«العالم الجائع» هو آخر كتاب للباحث الفرنسي الأخصائي بأسواق المواد الأولية فيليب شالمان. والموضوع الرئيسي لهذا الكتاب يدل عليه بوضوح عنوانه الفرعي القائل: «حول المستقبل الزراعي والغذائي للإنسانية في القرن الحادي والعشرين».

وتتوزع مواد هذا الكتاب بين 11 فصلا انطلاقا من «تشريح الأزمة الغذائية لعام 2008»، كما جاء في عنوان الفصل الأول ووصولا إلى طرح سؤال: «العالم جائع: ماذا يمكن أن نقول؟ وماذا يمكن أن نفعل»؟ في الفصل الأخير. هذا ومرورا بفصول تحمل العناوين التالية: «الجوع رفيق قديم للإنسان»، «عشرة مليارات من الأفواه تتطلب التغذية» و«أسواق ومضاربات» و«تغذية وطاقة» و«الأرض: مصدر ثروات محدودة»؟ و«هل ينبغي إحراق الزراعات المهجّنة، المعاملة وراثيا»؟ و«الإنسان والأرض» و«زمن السياسات الزراعية» و«السياسات الزراعية في بلدان الجنوب». هكذا ينطلق المؤلف من ربيع عام 2008 عندما عرضت شاشات التلفزيون ومختلف وسائل الإعلام العالمية، مشاهد «اضطرابات التغذية» في العديد من مناطق العالم خاصة في إفريقيا. ذلك كي يقول مباشرة أن تعابير «منسية تقريبا» من القاموس المتداول بين البشر منذ فترة طويلة عادت للظهور من جديد، منذ ذلك الربيع 2008، مثل «الشبح» و«الندرة» و«المجاعة». وعبر هذا كله اكتشف العالم، أو بالأصح أعاد اكتشاف، واقع أنه لا يزال ممكنا موت البشر «جوعا» ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين.

وإذا لم يكن «الموت» ، فعلى الأقل لا يزال هناك الملايين من البشر يعيشون في حالة من الفقر المدقع بحيث يستطيعون بالكاد تأمين الحد الأدنى من المواد الغذائية التي تسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة.

وبهذا المعنى يزداد الوعي أكثر فأكثر أن «وهم الوفرة الغذائية» قد انتهى، وليس هذا فقط ولكن التحدي الغذائي أو «الأمن الغذائي» سيكون أكبر التحديات التي يواجهها هذا القرن.

ثم إن المسألة لا تتعلق بالبشرية اليوم لكنها تعني أيضا وخاصة الأجيال القادمة التي يقطب تأمين التغذية لها خلال السنوات الخمسين القادمة مضاعفة الإنتاج.

وبالاعتماد على الواقع الغذائي اليوم، وأشكال المضاربة التي تعاني منها أسواق المواد الأولية التي شكلت العصب الرئيسي لاقتصادات العالم عبر القرون، يسأل المؤلف: كيف سيمكن تجنب الكارثة «الغذائية» الكونية، في الوقت الذي يزداد فيه الوضع «الغذائي» تدهورا؟

ويقول المؤلف إن «العالم جائع اليوم ذلك أننا قد نسينا أن نرش البذار في الأمس». وهو يرى أن مثل هذه الحالة تنطبق جيدا على واقع الزراعة خاصة في بلدان الجنوب التي لم يتم تشجيع الزراعة فيها من قبل البلدان الغنية. وهكذا «نخسر الإنتاج الزراعي-الغذائي بينما زاد عدد الأفواه المطلوب تأمين الغذاء لها».

وهكذا يرى المؤلف أن الأزمة الغذائية وما ترتّب عليها من اضطرابات اجتماعية في عام 2008 بعدة بلدان نامية، لم تأت من فراغ، ولكننا «ندفع اليوم ثمن عشرين عاما من الإهمال ومن اللامبالاة حيال إشكاليات زراعية».

ويميل المؤلف في تحليلاته بوضوح إلى التخفيف من الأسباب التي يتم تقديمها عادة لتفسير اندلاع الأزمة مثل المضاربات المالية وزيادة ثمن المحروقات. هذه الأسباب موجودة ولكنها كانت عاملا ثانويا جديا بالقياس إلى «الخلل البنيوي» ولا يتردد المؤلف في القول ضمن هذا السياق أنه ينبغي على البلدان النامية أن «تحمي أسواقها الزراعية الداخلية باعتبار ذلك ضرورة حيوية».

كذلك يدعو المؤلف إلى ضرورة تبنّي سياسات تؤمّن ضمان الأسعار وأن تكون «مجدية» بالنسبة للمزارعين في البلدان الفقيرة. ولا يتردد في القول بضرورة أن تستمر البلدان الغنية، بلدان الشمال، بتقديم عمليات التمويل لهذه السياسات.

ويشير المؤلف إلى أن أسعار القمح والأرز وصلت إلى مستويات قياسية لا سابق لها في عام 2008. هكذا بدا أنه في الوقت الذي يمكن أن يعاني فيه مليار شخص من الجوع هناك أكثر من مليار هاتف محمول في العالم.

التكنولوجيات المتقدمة تعمل باتجاه بعيد واقعيا عن المسائل المتعلقة بالأمن الغذائي العالمي. يضاف إلى هذا واقع أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة في العالم تتقلّص سنويا بنسبة 5 .1 بالمائة، ذلك بفعل «زحف العمران».

ويرى المؤلف أن مسألة المزروعات المهجّنة ـ المعاملة وراثيا ـ هي موضوع نقاش مركزي لا ينبغي التغاضي عنه. يقول: «إن المخاطر موجودة، ومسائل السيطرة عليها تتطلّب تعاونا دوليا غير موجود واقعيا في اللحظة الراهنة. لكن الأسوأ هو حوار الطرشان الذي يسيطر اليوم والنتيجة هي للمفارقة تدعيم الاحتكارات مثل تلك التي تقوم به شركة موزانتو التي لأوجه الشبه بينها وبين شركة ميكروسوفت دلالات بليغة».

إنقاذ الزراعة

ذلك أنه من أجل الخروج من الجوع، يجد المؤلف الحل بالعودة إلى السياسات الزراعية التي كانت سائدة قبل ثلاثة عقود من الزمن حيث كانت السلطات العامة تتدخل لإنقاذ الزراعة. لكن مثل تلك السياسة جرى إنهائها من قبل الممارسات اللبرالية التي أصرّت البلدان الغربية على تنفيذها باسم حرية المنافسة، لكن هذه البلدان أبقت بنفس الوقت على مساعداتها للزراعة فيها.

المؤلف في سطور

فيليب شالمان أستاذ للاقتصاد في الجامعات الفرنسية. وأخصائي معروف بأسواق المواد الأولية. وهو مؤسس حلقة بحث «سيكلوب» التي تصدر كل عام منذ 1986 تقريرا سنويا حول حالة الأسواق العالمية للمواد الأولية. له عشرات الكتب منها: «من التوابل إلى الذهب الأسود» و«هل للعولمة روح»؟ الخ.

الكتاب: العالم الجائع

تأليف: فيليب شالمان

الناشر: بوران باريس 2009

الصفحات: 140 صفحة

القطع: الصغير

Le monde a faim

Philippe Chalmin

Bourin - Paris 2009

P.140