داخل العرض بشكله الصوتيِوَُم وأن وجوده مزدوج، فهو يسبق العرض ويصحبه فيما بعد.

ففي حالة العرض المسرحي (النص معروضاً) عليك أن تدرك أنك كمتفرِّج (هنا والآن) وتقتضي طبيعة هذا التحديد الصارم المتابعة والانتباه الذي لا يمكن الكف عنه. وبصرف النظر عن قدرة العرض على الاحتفاظ بالانتباه، إلا أن المتفرِّج كونه جزءاً من مجموعة يشاركها الحضور، يجد نفسه ملزماً ولو من قبيل التهذيب على البقاء في العرض. وهنا تبرز مشكلة الدرامي، الحفاظ على المتفرج (المتلقي) مشدوداً إليه، تلك المشكلة التي لا تبدو في مثل هذا التحدي السافر في الأجناس والأنواع الأدبية.

ثمَّ يأخذ د. نديم معلا مسرحية «خارج السرب» لمحمد الماغوط كنص ويرى أن الماغوط لايعبأ في مسرحيته بالتقسيم البنيوي للنص، أي بما اعتاد الكتَّاب المسرحيون عليه من فصول ومشاهد أو لوحات، بحيث يكشف الجزء الكل والكل الجزء، وتنظم الحبكة في مسارها التشويقي، أو العضوي، ناهيك عن الإضاءة التدريجية للشخصية وعلاقاتها.

وقد يكون السبب في أن الكاتب الذي لم يسبق له نشر مسرحياته باستثناء «المهرج» كما يظن المعلا ـ اعتاد أن يقدِّم النص مباشرة للعرض، هكذا فعل مع الفرقة التي كان يكتب لها والتي كان على رأسها دريد لحام، بل إنك لا تجد ما اصطلح على تسميته بالشخصيات، وهي تتصدَّر النص !

فالديكور هو الذي يبدأ به الماغوط مسرحيته! ومن ثم يأتي الممثلون. ويتحرك هؤلاء في النص بأسماء الشخصيات التي يجسدونها. لعله الطابع المسرحي وليس الدرامي هو الذي أراد الكاتب إضفاءه على النص، وكأنه يبعد عن نفسه شبهة الأدبي، ليدخل صميم اللعبة المسرحية، وهو الشاعر قبل أن يكون كاتباً درامياً.

ثم يرى د. نديم معلا أن الثقافة العربية ـ البصرية منها بخاصة ـ لم تعرف انحساراً وتراجعاً كذاك الذي يشهده راهن المسرح العربي، فالمسرح وهو الفن البصري والصورة فيه حية يضفيان على المكان حضوراً عبر مواجهة أحدهما الآخر فيزيائياً، غير أنه ـ المسرح ـ يعجز عن نقل الصورة الواقعية من حيث التفاصيل والمكان، بينما يمتلك التلفزيون إمكانات خرافية لتجاوز مشكلة الزمن والمكان التي يعانيها المسرح.

فمع تكاثر الفضائيات والأرضيات تكوَّن فراغٌ هائل من ساعات البث، يحتاج لكي يملأ، إلى مئات المواد سيما المسلسلات التي أصبحت تُعدُّ على عمل كوجبات سريعة كيفما اتفق والهدف: ملئ الفراغ، ليست المسلسلات شراً مطلقاً فهي لا تخلو من محاولات يلتقي فيها الجمالي المعرفي التاريخي الذي ينتج تأويلاً جديداً للماضي ويخترق الراهن، ممتداً فيه دون وعظ أو إنشاء يراكم الغبار على الغبار. أليس الهدف تقويم هذه المسلسلات لأنها تستدعي من حيث إعاقة المسرح وإفراغه مما تبقى من المتفرجين.

فالصورة المسرحية ـ برأي معلا يجب أن تتصدَّر فن المسرح، ويجب إبرازها لإزاحة الركام الانشائي ـ البلاغي ويجب إدخالها ولو تدريجياً لبناء الثقافي العربي عبر إعادة النظر بالجماليات، أو جماليات التلقي بخاصة، حتى ينفرد المسرح ويتفرَّد، ليس فقط عن التلفزيون باعتباره المنافس البصري، وإنما عن بقية الأجناس الفنية الأخرى.

وإذا تركنا التلفزيون كمعوق من معوقات استمرار المسرح جانباً، فلعل ثمَّة معوقاً آخر جدير بأن يناقش وهو الموضوع. ويبدو أن الموضوعات التي استهلكت المسرح العربي واستهلكها، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، والتي كان لها ما يبررها في الستينيات والسبعينيات، حيث السياسة خبز يومي في الوطن العربي، والهم الاجتماعي ملتحم بها ـ آن لها أن تتغيَّر إن لم تكن قد تغيَّرت فعلاً.

فالسياسة في المسرح العربي أو الاجتماعي لم تكن أقنعة سقطت كما يرى البعض، بل كانت وجوها حقيقية وواقعاً يصعب الإفلات منه، تماماً كما لم يستطع شكسبير الإفلات من مسرحياته التاريخية حيث السلطة والصراع عليها الموضوع المسيطر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى موليير الذي وجد نفسه وجهاً لوجه أمام الصعود الكاسح للبرجوازية. ولو أن المسرح العربي تجاهل الموضوعات السياسية والاجتماعية، لحكم على نفسه بالنفي أو العيش خارج الحياة.

إن موضوعات مثل التمرد والثورة والحكم بالتغير وإدانة القمع، والتطلع إلى الخلاص الجماعي والبحث عن العدالة لم يكن القفز فوقها ممكناً. وإذا كانت «البريختية» التي لم ينج من تأثيرها مسرحيٌ عربي ـ إلا ماندر ـ قد بسطت جناحها على التجربة المسرحية العربية، فلأنها الأكثر ملاءمة أو معقولية بجوانبها التعليمية والفردية.

الظواهر المسرحية العربية

لقد تحولت السياسة إلى نشيد جماعي يردِّده المسرحيون العرب من المحيط إلى الخليج، وطغى هذا النشيد على النسيج الفني بتوازنه، فكان في كثير من الأحيان خطاباً قوامه الإنشاء السياسي، الذي يقع في شرك السياسي دون أن يدرك أصحابه أن الثقافي(الجمالي) أعمق وأبلغ ديمومة وإن كان بطيء الإيقاع. لقد اجتاح المسرحيين العرب ضرب من المبالغة بدور المسرح في الحياة العربية، وبمكانته التي لا ينازعه عليها فن آخر، وكثر التنظير في أواخر الستينيات ومنتصف السبعينيات عن المسرح العربي.

وقرن بعضهم بينه وبين الهوية الثقافية العربية، وتنادى بعض الذين احترفوا التنظير إلى تأصيل المسرح، وإلى سيادة شكل محدَّد يكون مضاهياً للشكل الأوروبي الأرسطوطاليسي، ودأب آخرون على التنقيب عن الظواهر المسرحية العربية، في حين ظلوا أنفسهم أسرى الشكل الأرسطوطاليسي في ممارساتهم الكتابية، أو هكذا كانت العواصف تهبُّ من الجهات كلها، والندوات والمؤتمرات لاتنفك تشغل الجميع، كان وهم المسرح وليس المسرح هو المحرِّك وإلا ما تفسير هذه الحالة التي يعيشها المسرح العربي؟.

المؤلف في سطور

كاتب وناقد مسرحي وأستاذ جامعي سوري. صدر له: الجدران الأربعة 1980، الأدب المسرحي نشأته وتطوره 1986، مسرح فواز الساجر 1988، مقالات نقدية في المسرح 1991، قضايا مسرحية 1995، في المسرح 2000، لغة العرض المسرحي 2004.

وفي الترجمة الكوميديا الإنسانية لوليم سارويان، الفكرة الإخراجية لأوسكار ريمز 1986، بوريس جودونوف بوشكين 1994، الهوفمانية سيناريو اندريه تاركوفسكي 2003، الصورة سلافوميرو جيك 2006، شكسبير في السينما 2008.

الكتاب: وجوه واتجاهات في المسرح

الكاتب: د. نديم معلا

الناشر: اتحاد الكتاب العرب دمشق 2009

الصفحات: 200 صفحة

القطع: الكبيرة

أنور محمد