تحظى سنوات السبعينات من القرن الماضي (العشرين)، باهتمام العديد من الكتّاب البريطانيين، ذلك أنه كان يتم النظر إلى تلك الفترة من الزمن كعنوان للكساد هذا إذا لم تكن ك«مصدر للخجل». الصحفي والكاتب البريطاني كرّس كتابا لهذه الفترة تحت عنوان: «أيام غريبة في الواقع».

تجدر الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب يعتمد أحيانا على سرد بعض الأحداث التي خزنتها ذاكرته من نهاية عقد السبعينات عندما كان صحفيا متدرّبا، ومن بينها لقائه بمحامي شاب آنذاك اسمه «توني بلير» الذي حضر إلى الصحيفة ل«عرض مقال قصير» ثم رافقه إلى المقهى المجاور. لكن المصدر الأساسي الذي يعتمد عليه المؤلف فإنه يتمثل في المواد المكتوبة، خاصة وقصاصات الصحف. هذا بالإضافة إلى ما تحتوي عليه أراشيف الحكومتين البريطانية والأميركية. ومن الواضح أنه كان قد أمضى وقتا طويلا في «النبش» عن «أقوال وأحداث مثيرة» كي يضعها بالتوازي، أو بالتعارض، مع المواقف الرسمية لأصحاب القرار. إن المؤلف يحاول رسم صورة «بانورامية» لحالة العالم خلال عقد السبعينات من القرن الماضي. الصورة التي يرسمها تدعو للكثير من التشاؤم. إنها تُظهر ريتشارد نيكسون، الرئيس الأميركي، كشخص «عصابي» بينما أن الصين محكومة من قبل موتورين وإفريقيا يسود فيها طغاة دكتاتوريون على شاكلة عيدي أمين دادا في اوغندة.

أما العالم الغربي فيبدو مرتعا لكل أشكال «المخدرات والصرعات».وعلى مدى الفصول ألاثني عشرة التي يتكوّن منها الكتاب «يؤرخ» المؤلف أيضا لحالة من «التشنج» سادت المشهد العالمي. الأمثلة التي يقدمها مأخوذة من تلك الحقبة، وفي مقدمتها تلك المظاهرات التي كانت تجتاح شوارع المدن الأميركية للمطالبة بوضع حد نهائي للحرب في الفيتنام.

ويروي المؤلف كيف أن الرئيس ريشارد نيكسون «الذي كان مصابا بحالة من الأرق وقلّة النوم قد «فلت» ذات يوم من رقابة المحيطين فيه وذهب خارج البيت الأبيض في وسط الليل كي يلقي كلمة بمجموعة من المتظاهرين المناوئين للحرب في فيتنام والذين كانوا قد أقاموا «معسكرا» لهم في موقع غير بعيد عن مقر الرئاسة الأميركية.

ويتوقف المؤلف طويلا أمام ظاهرة الرؤساء والأفارقة في إفريقيا خلال عقد السبعينات الماضي، أي أولئك الذين وصلوا عامة إلى السلطة بعد نهاية الحقبة الاستعمارية لبلدانهم وحيث كانوا في أغلب الأحيان جنودا في الجيش الاستعماري، وحافظوا على العلاقة مع السلطة الاستعمارية حتى بعد نيل بلدانهم للاستغلال السياسي، والنموذج الذي يراه ممثلا للحالة العصابية لسنوات السبعينات المنصرمة يجده في عيدي أمين دادا، رئيس اوغندة الأسبق.

ويصفه أنه كان يمارس الحكم حسب أهوائه وليس حسب نصوص القوانين النافذة. هكذا لم يتردد ذات مرة من طرد الآلاف من رجال الأعمال الذين كانوا يمارسون أعمالهم بصورة قانونية تحترم قوانين البلاد. التهمة التي وجهها إليهم هي قيامهم بـ «تخريب الاقتصاد».

ومن المصادر «الغنية» التي يؤكد عليها المؤلف، من حيث ما احتوته من المادة التي يبحث عنها، هناك كتابات الصحفي البريطاني، كورن آلن «الذي كرّس في السنوات الأخيرة من عقد السبعينات الماضي «عمودا هزليا» حظي بشعبية كبيرة لدى «القرّاء وكان مكرّسا للدكتاتور الاوغندي «عيدي امين دادا».

ولا يتردد المؤلف في وصف ذلك «العمود الصحفي» أنه كان نموذجا عن الثقافة البريطانية في «الحقبة ما بعد الامبريالية».وفي بريطانيا، اختار رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هارولد ويلسون أن يمضي عطلته الصيفية في جزر «سيللي».

وهناك كانت ترصده القطع البحر السوفييتية. لكن بنفس الوقت كانت الأقاويل والإشاعات تنطلق من بعض أعضاء الأجهزة السرية البريطانية ومن الأوساط المحافظة أن ويلسون كان «عميلا سوفييتيا».

ولا يتردد المؤلف في أن يسوق اعتمادا على معلوماته «الشخصية»، ونقلا عن الصحفي البريطاني الشهير في «التايم» بروس بيج. هو أنه أثناء مأدبة غداء في عام 1975 ناقش مجموعة من كبار رجال الأعمال البريطانيين ورجال الإعلام و«الجنود السابقين» مسألة الإطاحة بحكومة هارولد ويلسون بطريقة غير دستورية، وبالتالي العمل على فرض «حكومة وحدة وطنية». كانت تلك الذهنية هي أحد «معالم» عقد جدير بـ «الخجل».

وبالتواكب مع «أجواء المؤامرة» التي كانت سائدة تزايدت الأعمال الإرهابية في مختلف أنحاء العالم، من قبل المتطرفين يسارا ويمينا، ومن إيطاليا إلى ألمانيا واليابان وفرنسا وغيرها. ووجدت تلك الموجة أصداءها في هوليود التي أولت اهتماما متزايدا فيها إلى جانب اهتمامها بالمؤامرات السياسية، الخيالية أو الحقيقية وخرجت أفلام من نوع «رجال الرئيس».

ويعيد المؤلف تلك الأجواء إلى واقع الفترة الاقتصادية الصعبة خاصة بعد الصدمة البترولية لعام 1973 والكساد الذي ترتب عليها. بل ويرى أن بروز الحالة «العصابية» لسنوات الستينات هي نتاج لتلك الصدمة وللأزمة الاقتصادية. لكنه يرسم معالم تلك الفترة من خلال شخصيات قادتها، وفي مقدمتهم نيكسون وويلسون اللذين «كانا يتقاسمان نفس أشكال السلوك المثيرة للشكوك ليس فيما يتعلق بالعلاقة بينهما فحسب بل بعلاقتهما مع عيدي أمين دادا «وماو تسي تونغ».

الكتاب: أيام غريبة في الواقع

تأليف: فرنسيس وين

الناشر: فورت ايستيت لندن 2009

الصفحات: 388 صفحة

القطع: المتوسط

Strange days indeed

Francis Wheen

Fourth Estate- London 2009

P.388