يقودنا الحبل من خلال تنوع أسمائه إلى عالم المغامرة الكبرى بالنسبة لإنسان اليوم، العالم التوربيدي «النفاث»، حيث يتصور مغامر اليوم أنه مشدود إلى نقطة هي نقطة بدايته، وأخرى يوغَل بها في العمق المائي أو الفضائي.

يتطلب الحبل تفكيراً مميَّزاً بسوية نضج عالية، ليكون على بيّنة من أمره! ليس لأن الحبل مجهول النسب من جهة الصنع وتعددية أغراضه، وإنما لأن ما يدخل في بنيته، يبقيه في الحد الفاصل والملتهب بين الشيء ونقيضه!

بقدر ما يخرجنا الحبل من قوقعتنا صوب العالم الواسع الأرجاء، وهو يمدنا بعزيمة، لحظة الاعتماد عليه، من خلال صلابته وسماكته بقدر ما يكون مضفوراً، حيث من الصعب تخيل الأجسام الضخمة دونه، بقدر ما يتهددنا أو يصطحب معه جملة من المشاهد التي تنال من شكيمتنا، فهو رهين المغامرة، إذ يكون الموزَّع بين اليدين اللتين تشدانه في تركيب جسم ما، والرقبة المحصورة به، ليكون وهقاً هنا، أو أداة عقاب، وهو مسد هنا بدوره.

يكون الحبل فيما يسنَد إليه قيمة منقسمة على نفسها، إذ يتبدى توأم الحياة والموت من خلاله!ولأن الحبل ممثَّل جلي بأداء أدوار مركَّبة، لهذا يبرز أكثر العناصر: المواد المصنَّعة قدرة في تجسيد الثنائيات، في فعلي السلب والإيجاب، بالنسبة لعلاقته بعموم أعضاء الجسم (أعني اليدين والقدمين بالمقابل، ثم الوسط والبرزخ الفاصل بين الرأس والكتفين).

لكن علينا ألا نحمّله ما ليس فيه، شأنه في ذلك شأن سواه مما تم صنعه، إذ إن عالم اليوم يذخر بالحبل أنواعاً وأشكالاً (من الحبل النباتي، إلى الليفي الصناعي إلى المعدني «الكبل» والمرادف للحبل عربياً)، لا بل يكاد يفصح من خلال تنوعه عن مدى المنجز في عالم التقانة، فما يشد مكونات جسم مصنَّع إلى بعضها بعضاً، يتراءى حبلياً.

وما يثبت ضخامة جسم ما إلى الأرض، ما يطمئن الناظر، هو مدى تمتع الحبل بالقوة والمتانة وتحمل الضغط ومواجهة كل الاحتمالات الممكنة وفي ظروف مدروسة ميدانياً ومخبرياً(لنتذكر علاقة الحبل بالجسر الضخم أو العملاق، لنتذكر عمل المصاعد، أو الروافع ذات الصلة بالبناء، والسفن: المدن العائمة في البحار، والمصاعد الأفقية «التلفريكات»، وحتى بالنسبة لمتسلقي الجبال أو القمم الشاهقة...الخ).

يقودنا الحبل من خلال تنوع أسمائه إلى عالم المغامرة الكبرى بالنسبة لإنسان اليوم، العالم التوربيدي «النفاث».

حيث يتصور مغامر اليوم أنه مشدود إلى نقطة هي نقطة بدايته، وأخرى يوغَل بها في العمق المائي أو الفضائي، لخلق رقعة جغرافية مفتوحة وغير محددة، لتكون الجغرافيا كاملة محط نظر فاعل التاريخ وفي ذمته، ليكون التاريخ ذاته مدوَّناً تحت ظلال الحبل، كما لو أن البحث في التاريخ وفي المهاد الجغرافي، يتناسب من حيث القيمة الأخلاقية وجماليات المكتشَف، وطبيعة الثقافة القائمة وتنوع روافدها.

وإذ يستجيب الحبل للرغبات المختلفة في ذات المرء عموماً، فإن الممكن قوله، هو جانب الرمز فيه.

وفي وسع الحبل، بما أنه استقطابي للرغبات والقيم وكاشف لبنيته، أن يكون فاعلاً في رسم حدود المرء وسواه، أن يقطر وراءه مجتمعاً بكامله، إنما من خلال اعتباره كينونة مصير واحدة، ليس بمعنى النسخ، وإنما الاشتراك المصيري إزاء التحديات، أن يكون وهَّاب أمان، عندما تعلو القيمة الإنسانية ما ليس في مقدور المرء زعزعته، ومن أجله، لحظة تذكرنا لمفهوم (التمسك بالحبل الإلهي).

إنه تمثيل لافت من ناحية الحمولة الوجدانية، للمعنى الأخلاقي الكوني المقابل لمفهوم (التمحور حول برج بابل)، فالصعود في الأخير كان يميل بالصاعد نحو التنافر كونه هبوطاً بالقيمة الواحدة لأصل الإنسان، كان هبوطاً به نحو التذرير، بينما في الأول، فعلى الأقل رغبة قابلة للتصعيد بحقيقتها، ببعدها المثالي على أكثر من صعيد، كون الحبل المذكور هنا، «مصنَّع» إلهياً.

وأن المتمسكين به يسعون إلى تجاوز العناصر التي تغريهم بالتفنن في ابتداع الحبل الذي يبقيهم في الأسفل، أي في السعي الحثيث إلى عمليات فصلية، يفقد الجسد فيها وحدته، ولا يبقى حتى بالنسبة للحبل الذي يستحق المدح وتبيان مآثر الفعل الإنساني، وقدرته الملحوظة في طرق المجاهل وتطويعها له، لا يبقى ما يشجّع على البقاء والشعور بتلك الطمأنينة وهي تضمن راحة أوفر ونوماً محرَّراً من وطأة الكوابيس والحبال التي تكبله داخلاً وخارجاً.

ربما أمكننا هنا تذكر قانون ردعي طواعية: حبليّ المفهوم، من خلال المران، لا يفتقد عنصر ترهيب لمن يستميله هوى «برج بابل»، وعنصر ترغيب يفضي بالمرء نحو الأرحب في عالم أقل احتواء بالعنف، إنه القانون الذي يجري الالتفاف حوله والمناداة به مذ وجدت البشرية، وكان التفلسف بعضاً من أثرياته.

وكذلك جملة الفنون والمعارف، ولكن يظهر أن لعبة الثنائيات الحبلية تتقاسمنا من خلال طبيعتنا، والمهم هو كيفية تفهّم الطبيعة هذه، لتبقى لعبة شد الحبل تمريناً للجسم وإعلاء من شأن قواه الكامنة، وليس تفكيراً في ظفر يبقينا في إطار برج بابل!

ابراهيم محمود