بدلت أميركا اللاتينية والكاريبي مشهدها الموسيقي العام الذي كان سائداً في القرن العشرين بصورة ملحوظة، ذلك أن هذه القارة الساحرة هي بمثابة الأم التي حبلت بأنواع شتى من الموسيقى وعلى رأسها موسيقى التانغو في الأحياء الفقيرة من بوينيس أيريس، وموسيقى الـ «سامبا» بصفته الإيقاع الأصيل في البرازيل وموسيقى الـ «سون» في كوبا وموسيقى الـ «ريجاي» في جامايكا.

منذ أن غزا الأسبان أميركا، راحت العديد من المظاهر الثقافية الجديدة تتغلغل في القارة البكر، لكن تلك المظاهر تعرضت للقمع ومن بينها موسيقى الهنود الحمر ورقصاتهم، التي لاحقتهما المؤسسة الدينية الكاثوليكية والقادمة من وراء البحار، بينما راح الفرانسيسكانيون واليسوعيون يبشرون بتعاليمهم الدينية فارضين بالقوة قواعدهم الدينية على الأميركيين الأصليين وفتحوا المدارس التي راحوا يعلمون الأغاني المسيحية فيها. ومنذ بداية هذا الغزو التاريخي، راحت تطور عملية «أوربة» الموسيقى المحلية عن طريق تطعيمها بمكونات أوروبية وإفريقية، هذه الأخيرة جاءت جراء العناصر التي جلبتها معها موجات العبيد القادة من إفريقيا.

من عام 1900 إلى عام 1905، كان التانغو، المغنى بلهجة «لونفرادو» المحكية في منطقة ريو دي بلاتا الواقعة على الحدود بين الأرجنتين وأوروغواي، يسمع في الحانات والمواخير. وكان تانغو تلك الحقبة، العامي والبذيء، مرفوضاً من قبل الطبقات الأرجنتينية رفيعة المستوى التي راحت تكيل له شتى أنواع الشتائم.في عام 1010، ظهر في حيين من أحياء المرفأ وهما «ألمارغو» و«لا بوكا» أولى المجموعات الموسيقية الثلاثية (تريو) القائمة على البوق أو الناي والكمان والقيثارة أو المعزف، وفي وقت لاحق، انضم إليها عنصر آخر ليعطي هذه التشكيلات الموسيقية شكل التجمعات التي يطلق عليها «الجوقات الموسيقية الرباعية» (كوارتيتيرو)، التي جرت العادة على أن تؤدى في الحانات التي تسود فيها بيئة المرافئ.

من هناك انطلق التانغو في مسيرة طويلة وغنية حتى وصل إلى وسط بوينس أيريس ومونتيفيديو ومنهما إلى رحاب متفرقة من العالم. في عام 1905، يصل إيقاع أهل الميناء وسكان ريو دي بلاتا إلى أوروبا والولايات المتحدة، وفي عام 1912 وصل إلى العاصمة الفرنسية وعلى إيقاع «اثنان بأربعة» كان لموسيقى منطقة «كونا سور» ـ المخروط الجنوبي ـ هذه وقع كبير في ألمانيا في الوقت الذي راحت تنتشر فيه في بقية بلدان أميركا اللاتينية أيضاً. الكنيسة الكاثوليكية، التي تتمتع بتأثير أيديولوجي كبير في المنطقة، اعتبرت التانغو رقصة «فاسقة» يجب حظرها، لكن النصر الذي حققته في الخارج أفضى إلى استمالة بورجوازية الميناء التي تصالحت مع هذه الموسيقى ونسيت منشأها الشعبي والهامشي الوضيع من وجهة نظرها.

قبل أن تتحول إلى موسيقى كرنفالية وإلى أحد أكثر الإيقاعات شهرة في العالم، كانت السامبا البرازيلية رقصة خصبة غزيرة الإنتاج جذورها ضاربة في أنغولا الإفريقية. والعبيد الذين ألحقوا بالاقتصاد البرازيلي والذين فروا من المزارع ولجأوا إلى الغابات شكلوا حلقات وتجمعات تحولت فيها السامبا إلى رقصة دالة على الهوية.

حتى العقد الأول من القرن العشرين، ظل منشأ السامبا مجهولاً، لكن من المعروف أنها ولدت أصلاً من المخيلة الشعبية، بيد أنها راحت تتحول، مع ظهور المزيد من الملحنين المحترفين لهذا النوع من الموسيقى، إلى عمل فردي كما راحت كلماتها تبتعد عن الارتجال.

في البداية، رفضت البورجوازية الكاريوكية (ريو دي جانيرو)، المتشربة بالقيم الأوروبية، السامبا وإيقاعاتها الصاخبة. موقف مماثل اتخذته فئات اجتماعية مكونة من السمر سعت إلى كسب الاحترام، بينما كان لدى الشرطة أوامر بتصفية «الغوغاء السوداء» من الشوارع فراحت تقمعهم وتصادر قيثاراتهم. بالنسبة لتلك المجموعات التي تعرضت للتمييز والقمع، شكلت السامبا جزءاً من هويتها فجعلت منها «حرب عصابات ثقافية».

ومع قدوم الكرنفال تحول هذا الإيقاع إلى رمز ثقافي في ريو دي جانيرو، حيث انتهى به المطاف بقبول البيض من الطبقات المتوسطة والعليا به. منذ الحقبة الاستعمارية، ابتكرت كوبا موسيقاها الخاصة بفضل المساهمات الثقافية المتنوعة، رغم أن التأثيرات السمراء الاسبانية كانت الأهم من بينها جميعاً.

لكن هجرة فلاحي شرق الجزيرة باتجاه العاصمة هافانا ساعدت على اتساع رقعة انتشار موسيقى الـ «سون»، ذلك الإيقاع الذي نشأ في القرن التاسع عشر والذي كان مرفوضاً في البداية من قبل الطبقات المسيطرة في تلك المرحلة من عمر الجزيرة الكاريبية، فوجد نفسه مجبراً على اللجوء إلى أحياء السود في هافانا. في القرن العشرين راح الشعراء الغزليون والمطربون يقدمون موسيقاهم في المسارح ودور السينما، بينما أضفى القادمون من المحافظة الشرقية صبغة شعبية على موسيقى البوليرو والسون الفرحة والسفيهة في هافانا.

وفي نهاية العشرينات قامت شركات تسجيل الموسيقى في الولايات المتحدة بتوقيع عقود مع أهم فرق السون في كوبا وكذلك أهم فرق السامبا في البرازيل، حيث ساعد نجاح التسجيلات الأولى على صعود نجم ذلك الجنس الموسيقي في المجتمع لا سيما بعد أن طرح على بساط البحث مواضيع حساسة وحيوية مثل حق «المواطنة» في أكاديميات الرقص.

موسيقى الـ «ريغاي» وعلى خلاف الإيقاعات التي شاهدناها حتى الآن، ظهرت في عقد الستينات في جامايكا، لكن إيقاعاتها أصبحت أكثر بطأً في وقت لاحق مثلما تعاقبت أوقاتها الضعيفة في ظل سيطرة الطبقة الموسيقية السفلى أو النغمة العميقة.

ويعتبر بوب مارلي الممثل الأول لهذه الموسيقى وغالبية مغني الريغاي تقريباً يغنون على الطريقة الجامايكية ويطالبون باسترجاع الروابط الشعبية ويستنكرون الفقر والظلم والعنف في الأحياء المهمشة ويبشرون بما يسمى «أيديولوجية راساتا»، التي دخلت إلى جامايكا في بداية القرن العشرين.

كما تدعو هذه المدرسة الموسيقية إلى العودة إلى إثيوبيا، أرض الإنجيل ومهد الثقافات الإفريقية وكذلك إلى رفض قيم «الغرب المنحطة» وبصورة أكثر مشهدية إلى تبني ظاهرة الشعر الطويل واستهلاك الماريغوانا.

الطبقات المسيطرة في أميركا اللاتينية في الميدان الثقافي (في الموسيقى في هذه الحالة) كان لديها ولا يزال التزام مماثل لذلك الالتزام المتبنى في الميدان السياسي، إذ أنها مقيدة دائماً بالنماذج الغريبة عن واقع الشعوب مع نبرة تدل على احتقار الثقافة والعبقرية الشعبيتين.

وهي تلجأ في تنفيذ توجهاتها هذه إلى الرقابة والمنع والقمع. كافة الإيقاعات والأجناس الموسيقية في أميركا اللاتينية أنجبت شخصيات بارزة مثيرة للجدل. في عالم التانغو هناك كارلوس غارديل الذي يعد أسطورة لا تزال مؤثرة في شوارع بوينوس ايريس، والأمر نفسه يحدث مع بوب مارلي في جامايكا، فالاثنان ماتا ميتة مبكرة وكانا أرفع معبودين في موسيقاهما.

غارديل، الملقب بالزرزور، يشكل جزءاً رئيسياً من الثقافة الأرجنتينية وعلى الرغم من أن مكان ولادته لا يزال محط نقاش وجدل، إلا أن أهل الميناء لا ينسون قط أغنية «بيونس أيريس العزيزة». في كنغستون، الجامايكيون فخورون بأن رسولهم (كما يسمون بوب مارلي) لم يتوقف عن المطالبة بالسلم العالمي والمساواة الاجتماعية.

الكوبيون لديهم «غارديل» خاص بهم وهو المغني الكبير بيني موري المعروف بلقب «صاحب الإيقاع الرائع»، الذي توفي عام 1963، لكن عبارة «أخيراً سأغني في أرض بيني» مازالت تتردد على لسان كل مطرب أجنبي يصل إلى هافانا.

السون

في سطور

تعتبر موسيقى السون نهراً متدفقاً من الموسيقى ينبع في الجزيرة الكاريبية ويصب في غير مكان من العالم منذ العقد الثالث من القرن الماضي. والسون هي موسيقى تآلف بين الأنغام الإسبانية الأصل وإيقاعات الطبول القادمة من القارة السمراء عموماً ومن حضارة البانتو على وجه الخصوص، وفي وقت لاحق تصاهرت السون من أجناس موسيقية أخرى خارج بلادها في عملية إبداعية أنجبت للعالم نوعاً آخر جديداً من الموسيقى لا يقل أهمية عن السون نفسها وهي موسيقى السالسا.

التانغو في سطور

التانغو نوع موسيقي مصاحب لأنواع متنوعة من رقصة التانغو، انطلق الأرجنتين والأرغولي لينتشر فيما بعد في أنحاء متفرقة من العالم. نشأ التانغو في مقاطعات الطبقة الدنيا في خليط من عدة أشكال من الموسيقى الأوروبية. كتب خورخي لويس بورخيس في «لغة الأرجنتينيين»: «يعود التانغو إلى ريو دي لا بلاتا وهو ابن ميلونغا الأورغوية وحفيد رقصة هابانيرا».

يعود أصل كلمة تانغو في استخدامها للتعبير عن هذا النوع من الرقص إلى التسعينات من القرن التاسع عشر. في سبتمبر 2009 وإثر طلب تقدمت به الأرجنتين والأوروغواي، أعلنت منظمة اليونسكو رقصة التانغو جزءاً من «التراث الثقافي الإنساني غير المادي» في العالم. هناك العديد من أنماط رقصة التانغو تبعاً للمنطقة أو الفترة الزمنية التي تطور فيها النمط ومنها: تانغو أرجنتيني، تانغو شرقي، تانغو ليسو، تانغو صالون، تانغو أوريليرو، تانغو نويفو، عرض التانغو، تانغو فنلندي.

وترقص هذه الأنماط على أنواع من الموسيقى منها: تانغو، فالس، ميلونغا. الحركات المستخدمة في التانغو تظهر في العديد من النشاطات الرياضية مثل الجمباز، التزلج الفني على الجليد وغيرها.

باسل أبو حمدة