»قوى الظل» هو عنوان كتاب عن «نظرية المؤامرة» التي سادت وانتشرت أخيرا على نطاق واسع في العالم. وهو يضم أشهر النصوص الخاصة بهذه النظرية حيث قام باختيارها وتقديمها والتعليق عليها ايمانويل كريس والكتاب يصدر عن المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أي المؤسسة العلمية المعروفة بجديتها ورصانتها.

الملاحظة الأولى التي يتم التأكيد عليها هو أنه في هذه الفترة المأزومة السائدة في العالم تجد نظريات المؤامرة والقوى الخفيّة التي تسيٍّر أمور العالم تربة خصبة للانتشار والازدهار.

ولم يكن النجاح الكبير الذي لقيه كتاب «دافنشي كود» لمؤلفه دان ران غريبا عن مثل هذه الأجواء، وكذلك الأمر بالنسبة للأعمال الروائية أو الوصفية الخاصة بعالم الشبكات السريّة، بل وأيضا بالنسبة لسلاسل من الصور المتحركة التي «تروي» حكايات من عالم الأسرار والقوى الخفيّة.

إن نظرية المؤامرة تعود بقوة بين الفترة الأخرى، وفي هذا الكتاب يجد القارئ للمرة الأولى النصوص الأساسية الخاصة بهذه النظرية، كما تبدّت في الحقب التاريخية المختلفة. وقد جرى جمع النصوص تبعا للحقب التاريخية كالتالي: منذ «المؤامرة اليسوعية حتى الثورة الفرنسية» كحقبة أولى ثم «القرن التاسع عشر وتعود نظريات المؤامرة: من مناهضة الماسونية إلى مناهضة السامية».

بالنسبة للحقبة الثانية، وحقبة ثالثة وتخص «فترة نهايات القرن التاسع عشر- والعصر الذهبي لنزعة المؤامرة» وأخيرا الحقبة الرابعة: «فترة ما بين الحربين العالميتين- ومرحلة حكومة فيشي وما بعد الحرب».

وفكرة المؤامرة، كما تقدمها النصوص المنشورة، تذهب في شتى الاتجاهات. إذ يمكن أن تكون موجهة ضد الكنيسة ولكن يمكن أن تكون صادرة أيضا عن الكنيسة ويمكنها أن تكون ماسونية أو يهودية أو شيوعية أو قد تعود أصولها إلى «200 عائلة» تتحكم في العالم وتوجه مساره.

وفي كل الحالات يتم تقديم نظرية المؤامرة، على اختلاف هويات ومشارب الذين يصوغونها أو يقفون وراءها، على أنها «قوى ظل» تمسك بيدها مصير العالم وتوجهه غالبا عن طريق عملائها «في الداخل والخارج». وتلعب «نظرية المؤامرة»، كما يتم تقديمها، على عاملي الخوف والإثارة.

ويشرح المؤلف أنه في كثير من الأحيان تقترب هذه النظرية من «الأسطورة». لكنها أسطورة تجد من يعتبرها كحقيقة واقعة. وهكذا تتم إعادة الأزمات الاقتصادية أو إفلاس المصارف والبنوك إلى مخططات «سرية» قام بها «السادة السريّون للعالم».

ومثل هذا التفسير يلغي تماما من حسابه كل العوامل الموضوعية لنشوب الأزمات كي يعيدها إلى «جناة متخفين» وشبكات مجهولة ولمنطق محدد هو أن الغاية تبرر الوسيلة.والسؤال المطروح هو: كيف استطاعت نظريات المؤامرة أن تصمد عبر المسيرة التاريخية الطويلة، بل وأن تظل تحظى باستمرار بشعبية كبيرة؟

ولماذا لا يزال من يرى في الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 مجرد «مؤامرة ماسونية»؟ما يتم التأكيد عليه هو أنه من التوهم الاعتقاد أن الأمر يتعلق بظاهرة جديدة وبأنها تعبير عن «هلوسات معاصرة».

وفرنسا كانت دائما أرضا تزدهر فيها «نظريات المؤامرة». والنصوص التي يحتويها هذا الكتاب، التي يبتعد البعض منها عن العقل والمنطق تبيّن مثل هذه الحقيقة. ويظهر بوضوح مدى ما لاقته من أصداء نظرية مؤامرة مفادها أن «قوة خفية» أرسلت مجموعة من التعليمات لمجموعة اليسوعيين ذات النفوذ الكبير. كانت هناك حاجة من أجل الاعتقاد بتفسيرات «خفيّة هي الأخرى» للتاريخ.

لكن النظريات التآمرية ازدهرت أيضا مع الثورة الفرنسية. وقد جرى اتهام الملك بالمضاربة على الحبوب من أجل إثارة المجاعة. وازدهرت منذ عام 1789 «التفسيرات الغريبة». وليس أقلها القول بوجود «يد أجنبية» حرّكت الفرنسيين، «يد» انكليزية أو نمساوية.

كما يبدو في النص المنشور لـ «لويس انطوان سان جوست» بينما يحدد نص «شارل لويس دوغا سيكور» أن «فرسان الهيكل هم في أصل الثورة الفرنسية»، ويؤكد نص «اوغستين دو بارويل» أن «المحافل الماسونية لعبت دورا حاسما في الثورة».

إن الكنيسة الكاثوليكية شجّعت طيلة القرن التاسع عشر رسم «صورة شيطانية» للماسونية. بل وصل الأمر بالعكس ل»دوسيغور»، كما نقرأ، إلى القول أنه كانت وراء المحافل الماسونية محافل أخرى «كاربونارية» كانت قد قررت تهديم الكاثوليكية. ثم استجدت بعد ذلك نظرية المؤامرة «اليهودية-الماسونية» باعتبار أن اليهود والماسونيين هم سادة العالم.

ومن بين النصوص التي تتم الإشارة إليها في عدة نصوص بهذا الكتاب «بروتوكول حكماء صهيون»، الذي يتم وصفه أنه «نصّ مزور» أعدّته «شرطة القيصر» وقام هنري فورد بتوزيعه في الولايات المتحدة.

وما يتم الانتهاء إليه هو القول أن كل «التهويمات» التي تحتوي عليها «نظريات المؤامرة» تتم ترجمتها إلى نجاحات تجارية، وهذا هو الهمّ الأول للذين يروجونها.

بعيدا عن العقل

يتم التأكيد بالنسبة لمفهوم نظرية المؤامرة نفسها أنه يقوم على خلفية رؤية «غير عقلانية» للمجتمع بحيث تتم إعادة جمع الأحداث إلى مصدر رئيسي وحيد يُدير كل شيء على أساس التآمر، بمعنى آخر تعتمد على منظومة للتفسير الكلّي والشامل للتاريخ الذي تحركه مجموعة قوى خفية، «قوى الظل»، كما جاء في عنوان هذا الكتاب.

المؤلف في سطور

يحمل ايمانويل كريس، محرر هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه من كلية الدراسات العليا في باريس. وهو أخصائي بالمسائل المتعلقة بمقولة «المؤامرة اليهودية-الماسونية»، ومن هنا قام بتحرير هذا الكتاب.

الكتاب: قوى الظل

تأليف: ايمانويل كريس

الناشر: المركز القومي للبحث العلمي باريس 2009

الصفحات: 309 صفحة

القطع : المتوسط

Les pussances de l'ombre

Emmanuel Kreis

CNR S - Paris 2009

P.309