كان التمرد روح الشعر وكان الرفض رأسماله، فقد أبى الشاعر الألماني فريدريش هولديرلين (1770 ـ 1843) على نفسه الرضوخ إلى ما كانت تمليه عليه الأغلبية أيام عصره، صاماً بأذنيه إلى تشريعاتها وقوانينها، ومصغياً إلى صوت الشعر وحده وإلى إيحاءات الخلق الفني، لا غير.
ولكن من هو هولديرلين هذا الذي كان يسميه مارتين هايدغر «شاعر الشاعر». والذي خصه الفيلسوف الألماني بالعديد من دراساته وأبحاثه، ملخصاً مسيرته الإبداعية بهذه الكلمات: «حب المنفى الطواعي للعثور يوماً ما على مسكنٍ فيما هو خصوصي عند المرء، هذا هو القانون الأساسي للمصير الذي يتيح للشاعر تأليف قصة وطنه». ألتقى يوهان فريدريش هولديرلين في مطلع صباه باثنين من أهم رواد الفكر والأدب الألماني، غيورغ هيغل وجوزيف فون شيلينغ. وخلال سنوات دراسته بين العام 1788 و1793، كانت فرنسا قد شهدت الحدث التاريخي الأهم الذي غيَّر وجها السياسي، الحضاري والفكري، وهو الثورة الفرنسية، مجسداً بسقوط الباستيل في العام 1789.
ترك هذا الحدث الاستثنائي عند الجيران الفرنسيين أثراً كبيراً في نفوس الطلبة هيغل، شيلينغ وهولديرلين الذين قاموا بزرع شجرة على ضفاف نهر النيكار المار بتوبينغن، معبرين بذلك عما في داخلهم من توق للحرية ومن أمل بأن تهب رياح التغيير على بلدهم ذات يوم. وفي الحقيقة، لم يكن ليروي غليل الشاب هولديرلين ما كان قد تعلمه مع هيغل وشيلينغ من علوم اللاهوت، ولم يكن ليقنعه ما كان متداولا في عصره من رؤى ونظريات في الفلسفة والأدب والفن، وهو الذي كانت تربطه بالشعر علاقة حميمة، إذ كتب أولى قصائده وهو في الرابعة عشرة من العمر. فلا كلاسيكية غوته ولا رومانسية شيللر، ولا حتى ديالكتية رفيقه على مقاعد الدرس هيغل، كانت لترضيه، وهو المتطلع إلى تقديم طرح جمالي جديد في المشهد الثقافي الألماني عبر الخلق الفني، وتحديداً عبر المقولة الشعرية. عدم الرضا هذا والتعطش إلى إيجاد إبداعية حديثة، دفعا بمؤلف «هيبريون» بالرحيل عن وطنه بحثاً عن حقائق مبتكرة، بعد ما كان قد عمل، من حين إلى آخر، كمرب في دور العائلات البورجوازية في العديد من المدن الألمانية، كهامبورغ، فرانكفورت وشتوتغارت.
وها هو في العام 1801، يحمل حقيبته متوجهاً إلى جنوب فرنسا، للعمل عند عائلة القنصل الألماني في مدينة بوردو. وقبل سفره هذا، كان هولديرلين قد أطلق بهذه الكلمات التي تذكرنا إلى حدٍ ما بما كان يسعى إليه المشّاء رامبو من وراء رحلته إلى أرض اليمن: «بوسعي الآن إدراك حقيقة جديدة، ورؤية أفضل، وذلك بشكل كبير، عنَّا نحن وعما يحيط بنا».
وعلى عكس الشاعر الفرنسي الذي بقي سنين طوال في العاصمة اليمنية عدن، كانت إقامة هولديرلين في فرنسا قصيرة نوعاً ما، إذ عاد أدراجه إلى نورتينغن بعد علمه بموت المرأة التي كان قد شُغِف بها أيام عمله في شتوتغارت، زوزيت غونتار، والتي كان يسميها في كتاباته، ديوتيما، تيمناً بالكاهنة ديوتيما، التي علمت سقراط عن قدسية الحب في «وليمة» أفلاطون.
كان موت زوزيت صاعقاً لهولديرلين، الذي قرر الرجوع إلى بلاد الراين في العام 1802، قاطعاً، وهو في حالٍ يرث له، جزءاً كبيراً من رحلته مشياً على الأقدام. هذا الحدث الأليم، غيَّر مجرى حياة الشاعر، إذ انكفأ على نفسه حال وصوله إلى بلده ليعتزل أهله وأصدقاءه، وليجد في التكوين الشعري ملاذاً له بعد فقده ديوتيما، التي ظل يستحضرها في مؤلفاته كما يمكننا قراءة ذلك في هذه الأبيات من «موت أمبيدوكليس»:
وجهراً، نذرت قلبي
إلى الأرض العَليلة والمُعذبة
وفي الليل المقدس
غالباً ما وعَدُتها
بأن أحبها بإخلاصٍ
حتى الموت
دون خوف، مع عبء المصيبة المضني
ومن دون أن أهمل
أياً من أسرارها.
هكذا، قَيدت نفسي بها
بوثاقٍ فانٍ.
أن فريدريش هولديرلين، الذي أخذ البعض يرى فيه نصف مجنون لاعتزاله الناس ولتدلُهه بالشعر بعد غياب ديوتيما، كانت له طريقته في ازدراء أبناء ثقافته، وذلك عبر تجاهله للتيارات الأدبية والفكرية التي أخذت بالازدهار في ألمانيا مع ظهور الفلسفة الكانطية، حيث آثر الرجوع إلى الماضي للنهل من الإرث الفني عند اليونانيين القدامى.
وهذا ما دفع به للعكوف على ترجمة سوفوكليس، معيداً النقل إلى الألمانية باثنين من أشهر مسرحياته التراجيدية، «أنتيغون» و«أوديب».
لم يفهم الكثيرون من معاصري هولديرلين في تلك الآونة، ما كان يريده من إعادته لترجمة أعمال الشاعر الإغريقي، إذ اعتبر شيلينغ، كما كتبه يوماً في رسالة إلى هيغل، نوع من أنواع الجنون ما كان يقوم به صديقه في توبينغن.
لربما كان على هولديرلين، أن ينتظر القرن العشرين وأبحاث مارتين هايديغر، فالتير بنيامين وموريس بلانشو لإنصافه وللكشف عن قيمة ترجمته الجديدة لسوفوكليس. فهو ما كان يبغي يوماً ترجمة ظاهر النص اليوناني، بل باطنه وما هو خفيٌ بين السطور، جاهداً على الإيصال إلى النص الألماني بجموح وتصوف الروح الإغريقية، التي يبدو وكأنها ليست سوى النقيض لمنهجية وعقلانية الثقافة الجرمانية والغربية على حد السواء.
ففي رسالة بتاريخ 28 سبتمبر من العام 1803، خطها إلى صديقيه كازيمير بوليندورف، كتب الشاعر الألماني هذه الكلمات التي يبين فيها ما كان يصبو إليه من ترجمته لتراجيديا سوفوكليس: «أرغب التقديم إلى الجمهور بطريقة أكثر حيوية عما هو معتاد، الفن الإغريقي الذي هو غريب عنا بإجماع قومي مع الأخطاء التي قَبِل بها كيفما كان، وذلك من خلال الإظهار، وبشكل أفضل، للعنصر الشرقي الذي لم يعترف به، وبتقويم الأخطاء الجمالية أينما وجدت».
بالإضافة إلى وضعه اليد على ما هو شرقي في الحضارة اليونانية القديمة عبر تقديمه إلى الثقافة الألمانية، وبحُلة «مشرقنة». بمسرحيات سوفوكليس، مضى هولديرلين إلى ترجمة واحد من كبار الشعراء الإغريق، بيندار، حيث عثر في أناشيد هذا الأخير على أسلوب الاقتضاب، وعلى الميول الرؤيوي والقدسية الكامنة في الغنائية الشعرية.
وقد تُحيلنا مراجعتنا للجذر الإيتمولوجي لكلمة «شعر»، «هَُِّّوكى» بالألماني، القادمة من اللاتينية من كلمة «مْفُّكى» التي تعني عند الآباء الكنسيين «المصدر الإلهي للكتابة». إلى فهم سر اهتمام هولديرلين بكتابات الشعراء الوجدانيين من أمثال بيندار، الذي نجد في قصائده ربطاً وثيقاً مابين عالم التكوين الشعري وعالم المقدس.
ففضلاً عن كونه تعبيراً عن فيضانات الداخل الحسيّة، كان يرى هولديرلين في الشعر الغنائي، السبيل لإدراك الأسرار السماوية ولاكتشاف ما هو فوق دنيوي. فكما كانت الغنائية عند اليونانيين القدامى، إنصاتاً لكلام الآلهة وترجمته فيما بعد عبر قصائد إلى العامة، كان الشعر بالنسبة لهولديرلين ارتقاءً لروح الشاعر الهائمة بالمطلق من أجل التقاط الحقائق العُلوية، ومن ثم كتابتها في جُملٍ شعرية وتمريرها إلى سائر الخلق.
خلال إقامة هولديرلين عند عائلة النجار إرنيست تزيمير، توقف الشاعر الألماني عن الكتابة، ليصنع من باقي أيام عمره، قصيدة حية تحكي قصة رجل طلّق الدنيا ومن عليها، مفضّلاً العيش على هوى الشعر وحسب أصوله وأحكامه.
وبالرغم من أن هولديرلين لم يكن غزيراً في نتاجه الأدبي، إلا أن صوته الشعري الصافي يُعد مؤسِساً للشعر الحديث في أوروبا. فكما كانت بضع قصائد سوداء لبودلير كافية لقلب معايير الشعر الفرنسي المعاصر، كانت حفنة أناشيد سرق بها هولديرلين من أفواه الآلهة، كفيلة بأن تكون مصدر وحي للعديد من التجارب الشعرية الاستثنائية في الثقافة الغربية، كتجربة بيير جان جوف أو بول تسيلان.
الهيام بالشعر
كالناسك الذي قرر الابتعاد عن الناس سعياً منه للوصول إلى ما تسميه المتصوفة ب«الزواج الألهي»، انقطع هولديرلين بمحض إرادته عن العالم الخارجي، ليمضي أكثر من ثلاثين عاماً في منزل النجار إرنيست تزيمير، حيث انتهى به الأمر إلى الهيام بالشعر وإلى ما نسميه جزافاً ب«الزواج الشعري».
القلب الصافي
رغم أن يوهان فريدريش هولديرلين كان مقلا في الكتابة، إلا أنه كان لإنتاجه الشعري الصدى الكبير ومنها هذه الأبيات:
ينبغي علينا
أيها الشعراء
أن نبقى مكشوفي الرأس
و أن نُقدم الهبة العُلوية إلى الناس
لأننا الوحيدين
الذين لنا قلباً صافياً
وأيادي بريئة كالأطفال
أندلس الشيخ


