ينطلق الباحث وحيد عبد المجيد في كتابه الجديد «نهاية الليبرالية.. باراك أوباما وروح أميركا» في قراءة دلالات هذا التحول ومدى وفاء أوباما بوعود التغيير التي أوصلته إلى رئاسة أقوى دولة في العالم. يكشف المؤلف في مقدمته عن الدور الذي لعبه الرئيس روزفلت في تغيير الوجه المتسامح لليبرالية الأميركية عندما أكد أن الولايات المتحدة هي دولة متحضرة ويجب أن تتدخل لتصحيح الأخطاء والأخذ بيد الآخرين نحو التحضر ما كشف عن دوافع الهيمنة الأميركية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانحسار النفوذ الاستعماري الأوروبي في العالم.
وإذا كان عبد المجيد يحاول المقارنة بين الدور الذي يمكن أن يلعبه أوباما في إحداث هذا التغيير والدور الذي لعبه كل من فرانكلين وروزفلت فإنه يشير إلى جانب هام في المسألة يتعلق بالدور القيادي الخاص الذي يجب أن تقوم به تلك الشخصية وليس مرتبطا بنهج معين لأن أمريكا أحوج ما تكون إلى نهج جديد أكثر جدة حتى من العهد الذي اهتدى إليه روزفلت لاختلاف الزمان بينهما. يعتقد المؤلف أن معالجة الأزمة المالية لن ترقى إلى مستوى التجديد بالمعنى التاريخي إلا إذا اقترنت بإعادة تشكيل الأسس التي قام عليها النظام الرأسمالي اقتصاديا واجتماعيا. وفي قراءته لظاهرة أوباما يخلص إلى أنها ليست أكثر من النموذج المعدل لسياسة كلينتون. إذ بدا من خلال أسلوبه في اختيار كبار أعضاء إدارته ميله إلى يمين الوسط أكثر من يسار الوسط ما جعل خيبة المراهنين عليه تظهر باكرا حتى أن هذه الخيبة تجاوزت امتلاكه لرؤية واضحة للمستقبل إلى إحداث تغيير يستلهم التجارب الأكثر عمقا وثراء في التاريخ الأميركي.
يتناول وحيد عبد المجيد علاقة أميركا بالعالم من خلال العلاقة المفترضة بين القوة التي تمثلها والمكانة العالمية التي شهدت في أواخر حكم بوش الابن تراجعا واضحا وهو ما شكل حالة نادرة في التاريخ إذ إن القوة في العادة تنتج مقدارا مساويا أو متقاربا من المكانة والنفوذ والقدرة على التأثير. وقد ساهم عجز الإدارة السابقة عن وعودها في نشر الديمقراطية في دفع الأنظمة التسلطية على تقليص هامش الحرية المحدود أصلا لديها ثم يناقش ما جاء في تقرير المجلس القومي للاستخبارات الأميركية حول استمرار تراجع مكانة الولايات المتحدة في العالم حتى العام 2025 الذي سيشهد تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب بعد صعود قوى عالمية جديدة ناهضة. معتبرا أن تلك التوقعات لا تصح لأن تراجع نفوذ أية دولة يكون نهائيا إذا اقترن بافتقاد هذه الدولة لمقومات القوة الأمر الذي يجعل الانفصال النسبي بين النفوذ والقوة يمكن تداركه عندما يكون استرجاع النفوذ الذي تراجع ممكنا وتكون مقومات القوة مازالت متوافرة.
ويخلص إلى أن ما تحتاجه أميركا أمران على النخبة الأميركية الجديدة أن تدركهما وهما أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى تأكيد قوتها لأنها واضحة بما يكفي، والأمر الثاني أن سوء استخدام القوة وليس عدم إعطاء أولوية للجوء إليها هو الذي يغري أعداءها بتحديها.ولعل ما حدث في دول أميركا اللاتينية لهو خير دليل على عقم السياسات الأميركية السابقة.
ويفرد وحيد عبد المجيد للعلاقة الأميركية مع الشرق الأوسط فصلا خاصا يفتتحه بالإشارة إلى أن هذه المنطقة على الرغم من حاجتها الماسة للتغيير إلا أن نصيبها منه لن يكون كبيرا وأن ما يمكن أن ينالها منه قد لا يكون نحو الأفضل بالضرورة.
ولذلك فإنه يرى أن ثمة مبالغة كبيرة في التوقعات حدثت على مستوى قضية السلام في المنطقة وللتدليل على ذلك يعود لخطاب أوباما الانتخابي الذي يجد فيه ثلاثة اتجاهات لسياسته حيال قضايا المنطقة أولها وهو الأكثر إيجابية يتركز في أزمتي العراق والبرنامج النووي الإيراني أما الثاني فيبدو سلبيا ويتعلق بأزمة دار فور التي أبدى تعاطفا مع أحد طرفيها في حين يتمثل الاتجاه الثالث في محاولة إيجاد مسار لعملية السلام لكن الانقسام الفلسطيني كما يرى تلك القضية ليست في موقع الاهتمام من قبل تلك الإدارة.
تجديد أميركا
يعتقد وحيد عبد المجيد أن التجديد الذي تحتاجه أميركا والعالم لا يتوقف على أوباما وحده فهو يحتاج إلى توافر قادة على المستويين الفيدرالي والمحلي يدركون معنى التغيير المطلوب وضرورته باعتباره يمكن أن يجدد ثقة العالم بالدولة التي تتربع على قمة النظام العالمي في مواجهة التحديات.
المؤلف في سطور
د. وحيد عبد المجيد كاتب ومحلل سياسي مصري ونائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام؛ حاصل على دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية من جامعة القاهرة 1992؛ كما عمل مديراً لمكتب جريدة «الحياة» الدولية بالقاهرة؛ له عدة مؤلفات من أهمها «حروب أميركا بين بن لادن وصدام حسين»، و«الصراع العربي ـ الإسرائيلي في انتخابات الرئاسة الأميركية».
الكتاب: نهاية الليبرالية.. باراك أوباما وروح أميركا
تأليف: د. وحيد عبد المجيد
الناشر: هلا للنشر ـ القاهرة 2009
الصفحات: 160 صفحة
القطع: الصغير
مفيد نجم


