بدأ لورنس روثفيلد مسيرته التعليمية أستاذاً للأدب والنقد والنشاطات ذات الطابع الثقافي الصرف. لكنه «انزلق» فيما بعد نحو الاهتمام بالسياسة، وذلك تحديدا من خلال علاقة الثقافة بالواقع.
ويشير إلى أن البداية كانت في طرحه العديد من الأسئلة على نفسه من نوع: ما هي منافع الثقافة؟ وكيف تتم تعبئة الجهود الثقافية لخدمة برامج ذات طابع سياسي؟ وكيف يتم توظيف الفنون والعلوم الاجتماعية لحساب مقولة «الصالح العام»؟ مثل هذه الأسئلة ولّدت لدى المؤلف الاهتمام. كما يقول، أوّلا بالأخطار التي هددت متحف بروكلين في نيويورك خلال تفجيرات 11سبتمبر 2001 . ومن هنا أيضا جاء اهتمامه بمتحف بغداد وما تعرّض له من نهب في ربيع عام 2003 ،عند احتلال القوات الأميركية للعاصمة العراقية بغداد. وبالتالي كان هذا الكتاب: «نهب بلاد ما بين النهرين» وبعنوان فرعي يقول: «ما وراء نهب المتحف الوطني العراقي». أمّا الموضوع الأعم والأوسع لهذا الكتاب فيمكن تحديده بسرقة الروائع القديمة.
إن المؤلف يذكّر قارئه أوّلا بمناسبة الذكرى السادسة للغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق. ويشير إلى الآلاف من الضحايا الذين وقعوا أثناء عملية الغزو تلك ولا يزالون يسقطون حتى اليوم بدون أن يعرف أحد كيف ستنتهي هذه المغامرة. وطيلة هذه السنوات يعمّ الخراب والقمع والقتل المجاني كنتيجة مباشرة، أو غير مباشرة، للغزو وللفوضى التي خلقها. ذلك أن كل المجموعات، ومهما اختلفت مشاربها، تحاول أن تجد مكانا لها مستفيدة من هذه الفوضى.
ويشير المؤلف إلى أنه في خضمّ هذه الفوضى مرّ حدث لم يتنبّه له الكثيرون. كان ذلك في شهر فبراير من عام 2009. الحدث المقصود هو افتتاح المتحف الوطني العراقي في بغداد من جديد بعد أن كان قد أغلق أبوابه إثر نهبه في شهر أبريل ـ نيسان من عام 2003. ويتم تقدير القطع القديمة التي جرت سرقتها آنذاك ب15000 جرى استرجاع ما يقارب ربعها حتى لحظة افتتاح المتحف أبوابه من جديد قبل بضعة أشهر.
ومن الواضح أن هامش حرية الحركة والبحث والتنقيب في خفايا عملية نهب متحف بغداد قد اتسع كثيرا بعد ابتعاد من يسميهم المؤلف بـ «المحاربين الإيديولوجيين» في تلك الإدارة من أمثال دونالد رامسفيلد وديك شيني وبول وولفويتز. ومن الواضح أيضا أن مؤلف هذا الكتاب يريد له أن يكون نوعا من التحذير الموجّه إلى مختلف الإدارات الأميركية فيما يتعلّق بخطر النزاعات الإيديولوجية.
ويحاول المؤلف في هذا الكتاب أن يقدّم الإجابات على الكيفية التي جرت فيها عملية نهب الآلاف من الأشياء الثمينة التي يشكل البعض منها أقدم الشهادات على الثقافة الإنسانية كلّها . ذلك على أساس أن بلاد ما بين النهرين هي مهد أقدم الحضارات التي بناها بنو البشر.
ويركز المؤلف على القول أن مسألة الكيفية التي جرى فيها النهب وآليات السماح بذلك تتجاوز كثيرا البلاغات الكلامية. وهو يرفض كلّية المقولة التي يرددها البعض أن ما جرى في العراق بربيع عام 2003 كان في إطار حرب دائرة ؛ وفي إطار مثل هذه الحروب هناك سلّم أولويات بالنسبة للمتحاربين لا يشكّل التراث الثقافي واحدة منها.
وهذا ما يرد عليه المؤلف بالقول أن قوانين الحروب الحديثة التي أقرّتها المواثيق الدولية وفي مقدّمتها اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة قيام حرب الموقعة في لاهاي عام 1954 . ويلتزم الموقّعون على هذه الاتفاقية باتخاذ إجراءات وقائية من أجل إنقاذ التراث الثقافي الإنساني أثناء الحروب.
ويشير المؤلف أن هذا الالتزام أكّده ومارسه أصدقاء أميركا وكذلك أعداؤها أثناء الحروب والنزاعات التي عرفها القرن العشرون. إن المؤلف يقدّم العديد من الأمثلة على ذلك ومن بينها حرص الثوريين الروس عندما قاموا بالثورة البلشفية عام 1917 ضد النظام القيصري على حماية متحف «الأرمتاج» الشهير في مدينة سان بطرسبورغ .
كذلك يؤكّد المؤلف أن القائمين على الثورة الإسلامية في إيران أرسلوا أثناء الأشهر الأولى من عام 1979 حرّسا لحماية المواقع الثقافية الرئيسية . بل وتتم الإشارة إلى أن صدّام حسين نفسه اهتم بحماية المتحف الوطني العراقي ومواقع ثقافية حسّاسة أخرى عندما قام باجتياحه للكويت في عام 1990 .
فلماذا فشل الأميركيون إذن في حماية التراث الثقافي العراقي؟؛يتساءل المؤلف. ويجيب أن السياسة الأميركية ،أو غياب السياسة الأميركية ، حيال التراث الثقافي العراقي نتج عن مجموعة معقّدة من الأسباب.
فمن جهة كانت هناك مجموعة نافذة في البنتاغون لم تكن المسائل الثقافية مطروحة على طاولة الجيش بالنسبة إليهم. ومن جهة أخرى جرت عمليات النهب خلال فترة 8 إلى 16 أبريل ـ نيسان 2003 عبر سلسلة سريّة من «أفعال ،أو غياب فعل، فريق متباين من العملاء والهيئات» كما يقول المؤلف.
وهذا المظهر بالتحديد من الكارثة التي تعرّض لها متحف بغداد يكرّس له المؤلف ثلاثة فصول من أصل الثمانية التي يتألف منها الكتاب حيث يبحث في التحرّكات التي جرت في الكواليس طيلة الأشهر التي سبقت الغزو. وتقول الأطروحة الرئيسية في الكتاب أنه :»من الهام الاعتراف أن الكارثة التي حلّت بالتراث الثقافي للعراق لم تكن مجرّد نتيجة نقص كفاءة شخصية أو لامبالاة أو جهل ولكن نتيجة فشل سياسة بكل وجوهها».
إن هذا الكتاب يشكّل في واقع الأمر نوعا من المرافعة بالأرقام والوقائع والأسماء ضد السياسة الأميركية الثقافية في العراق أثناء غزو 2003 . ولكنه بالوقت نفسه نوع من الإدانة لمجموعة من المنفيين العراقيين السابقين الراغبين آنذاك بـ «تحرير « العراق. ثمّ إن المشاريع التي جرت صياغتها على عجل لمستقبل العراق «نسيت» أن تكرّس أية أهمية للبحث في صيانة التراث الثقافي .
مسؤولية إدارة بوش
في هذا الكتاب «نهب بلاد ما بين النهرين» يعود المؤلف إلى وصف السياق الذي جرت فيه عملية النهب .وتأتي هذه الدراسة في الوقت الذي لم تعد فيه إدارة جورج دبليو بوش هي القائمة على مقاليد السلطة في واشنطن . ولا يتردد المؤلف في تحميل هذه الإدارة مسؤولية التخطيط والتنفيذ لعملية نهب المتحف الوطني العراقي بعد غزو 2003 .
المؤلف في سطور
يعمل لورنس روثفيلد ،مؤلف هذا الكتاب ، أستاذا للأدب المقارن في جامعة شيكاغو .وهو أحد مؤسسي والمدير السابق لمركز الثقافة السياسية في الجامعة . له العديد من المؤلفات في عدادها :» الطب في الحقبة الفكتورية ـ حقبة الملكة فكتوريا ببريطانيا» وهو بحث في الواقعية بالأدب ؛ و»روائع قديمة تحت الحصار ، و» شيكاغو مدينة الموسيقى « ..الخ.
الكتاب: نهب بلاد ما بين النهرين
تأليف: لورنس روثفيلد
الناشر: جامعة شيكاغو 2009
الصفحات: 228 صفحة
القطع: المتوسط
The rape of mesopotamia
Lawerence Rothfield
University if Chigaco press - 2009
P.228

