يحاول كتاب «جيل دولوز وتجديد الفلسفة» لمؤلفه جمال نعيم إظهار الفيلسوف الفرنسي كمجدد للفلسفة في المضمون والأسلوب؛ ويعتبر المؤلف أن جيل دولوز انشغل بالسؤال عن ماهية الفلسفة، وينحصر جوابه في أن الفلسفة هي «فن تكوين وخلق، وصنع المفاهيم»، وليس «إبداع المفاهيم»، التي يشدد عليها المؤلف.

ويكررها عشرات المرات في كتابه، لأن دولوز كان يكره كلمة «إبداع»، ويستخدم كلمة «خلق» بدلاً منها. لكن المفاهيم بحاجة إلى شخصيات مفهومية، إذ الفيلسوف صديق المفاهيم وصانعها، إنه مفهوم بالقوة.

هذا يعني أن الفلسفة ليست مجرد فن تشكيل وابتكار وصنع المفاهيم، ذلك أن المفاهيم ليست بالضرورة أشكالاً أو اكتشافات أو مواد مصنوعة. إن الفلسفة بتدقيق أكبر هي الحقل المعرفي القائم على خلق المفاهيم، مع أن المفاهيم ليست في انتظارنا، بمعنى ليست هناك سماء للمفاهيم، بل ينبغي ابتكارها وإبداعها.

كما أن الفلسفة ليست تأملاً، لأن التأملات هي الأشياء ذاتها من زاوية النظر إليها في إطار إبداعات مفاهيمها الخاصة. والفلسفة ليست تفكيراً، لأنّ لا أحد بحاجة إلى الفلسفة للتفكير في أي شيء كان: فالرياضي لم ينتظر قدوم الفلسفة لكي يتفكر في الرياضيات، ولم ينتظر الفنان مجيء الفلاسفة للنظر في الرسم والموسيقى.

والفلسفة ليست تواصلاً كما اعتقد هابرماس، لأنها لا تجد أي ملجأ نهائي في التواصل الذي لا يعمل بالقوة إلا في مجال الآراء، وذلك من أجل خلق إجماع وليس من أجل خلق مفهوم.

وفق الفهم السابق، فإن الفلسفة لا تقول إلا ذاتها، لأنها غير معنية إلا بذاتها، إذ هي لا تعرف المرجع، لا تعرف الإحالة ولا الدلالة، تقول ذاتها، ولا تقول أي شيء، وليس لها أصل بذاته. إن كان ثمة أصل لها، فهو ما قبل الفلسفي، على أن لا يعني وجود شيء مسبق لها، إنما يعني لا يوجد شيء ما خارج الفلسفة.

وقد يوجد اللافلسفي في الفلسفة أكثر من الفلسفة نفسها، هكذا يفهم دولوز الفلسفة، ونفهم من ذلك أن الفلسفة لا تُفهم فقط بشكل فلسفي، كونها غير مقصورة على الفلاسفة وحدهم، بل هي في جوهرها تتوجه إلى غير الفلاسفة، وهذا يؤكد الحق في الفلسفة كحق طبيعي للإنسان.

ولا يستوي المفهوم في محاولات البعض المتمثلة في إثارة تعابير قديمة، أو في محاولات البعض الآخر الذي ينحت منطوقات جديدة، خاضعة إلى تمارين اصطلاحية اشتقاقية، وكأنما الاشتقاق نوع من الرياضة الفلسفية الخالصة.

قد يتطلب المفهوم ذوقاً فلسفياً خالصاً، يشكل داخل اللغة لغة فلسفية، ليس مجرد قاموس مفردات، وإنما سياق يرقى إلى مستوى سام أو إلى جمالية رائعة. لكن انفراد الفلسفة بإبداع المفاهيم يضمن لها وظيفة دون أن يمنحها أي تفوق ولا أي امتياز، مادام هناك طرق أخرى في التفكير والإبداع، وسبل أخرى لنسج الأفكار.

ولم يتم الاهتمام بطبيعة المفهوم كواقعة فلسفية، فقد اعتبره الفلاسفة معرفة أو تمثلاً معطيين، كانا يفسران بواسطة الملكات القادرة على تشكيله كالتجريد أو التعميم أو استعماله كالحكم. لكن المفهوم لا يعطى وإنما يخلق، لا يُشكّل وإنما يطرح نفسه بنفسه طرحاً ذاتياً، وبقدر ما يكون المفهوم مبدعاً، فإنه يطرح نفسه.

أما سؤال خلق المفهوم فيتعلق بما يحتويه المفهوم من مركبات، وما يرافقه من علاقات مع الغير، إذ ليس المفهوم نموذجاً معيارياً، بل هو تركيبي توليفي. ليس اسقاطياً، ولكنه توصيلي. ليس تراتبياً، لكنه تجاوزي. بذلك يتشظى المفهوم فكرياً، مع أن اسمه اللغوي محددّ تماماً.

إن خلق المفاهيم داخل التجربة الممكنة أو الحدس عملية يتطلب بناؤها داخل حقل أو أرضية أو مستوى، يحضن بذورها والشخوص الذين يقومون بحرثها، من غير أن يمتزج بها، وهذا لا يقوم إلا على حيّز من المحايثة، يشكل مادة المفهوم الدولوزي وقاعدة لبروزه، إنه مقام المحايثة.

يحيلنا هذا المفهوم إلى عالم التواجد والتحايث الذي يمنح الإبداع وجوداً مستقلاً، حيث تتخلى التجربة عما تتمسك به ذاكرتها الموروثة من كل براثن المذهبيات الميتافيزيقية التجريبية منها أو الوضعية والواقعية، وتدخل عالم الاختلاف والغيرية.

والمفاهيم الفلسفية هي كليات غير متراصة وغير متطابقة، مما يعني تشظيها ، مع أن المفاهيم والمقام أو المسطح متقاربة بشكل كبير إلا أنها غير متطابقة فيما بينها، ومقام المحايثة ليس مفهوماً ولا مفهوم المفاهيم، وكون الفلسفة ذات نزعة بنائية فذلك يعني خلق المفاهيم وإشادة المقام، لذلك يشبه دولوز المفاهيم بالموجات المتعددة التي تعلو وتهبط، بينما مقام المحايثة هو الموجة الوحيدة البارزة التي تلفها وتنشرها .

ويعتبر «دولوز» مقام المحايثة وكأنه قبل- فلسفي، مفترض مسبقاً، ليس على شكل مفهوم معين يمكن أن يحيل إلى مفاهيم أخرى، بل إن المفاهيم تحيل هي ذاتها إلى نوع من فهم حركات لا مفهومية، فعند ديكارت «الأنا أفكر» مفترض من قبل كمفهوم أول، وعند الإغريق شكل اللوغوص (Logos ) مقاماً معيناً.

وقد جعل كلّ من كانط وهوسرل - انطلاقاً من ديكارت - الكوجيتو مقام المحايثة باعتباره حقل الوعي، أي محايثة لوعي خالص، ولذات مفكرة قابلة للتعالي وليس متعالية كما يسميها كانط.

وتأتي الفلسفة لتشيّد المقام وتبدع المفهوم، إذ المفهوم بداية الفلسفة والمقام إشادة لها، وبالتالي فإن مقام المحايثة هو أرضية الفلسفة وتأسيسها. بذلك توجد الفلسفة حيثما توجد المحايثة، فيرسم الفيلسوف مقام التشييد، ويقيم عليه صورة للفكر، ومادة جديدة للكينونة.

اللوتس والعمارة الفرعونية

زهرة اللوتس كوحدة جمالية تم توظيفها في العمارة الفرعونية.. بعض الأدوات التي توظف في الحياة، مثل غطاء الإناء الخاص بحفظ أحشاء المتوفى بعد تحنيطه، بعض أنواع الحلي التي تستخدمها المرأة.. بعض الأقنعة التي توضع على توابيت الملوك.

المؤلف في سطور

د. جمال نعيم، أكاديمي وكاتب لبناني، يعمل أستاذاً للفلسفة المعاصرة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية - الفرع الأول في بيروت، والكتاب الذي بين يدينا هو أول مؤلفاته المطبوعة.

الكتاب: جيل دولوز وتجديد الفلسفة

تأليف: جمال نعيم

الناشر: المركز الثقافي العربي ـ بيروت الدار البيضاء 2009

الصفحات: 525 صفحة

القطع: الكبير

مر كوش