سيسيليا: الفن أرقى لغات التواصل الإنساني

رحلة نحاتة سويدية من أضواء الشهرة إلى عالم النحت

صورة

من المألوف في سيرة حياة الفنانين أن يبدأ أحدهم حياته مغمورا ومن قاع الفقر، ليرتقي بجهوده مع مضي السنوات إلى عالم الشهرة والأضواء. أما أن يبدأ أحدهم رحلة حياته بانسحابه من عالم الشهرة والأضواء في أوج نجاحه وتألقه، فتجربة نادرة تستحق تسليط الضوء عليها.

من هذه التجارب النادرة، رحلة حياة النحاتة السويدية كريستينا رود، التي بدأت كعارضة أزياء بعد فوزها بلقب ملكة جمال السويد عام 1978 حينما كانت في السادسة عشرة من عمرها، لتعيش بعدها في نيويورك في عالم النجوم والشهرة. والتي بدأت بعد زواجها من لاعب كرة التنس الفرنسي من أصل أفريقي يانيك نواه وإنجابها لطفلين، منعطفا جديدا في حياتها. كانت محطتها الأخيرة في دبي، عبر مشاركتها في معرض «آرت وبرونز» الذي أقيم في مركز دبي المالي العالمي في شهر نوفمبر من العام الماضي. وقد التقت «مسارات» بالفنانة سيسيليا للتعرف عن قرب على تجربتها الفنية والحياتية.

عالم الشهرة

قالت سيسيليا عن المرحلة الأولى من حياتها، «نشأت في عالم الأزياء في السويد إذ كان والدي مصورا محترفا للأزياء وفنانا.

وبدأت حياتي العملية حينما كنت في السادسة عشرة، بعد مشاركتي في مسابقة ملكة جمال العالم في المكسيك عام 1979، إثر فوزي بلقب ملكة جمال السويد عام 1978، حيث عشت بعدها في نيويورك بمفردي. لم تكن المشاركة في المسابقة أو العمل كعارضة أزياء هاجسا عندي»، وبعد لحظات صمت تابعت، «أدرك الآن، أنها كانت مغامرة كبيرة».

النحت اختارني

وصفت بعد ذلك تلك المرحلة قائلة، «كانت حياتي وزوجي ذات إيقاع سريع ولاهث، فحاولنا الانسحاب من عالم الأضواء والشهرة، وبدأنا نعيش حياة هادئة داخلية مستقرة. اختار هو الرسم، واخترت أنا الصلصال.

كنت أحاول التعبير من خلاله عن ألمي الداخلي، فقد كنت تائهة أعيش في عالم لا يستطيع فيه أحد رؤيتي من الداخل، «كنت أحاول التواصل مع نفسي من خلال الصلصال. لم أكن أعرف حينها كيف أعبر عما يعتمل في داخلي من انفعالات.

ولم أبدأ بتعلم مفردات لغة المشاعر إلا بعد قراءتي لكتاب «المحارب المسالم» لدان ميلر. كان هذا قبل 20 عاماً. كان الكتاب يتحدث عن قوة العقل والوعي، وعن وجودنا دائما في المكان الصحيح، لنتعلم درسا جديدا من الحياة».

باريس وسنوات الصمت

تحدثت بعد ذلك عن أهم منعطف في حياتها وقالت، «انتقلت بعد بضعة سنوات إلى باريس وكنت أما لطفلين. استغرقتني الأمومة بالكامل، وكنت من خلال عملي كمتدربة في استوديوهات النحاتين الفرنسيين في ضاحية بلفيل، أتعلم لغة التحاور والتواصل مع نفسي.

بدأت عملي من صناعة القهوة وشحذ الأدوات وإعدادها للفنانين إلى تكسير الحجر. ومع كل ضربة للإزميل في البرد والعزلة كنت أقف في مواجهة مع نفسي»، وتابعت، «كانت أسعد فترة من حياتي.

كنت مجرد إنسانة عادية بعيدا عن النجومية والأضواء وشبح الشهرة. لم تكن مرحلة الانتقال إلى حياة هي النقيض سهلة، لكني كنت بحاجة لأتعرف على نفسي واكتشف هويتي. وأمضيت عشر سنوات بين الأمومة والعمل مع الفنانين».

النحت اختارني

قالت عن سبب اختيارها للنحت، «كما قلت دخل النحت حياتي بعد زواجي. أذكر أن أول ما صنعته بعجينة الصلصال هو امرأة صغيرة معذبة. كنت أنا. شعرت أني أستطيع من خلال ملامستي للصلصال التعبير عما يعتمل في داخلي. تلك كانت البداية، أي أن النحت اختارني».

تبتسم وتتابع، «لم أكن أجرؤ خلال السنوات العشر على التفكير بأني فنانة، أو حتى عرض أعمالي على أحد. كما أدركت خلال هذه المرحلة، أن شغفي يكمن في توصيل رسالة إنسانية عبر النحت. وكنت خلال هذه السنوات أنتقل من التشخيص إلى التجريد عبر تعلم مفردات لغته».

حديقتي السرية

لدى سؤالها عن أول معرض شاركت فيه قالت، «دعاني مجموعة من الأصدقاء الفنانين للمشاركة في معرض «الباب المفتوح» الذي يقام سنويا في ساحة ضاحية بيلفيل. عرضت فيه بعد مضي عشر سنوات ثلاثة أعمال.

كنت خلال المعرض أحاول الاختباء، وأشعر بالخوف والرهبة من رؤية الآخرين لأعمالي. ولكن بعدما أبدى الناس إعجابهم بما قدمت، وما سمعته من كلمات تشجيع، بدأت أكتسب المزيد من الثقة بالنفس وبمصداقيتي كفنانة.

كانت بيلفيل بمثابة حديقتي السرية خلال تلك المرحلة. شاركت بعدها بمعرض «نجوم الفن» في باريس، وعرضت خمسة عشر عملا صغيرا، بجانب فنانين كبار مثل النحات أنطوني كوين وغيره. منحتني تلك المشاركة ثقة أكبر سيما وأن أعمالي قدمت بشكل حرفي مع طبع صورها في الكاتالوج». وأضافت، «بالتدريج ومع كل عمل، بدأت أفكاري تنضج وتتبلور في النحت والحياة».

الفنان والتكيف

«بين الواقع والمصادفة، تكمن دوما رسالة جديدة. والفنان المبدع يرى من خلالها مدخلا جديدا للتحول، فالفنان وسيط الإلهام. ومثال على ذلك التجربة التي مررت بها قبل سنوات. كنت قد أوصيت على قطعة كبيرة من رخام «ستاتواريا»، وهو من أجمل أنواع الرخام الأبيض في العالم، الذي كان المفضل لدى الفنان الإيطالي الراحل مايكل أنجلو»، قالت سيسيليا وتابعت، «خلال إنزال القطعة في مشغلي، وقعت وانكسرت إلى ثلاثة أجزاء.

حزنت وتألمت لعدم قدرتي تنفيذ المنحوتة التي خططت لها. وسرعان ما حولت هذه القطع إلى دوائر وركنتها في المشغل. بدأت العمل بعدها على مشروع آخر. ونظرا لجمال هذا النوع من الرخام، نقلتها بعد حين إلى منزلي ووضعتها على الأرضية الخشبية في ركن من الغرفة الواسعة. كنت كل يوم أتأمل انعكاس الضوء وتحولاته عليها. وسرعان ما أغرمت بها، وكم كنت أستمتع بالرنين الناتج عن نقري لها بأصابعي.

«وفي أحد الأيام، ولدى عودة ابني من المدرسة وكان عمره آنذاك 18 عاما، تحدثت معه عن جمال تلك القطع، فقال لي بعفوية، «أعرف لم تحبينها، لأنها تُذكرك بطفولتك في السويد، حينما كنت تغوصين في المياه وتتأملين الحصى، وتستمتعين بالأصوات الصادرة عن تدحرجها مع حركة المياه».

«ولدهشتي، كشف لي ابني عن سر شغفي بها الذي كان آنذاك مجهولا بالنسبة لي. وهكذا أدركت ما علي عمله بها. ورويدا، رويدا بدأت الفكرة تتبلور وتنضج في ذهني. وبدأت بالمشروع الذي أسميته «الوعد»، وأحضرت قطعا من مختلف أنواع الرخام لأشكل منها أحجاما مختلفة من البيض، الذي يرمز إلى هشاشة الحياة بقشرته الخارجية كالإنسان، وفي الوقت نفسه هو بذرة لتكوين حياة جديدة.

ثم اقترح علي أحدهم إنجاز 15 قطعة، لأن رقم 15 في علم الأرقام يعني تناول كافة الاحتمالات. وبعد عمل لمدة ثلاث سنوات أنجز المشروع، وقدم مع فيلم فيديو وموسيقى تتناسب والطرح».

فن الإصغاء

حكت سيسيليا بعد ذلك عن مشروعها «الإصغاء» الذي شاركت فيه في معرض «آرت وبرونز» في دبي وقالت: «إنه العرض الأول لمشروعي الذي يضم خمسة قطع مزدوجة. وقد استلهمت فكرته خلال زيارتي لمدينة واشنطن دي سي، حينما كنت جالسة في أحد المقاهي في حالة تأمل لم حولي.

حيث استرعى انتباهي بعد حين، صورة المرأة الشقراء الجالسة قبالتي، والتي كانت تحتضن طفلتها السمراء (نصف أفريقية مثل أبنائي). كانت الطفلة تهمس في أذن أمها شيئا ما، والأم في حالة من السعادة والسكينة والاستسلام لهمسات طفلتها. أسرتني تلك اللحظة الجميلة، وسرعان ما بدأت برسم اسكتشات على محارم الطاولة بلغة تجريدية.

وهكذا بدأت تنضج الفكرة في ذهني، ومن متابعتي لما يدور من حولنا في العالم أدركت أن الخوف يحجب عنا القدرة على الإصغاء والاستماع للآخر، وبالتالي محاولة فهمه والتواصل معه سواء على صعيد الفرد أو الدول». وتابعت، «استلهم مواضيع أعمالي من الرسالة الإنسانية التي كما ذكرت استمد منها دوري في الحياة».

آرت وبرونز

يعتبر المعرض الذي أقيم في مركز دبي المالي العالمي خلال الفترة من 22 نوفمبر إلى 25 ديسمبر 2009، من أهم المعارض العالمية، وهو بمثابة متحف لعرض مقتنيات من أعمال رواد الفن في العالم أمثال بابلو بيكاسو، وألبرتو جياكوميتي، وكونستانتين برانكوزي، إلى جانب نحاتين معاصرين منهم أنطوني كوين ابن الممثل الشهير وبياتريس جابيرغ. بلغ عدد الأعمال المعروضة 40 منحوتة. نظم المعرض من قبل مجموعة مجلات «موني ووركس» احتفاء بمرور 10 سنوات على تأسيسها، وبالتعاون مع إدارة المركز.

سيسيليا رود

في سطور

ولدت سيسيليا في السويد في 1 سبتمبر 1961

عاشت طفولته في قرية للصيادين

فازت بسابقة ملكة جمال السويد عام 1978

احتلت المرتبة الخامسة في ملكة جمال الكون عام 1979

عاشت في باريس مدة عشر سنوات درست خلالها الفن وتدربت على النحت في استوديوهات النحاتين

عادت إلى نيويورك عام 1998 لتستقر فيها

تنظم ورشات فنية للأطفال الذي تعرضوا لأزمات في حياتهم

عضوة في مجلس مؤسسة «البراءة في خطر» لمساعدة الأطفال

شاركت في العديد من المعارض الجماعية والفردية

آخر مشاركة لها في معرض «آرت وبرونز» في دبي عام 2009

آخر المطاف

في الختام وصفت سيسيليا انطباعها عن دبي قائلة، «لم أتخيل أبدا، أن يكون المكان المفضل عندي مبنى لمركز مالي. شعرت خلال تجولي في أرجاء مبنى مركز دبي المالي العالمي خلال أيام معرضي، وسيري بين الأقواس وتأمل حركة المياه والمنحوتات، بالهدوء والسكينة.

وعلى الرغم من ارتباطي العميق بالطبيعة، إلا أني أحسست في رحابه بالألفة مع نفسي والمحيط. تصميم هذا البناء يمنح الإنسان الشعور بالفخر والرقي والحماية».

رشا المالح

طباعة Email
تعليقات

تعليقات