يشكل الروائي الأيرلندي وليام تريفور استثناءً نادراً من القاعدة التي تشير إلى أن الكتّاب يكونون في أفضل مراحل إبداعهم وهم في صدر أعمالهم، فها هو في الحادية والثمانين من العمر يقدم لنا روايته الرابعة عشرة بعنوان «الحب والصيف»، التي نجحت في استقطاب اهتمام النقاد والقراء على السواء، وذلك على الرغم من أنها لم تنجح في شق طريقها من القائمة الطويلة إلى القائمة القصيرة للروايات المرشحة لنيل جائزة بوكر لهذا العام.

غير أن جاذبية هذه الرواية لم تأت صدفة ولا اتفاقاً، حقاً إننا عبر صفحاتها نطل على عمل لا مجال لإنكار طابعه المعتم وربما الكئيب، إلا أنه في الوقت نفسه عمل يموج بالتفاؤل الصامت. والقارئ لابد له من أن يشعر بأن تريفور لن يسمح للعاشقين اللذين يتصدران بطولة روايته بأن يعيشا حياة جديدة بعيداً عن نهر المتاعب الذي يوشك أن يكتسحها، لكنه في الوقت نفسه لن يسمح أيضاً بأن يلحق بهما الدمار في غمار ذلك. ومن المحقق أن اهتمامات الرواية لا تنقصها الكآبة، فهي تدور حول الوحدة، الفقدان والألم، ولكن هذه الاهتمامات في نهاية المطاف ستتحول إلى شيء يكفل الشعور المحقق بالسمو والارتقاء. الصيف يضرب أطنابه كخيمة كونية هائلة، وما من شيء يحدث في بلدة راثموى الأيرلندية، وبالتالي فإن العيون لا يمكن إلا أن ترصد فلوريان كيلدرى الشاب الغريب ذا الشعر الداكن الذي يظهر في البلدة راكباً دراجته ويشرع في تصوير من يلزمون الحداد في جنازة السيدة كونالتي، ومن المؤكد أنه ما كان يتاح له أن يعرف أن آل كونالتي يمتلكون نصف البلدة، فهو قد جاء إلى راثموى ليصور البقايا المحترفة لدار السينما في البلدة.

على بعد أميال عدة في الريف المجاور للبلدة سنلتقي ديلاهان المزارع الذي تزوج حديثاً من الشابة إيلي التي كانت قد جاءت للعمل في داره بعد ترمله. وتعيش إيلي حياة روتينية هادئة، فيما يدير ديلاهان المزرعة.

ويعتزم فلوريان مغادرة أيرلندا وبدء حياة جديدة. أما إيلي فتستقر في دورها الجديد زوجة لديلاهان.

ولكن كل شيء ينقلب رأساً على عقب مع قدوم فلوريان إلى راثموى والتقائه بإيلي ووقوعهما في حب ينذر بلقاء الطيش بالعواقب الوخيمة.

هكذا فإننا نجد أنفسنا أمام الخيوط التي نسج منها تريفور روايته الرابعة عشر، فهناك أولاً النتائج المأساوية يفقدان امرأة لشرفها، والإحساس بالعار الذي يلازم أجيالاً عديدة والمجتمع الذي يبدأ في التباعد عن الإدانة الأخلاقية لإفلات العيار في العلاقات الجنسية.

وأحداث اليوم في راثموى تقع على خلفية من قيام السيدة كونالتي، قبل سنوات طويلة، بارغام ابنتها على أن تمضي عمراً بكامله في التوبة بعد علاقة حب انتهت بتخلي حبيبها عنها، ومن ثم فإن الآنسة كونالتي هي نفسها هذه المرة التي تحاول أن تكون شبكة نجاة للشابة إيلي حتى لا تتعرض للمصير نفسه.

وتبدو لنا قصة الحب قصة تجمع بين العذوبة الخالصة والمرارة الكاسحة في آن. وعلى الرغم من أن فلوريان يعرف بمزيد من الأسى أن ما يقدم عليه لابد أن ينتهي بتحطم فؤاد إيلي إلا أن عاطفة الحب تشتعل لتصل إلى حسم مدهش يفاجئ الجميع في نهاية المطاف.

ولابد للقارئ من أن يتوقف طويلاً عند هذا النثر المحكم الذي يقدم لنا تريفور من خلاله بلدة راثموي الخيالية التي تبدو لنا بلدة أيرلندية أدق تفاصيل الحياة اليومية.

ولا يملك القارئ إلا أن يتساءل: من أين تنبع كل هذه القوة التي تتمتع بها هذه الرواية؟

إن نظرة متمعنة على الرواية كفيلة بإقناعنا بأن هذه القوة نابعة من التحدد المراوغ والضاري في آن للرواية. فنحن أمام مجموعة من الشخصيات المتوهجة بالحياة، وأبرزها إيلي، الشابة الرقيقة الخجول التي تلقت تربيتها وتعليمها على أيدي الراهبات، ويتعين عليها الآن أن تخالف كل ما ترتب عليه وإلا أصبحت شبحاً رمادياً خالياً من نبض الحياة.

ويلفت نظرنا أن نسيج نثر تريفور يطرأ عليه شيء ما، عندما يكتب عن إيلي، فهذا النسيج يغدو صافياً، ويحلق عالياً، ويتناثر متحولاً إلى حالة تشبه الطفو، بل ويغدو أقرب إلى التنفس، أقرب إلى الحياة.

لنتأمل مثالاً شديداً الدلالة يقدمه لنا تريفور، حيثُ نلتقي إيلي وهي ترتدي ملابسها في بيتها بالمزرعة، فنقرأ: «شعر أشقر ناعم، كان يوماً صعب التمشيط، أما الآن فهو ممشط إلى الوراء، في التسريحة الأكثر ملاءمة له».

ولكن من الذي يفكر في التسريحة التي تناسب إيلي أكثر من غيرها؟ هل هو إيلي نفسها؟ هل هو العالم الذي يعرفها؟ هل هو تريفور نفسه؟ أم هو نحن الذين نقرأ هذا النثر المدهش؟

إن تريفور يضعها أمامنا ببراعة بالغة الغرابة بحيث نراها في قمة الحميمية، ليس بعيون بشرية على وجه الدقة، وإنما بالعيون الجديدة التي يمنحنا إياها الفن للحظة. هكذا فإننا نرسم إيلي بأيد جديدة، حتى في غمار تجليها أمامنا.

في هذه الساحة وفي ذلك المكان، وعقب سنوات عدة من انتصاف القرن الماضي، سنجد عناصر غرابة جديدة أخرى، فالآنسة كونالتي، التي كان يمكن في عوالم روائية أخرى أن يتوقع منها أن تتحرك ضد إيلي وقصة الحب التي تربطها بفلوريان، نجدها بدلاً من ذلك تصبح شبكة الأمان التي ستحميها إذا سقطت.

ونحن نلتقي أيضاً بشخصية أوربن ورن الغريبة، التي تشكل نوعاً من المؤرخ المفقود الذي يرى كل شيء ولا يعرف شيئاً، والذي يمضي ليبلغ زوج إيلي بشيء كارثي في النهاية، لكنه لا يجلب الكارثة باعتبارها كذلك.

وزوج إيلي يتبدى لنا، في غضون ذلك، شخصية تمت كتابتها بصورة جميلة حقاً، وقد سبق أن قتل بطريق الخطأ زوجته الأولى وطفلهما ويعمل بالزراعة في مكان لا يسعى للهرب منه، كما لو أن تسعى ألوف من الشخصيات الأيرلندية الروائية، وهكذا ينقل الأمر كله رأساً على عقب.

بهذا المعنى يمكن أن يقال إن رواية تريفور الرابعة عشر تدور حول الحرية، ولكنها في حقيقة الأمر لا تدور حول الانعتاق من الذات وإنما حول ضرورة احضار النفس إلى المكان الذي يمكن أن تكون حرة فيه.

ومن هنا فإن ديلاهان حر في داره، وفلوريان ليس كذلك، وبالتالي فمن الحتمي أن يرحل. والآنسة كونالتي حرة لأن أمها تموت وأوربن ورن حر لأنه مجنون. وإيلي تصبح حرة لأنها على الرغم من وجودها في المزرعة منذ سنوات إلا أن المرء يمكنه أن يقول إنها وصلت إليها أخيراً، ومن ثم إلى الحرية، عندما يتملك فؤادها التعاطف مع زوجها والاشفاق عليه.

الخذلان

«في مساء من شهر يونيو، بعد سنوات من انتصاف القرن الماضي مرت السيدة إيلين كونالتي عبر بلدة راثموى، من رقم 4 بالميدان إلى ماجنيس ستريت، إلى هيرلي لين، على امتداد أيريش ستريت، عبر كلافجوردان وصولاً إلى كنيسة المخلص الأكثر قداسة. وأمضيت ليلتها هناك.

كانت الحياة التي وصلت إلى النهاية حياة حافلة بالأعمال الطيبة والحسم، مع درجة من القسوة في الأمور المنزلية والعائلية. والتطلع إلى الرضا الشخصي، الذي أثر منذ زمن بعيد على تقبل السيدة كونالتي للوضعية الزوجية ولوضع طفلين، خذلها منذ ذلك الحين، فقد شعرت بخيبة الأمل في زوجها وابنتها.

ومع دنو الموت كانت قد خشيت من أنها سيتعين عليها اللحاق بزوجها وابتهلت لكي لا تضطر لذلك. وكانت سعيدة بالافتراق عن ابنتها. أما ابنها، وهو في الخمسين من عمره الآن، والذي كان أثير لديها منذ عانقته وليداً للمرة الأولى، فقد بكت لأنها ستتركه وراءها».

(مقتطف من رواية «الحب والصيف»)

الكتاب: الحب والصيف

تأليف: وليام تريفور

الناشر: فايكنج لندن 2009

الصفحات: 224 صفحة

القطع: المتوسط

Love And Summer

William Trevor

Vikyin, London2009

P.224