يرى الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه إعادة قراءة التاريخ الذي صدر مؤخراً عن سلسلة كتاب العربي التي تصدر عن مجلة العربي الكويتية أن التاريخ كلمة تستخدم كثيراً على ألسنة الناس جميعاً، علماء وعامة، طلاباً وأساتذة، وفنانين، ولكل من هذه الفئات وغيرها استخدام لكلمة التاريخ يختلف عن استخدام الآخرين.

فكلمة تاريخ قد تعني تحديد الموقع الزمني: تاريخ الميلاد، أو الوفاة، وقد تعني نظاماً دراسياً مثل الحديث عن مواد التاريخ في مرحلة الدراسة الثانوية أو الجامعية، ومثل الحديث عن أقسام التاريخ وأساتذة التاريخ. وقد تعني مجمل التجربة الإنسانية في هذا الكوكب عند قولنا تاريخ البشرية أو التاريخ الإنساني. وربما يكون المقصود بها ماضي الجماعة الإنسانية والمجرى العام لتطور الإنسان، كذلك فإن الكلمة قد تعني أحياناً دراسة وتحليل ماضي المجرى العام لتطور البشرية. وقد تكون الكلمة دالة على لحظات مهمة وفارقة في حياة أحد المجتمعات، وهو المعنى الذي يستخدمه السياسيون كثيراً لدرجة امتهانه عندما يصفون مناسبة ما، أو حدثاً ما، بأنه حدث تاريخي. ويضم الكتاب مجموعة من المقالات للدكتور قاسم عبده قاسم، ويقدم فيها عدة قراءات مختلفة للتاريخ، فيقدم القراءة الشعبية، الدينية، الروائية، والسينمائية، ويقدم أيضاً لمحات من قراءات الآخر لتاريخنا العربي، وقراءة لتاريخهم، وكيف تأثرنا بهم وتأثروا بنا.

في هذا الكتاب لا توجد أحداثا ووقائع بل فيه وجهات نظر وتصورات، وهذا هو المنهج الجديد في كتابة التاريخ. فالتاريخ هنا ليس اسما لكيان يتكون من بضع حوادث تروى وفق تسلسل كرونولوجي مبتسر، بل ستجد التاريخ في هذا الكتاب هو فعل التأريخ كعملية إنتاج لممارسة ثقافية تقوم على تصورات وافتراضات تفصح عن نفسها بدلا من أن تختبئ عن عيون القراء.

كما هي عادة الافتراضات التي تختبئ حتى عن أذهان أصحابها أنفسهم من المؤرخين الاجتراريين الذين هم مجرد رواة أحداث، فيكتبون دون أن يدركوا أبعاد ما يسطرون فتتسلل افتراضاتهم المخفية والمسكوت عنها إلى أذهان القراء كأنما هي فيروسات تشل قدراتهم النقدية فتقعدهم عن الفهم وتلزمهم الحفظ وتصيبهم عدوى الاجترار.

وقد جاء الكتاب في محورين، طرح الكاتب من خلالهم عدة قضايا وقراءات مختلفة، فتناول في المحور الأول قراءة التاريخ، القراءة الشعبية للتاريخ، التاريخ والآثار.. تكامل أم تفاضل؟ القراءة الدينية للتاريخ، المأثور الشعبي هل يبقى؟ اللغة سلاحًا، المعنى والمغزى، الوعى بالتاريخ.. الوعى بالذات، تاريخنا.. هل من الضروري إعادة كتابته؟ وهل هناك أفلام تاريخية عربية؟

و يبين الكاتب أن هناك معان حديثة تفرعت من المعاني القديمة لكلمة تاريخ تدل على تاريخ التاريخ نفسه، أي دراسة التطورات التي مرت بها الدراسات التاريخية منذ عصر الأسطورة إلى عصر النظام الأكاديمي الذي تتم فيه دراسة التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والوقائع والأحداث العسكرية والسياسية في فترة زمنية بعينها، وفي مكان محدد من العالم، وهو المعنى الدال على الدراسة العلمية للتاريخ.

هذه المعاني الكثيرة المتوالدة من كلمة تاريخ تدلنا على حقيقة هذا النوع من الدراسات الإنسانية ومدى مرونة المصطلح المستمدة من طبيعة العلم التاريخي نفسه. وربما يكون هذا هو السبب في القول بأن المؤرخين غير واثقين تمأما من قدرتهم على تحديد ماهية التاريخ بشكل دقيق.

ويعنى هذا ببساطة أن التاريخ مركب ومتغير ومحير تمأما مثل الناس الذين يسجل حياتهم وأفعالهم، فالتاريخ، مثل الفن والفلسفة والأدب، طريقة للنظر إلى التجربة الإنسانية- سواء كانت النظرة إلى الجماعة وحياتها التي تشكل مجمل التاريخ، أو إلى الأفراد الذين يشكلون جزئيات هذا التاريخ، فالتاريخ، بوصفه علماً ونظأما دراسياً، يتناول الإنسان في حياته الاجتماعية عبر العصور.

ويمثل الإنسان والزمان الجناحين المتغيرين في الظاهرة التاريخية، وهو ما يعني أن مادة التاريخ وموضوعه شديدا التركيب والتعقيد من ناحية، ودائما التغير من ناحية أخرى. وهذا، في ظني، سبب تعدد المعاني والمدلولات التي تحملها التاريخ.

ومن جهة أخرى، انعكست هذه الحقيقة على قراءة التاريخ، وتفصيل ذلك أن الحدث التاريخي يقع مرة واحدة ويستحيل إعادة إنتاجه بطبيعة الحال. ومن البديهي أن أحداً لا يمكن أن يؤلف تاريخاً، وإنما يقوم المؤرخون بقراءة التاريخ وليس كتابته كما يبدو للوهلة الأولى.

ويؤكد الكاتب أن التاريخ يحدث والمؤرخين يقرأونه في كل مرة يحاولون فيها كتابته، وقد مرت هذه القراءات بتطورات كثيرة عبر التاريخ الطويل لتاريخ الفكر التاريخي نفسه. ومن ثم تغيرت مهمة المؤرخ بالضرورة.

ففي الزمن القديم، كانت غاية قراءة التاريخ حكاية ما حدث وتسجيله، وكانت مهمة المؤرخ أن يحكي ماذا حدث، ولذلك ظهرت قراءة المؤرخين القدامى للتاريخ نوعاً من التدوين والتسجيل، ولكنه كان في الحقيقة قراءة تعكس وجهة نظر المؤرخ من ناحية، وقراءة عصره للتاريخ من ناحية أخرى.

ولأن وسائل حفظ المعلومات وتدوينها تطورت بشكل مذهل، فإن مهمة المؤرخ المسجل والحافظ والراوي لم تعد لها ضرورة بتغير وظيفة المعرفة التاريخية في المجتمع الإنساني. فلم تعد مهمة المؤرخ أن يحكي ماذا حدث.

أو يسجل، وإنما صارت مهمته أن يفسر لنا لماذا حدث ما حدث،. وهو، يعني في التحليل الأخير أن قراءة التاريخ صارت تبدأ بكلمة لماذا، ولم تعد تقع بالحكاية والتسجيل الذي يجيب عن السؤال الذي يبدأ بكلمة ماذا.

المؤلف في سطور

قاسم عبده قاسم حاصل على دكتوراه الفلسفة في التاريخ وتحديدا في تاريخ العصور الوسطى وكانت رسالته عن مصر في عصر المماليك. وحاضر في جامعات الكويت ومصر وإسبانيا والجامعة الأميركية، كما حاز جائزة الدولة للتفوق ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ومن قبلهما جائزة الدولة التشجيعية من مصر في الفترة الممتدة من 1983 إلى 2000 وهو ما يدل على غزارة إنتاجه.

الكتاب: إعادة قراءة التاريخ

المؤلف: د. قاسم عبده قاسم

الناشر: وزارة الإعلام مجلة العربي كتاب العربي رقم 78 الكويت 2009

الصفحات: 208 صفحات

القطع: الصغير

محمد سيد بركة