إن المؤلف يقدّم في البداية الكثير من الوقائع التي تدل على أن الصورة التي يرسمها الأميركيون لبلادهم تعتمد على مفهوم راسخ في عقول الأغلبية منهم، ومفاده أن بلادهم هي من «طبيعة سامية ومتسامية» من حيث ما تعبّر عنه من مناقب الحرية والشجاعة والديمقراطية، وأنه من وظيفتها تعليم العالم دون أن تتعلّم هي منه أي شيء.
مثل هذه الصورة لا تصمد أمام امتحان الواقع، وخاصة بعد الصورة المتردية التي تركتها فترتان رئاسيتان أمضاهما جورج دبليو بوش في البيت الأبيض خلال سنوات 2000-2008.
ويضع المؤلف أميركا في موقف طليعي متقدم لأوروبا وكجزء قد لا يكون هو الأكثر تقدما باستمرار «من حضارة تتقدم وهي ذات طبيعة لبرالية رأسمالية أطلسية. لكنه يؤكد بنفس الوقت أن التاريخ الأميركي عرف الكثير من الانكفاء ومن أشكال صراع الطبقات والخلل في عمل المؤسسات بل يذهب المؤلف إلى حد القول أن النجاح الكبير الذي حققته الولايات المتحدة منذ إعلان استقلالها.
بحيث فرضت مكانتها المتفرّدة في العالم إنما يعود، أي النجاح، لعوامل تتعلق بـ «الصدفة التاريخية والجغرافية» أكثر مما يعود إلى «العبقرية الإيديولوجية» التي يتحلّى فيها الأميركيون كثمرة لمكانتهم «الاستثنائية».
ولا يتردد المؤلف في القول إن الأميركيين يبالغون فيما يمكن اعتباره «أنانيتهم الوطنية» بحيث يرسمون لبلادهم دورا يبعدها عن بقية بلدان العالم. وهذا يقوم، كما يشرح، على قاعدة قراءة خاطئة لتجربتهم الوطنية نفسها.
وهذه القراءة الخاطئة تجعل رؤيتهم لأنفسهم ولعلاقتهم مع العالم «الصغير» غير واضحة. باختصار يرى المؤلف أن مقولة «الاستثناء الأميركي» وإيمان الأميركيين عامة بها «تعيق صياغة رؤية واضحة للأمة ـ الأميركية ـ وللعالم».
ثم من شأن الاعتقاد بالاستثناء الأميركي أن يجعل من الصعب أكثر فأكثر شرح واقع أشكال الخلل وحدّة التباينات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الأميركي. ثم كيف يمكن التوفيق بين مهمة نشر الحرية والديمقراطية في العالم ووجود عشرات الملايين من الأميركيين الذين يفتقرون إلى أي ضمان صحي.
ويتم التعرّض في هذا السياق إلى فشل مجمل سياسات محاربة الفقر وأيضا سياسات تعميم الضمان الصحي على جميع الأميركيين.
وفي نفس النهج من التحليل يصل المؤلف إلى القول إن فكرة توصيف الولايات المتحدة كمكلّفة بمهمة «تعميم مناقبها الفريدة» من الديمقراطية والرأسمالية على بقية بلدان العالم، وإنما هي «فكرة خطيرة بالنسبة للأميركيين وبالنسبة لبقية العالم».
وفي الوقت الذي يكرر فيه هودغسون بأشكال مختلفة أنه صديق للولايات المتحدة، بل وصديق قديم ومخلص، فإنه لا يتردد في تنبيه الأميركيين إلى ضرورة التخلص من «حالة العمى» التي يعانون منها فيما يتعلق بقراءة تاريخهم الذي أدت قراءتهم «المتحيّزة» له إلى نوع من النزعة الوطنية القائمة على «الاكتفاء الذاتي».
ويحدد القول إن «الخطر» المحيق حلّ بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 التي كشفت عن «القيم الحقيقية» التي يؤمن فيها الرئيس السابق بوش.
ويعيد التذكير أن إدارته اعتبرت تلك التفجيرات ك«مبرر لاتخاذ إجراءات استثنائية قصوى» خاصة في «شن الهجوم على العراق»، الأمر الذي كان بوش قد أرد القيام فيه سرّا «منذ الأيام الأولى لإدارته»، كما يؤكّد المؤلف.
وهو يعود إلى قراءة التاريخ الأميركي منذ بداياته، منذ فترة التأسيس وأفكار «الآباء المؤسسين» ليبيّن الآليات التي ترسخت فيها فكرة «المكانة الفريدة» لأميركا في ذهن أبنائها. وينقل عن «قوم بين» قوله: «إن قضية أميركا هي إلى حد كبير قضية العالم كله».
وبالتالي إن بواعث أميركا حيال العالم وفي العالم لا تتأسس على قاعدة المصالح والمكاسب والطموحات الملازمة لتوجهات مختلف الأمم، وإنما بالأحرى تكمن بواعثها في السهر على تطبيق المبدأ الذي أعلنه ابراهام لنكولن ومفاده: «حكم الشعب من قبل الشعب وكي لا يختفي الشعب من الأرض». بهذا المعنى يرى المؤلف أن هناك «نزعة تبشيرية» موجودة في صلب مقولة «الاستثناء الأميركي» ودورها في العالم.
ويعترف المؤلف أن الولايات المتحدة غدت «دولة كبرى وحيدة» ولكنها «غير مكتملة» بل هي «بلاد بين بلدان أخرى» ونقرأ: «إن من يشكّل أساسا مجموعة متكاملة من المعتقدات التحررية أصابه الخلل خلال السنوات الثلاثين الأخيرة بسبب توجه غدا خطيرا بالنسبة للسياسة الوطنية ـ الداخلية ـ وبالنسبة للنظام الدولي».
وفي المحصّلة يشكل هذا الكتاب عملية تفحّص دقيق لما يسميه المؤلف بالرواية الأميركية «المشوهة والانتقائية للفضائل الاستثنائية التي تتمتع بها الولايات المتحدة. ومفهوم «الاستثنائية» هذا لا يتفق برأيه مع واقع أن «الآباء المؤسسين» لأميركا هم من «الأبناء الفكريين» لعصر التنوير الأوروبي. وحيث كان «القرن التاسع عشر الأميركي والقرن التاسع عشر الأوروبي ينتميان إلى نفس الحضارة الرأسمالية الليبرالية».
ومع تأكيد غودفري هودغسون أنه كان دائما «على انسجام مع إيقاع الحياة الأميركية وسماتها» فأنه لا يتردد في القول بهذا الكتاب: «إن ممارسة الديمقراطية الأميركية هي على صعيد الداخل كما على صعيد الخارج خطر قاتل.
سياسة مأساوية
يركز المؤلف في تحليلاته أيضا على مجال آخر يرى أن على الأميركيين، اليوم قبل الغد، الشروع بإعادة النظر فيه وهو مجال السياسة الخارجية، وهو لا يتردد في توصيف السياسة الخارجية الأميركية خلال إدارة جورج دبليو بوش، أنها كانت «مأساوية».
المؤلف في سطور
غودفري هودغسون، مؤلف هذا الكتاب، هو صحفي وكاتب افتتاحيات بريطاني في مجلة التايم وفي صحيفة انترناشيونال هيرالد تريبيون، وهو عضو في معهد روزمير الأميركي، بجامعة اوكسفورد.
الكتاب: أسطورة الاستثناء الأميركي
تأليف: غودفري هودغسون
الناشر: جامعة يال 2009
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
The myth of american exceptionalism
Yale University Press
Godfrey Hodgson 2009
P.240
