بدأت تظهر في البلدان العربية، وبشكل متواتر ومنظم، ظاهرة جديدة تدعي الانضواء، ضمن توجهات وضع الفن البصري المعاصر، في خدمة البيئة، وتخليصها من النفايات المتعددة المصادر والمواد والخامات.

من خلال تدويرها وتحويلها إلى أعمال فنية معاصرة مسطحة (لوحات، معلقات) ومجسمة (كتل في فراغ) بهدف التخفيف من تراكمها الذي يشكل ضغطاً وعبئاً على النظام البيئي، وبالتالي تحفيز وتشجيع بعض الفنانين المشتغلين في حقول هذه الفنون، لا سيما الشباب منهم، على استخدام مواد وخامات ووسائل جديدة، للتعبير عن أفكارهم وانطباعاتهم. يستخدم الفنانون الذين يتصدون لعملية تدوير النفايات وتحويلها إلى أعمال فنية مسطحة ومجسمة، مواد وخامات عديدة في إنجازها، بعضها تخلّفه الصناعات والحرف كالخردة، والورق، والكرتون، والأسلاك، والأقمشة، والبلاستيك، والعلب الفارغة المتعددة المواد، والزجاج، والخشب، والأدوات التي استنفذت مهامها ووظائفها في خدمة الحياة اليوميّة للإنسان، والبعض الآخر من هذه المواد والخامات، تخلفه الطبيعة نفسها، كأوراق الشجر، والثمار الجافة، والبذور، والنباتات والحشائش، والأغصان ... وغيرها.

المتابع لهذه الإنجازات التي تعرضها صالات العرض، أو تضمها الحدائق والساحات والشوارع، أو تنشر صوراً لها المجلات والصحف والكتب المتخصصة، ووسائل الاتصالات البصريّة المختلفة، يجد أن بعضها يجمع بين الطرافة والابتكار المقنع، وبعضها الآخر. لا يتعدى الشطحات العبثيّة المبالغ فيها، وبعضها الثالث، يكتنز على قدر كبير من البشاعة المنفرّة المتعارضة كلياً مع الفن الذي أهم وأبرز مقوماته وخصائصه (الجمال) وفتح الشهية على الحياة وحب الحياة، ما يجعل مثل هذه الأعمال أقرب إلى العبث والممازحة منها إلى الفن المفيد والجميل!!.

دوافع ومبررات... يسوق المروجون لعملية تدوير النفايات في أعمال فنيّة معاصرة، من جمعيات حماية البيئة، و المراكز الثقافية الأجنبيّة، وصالات العرض، والإرساليات الثقافية الأجنبية العاملة في بلادنا العربيّة أو من يمثلها من فنانينا التشكيليين .. وغيرها من الجهات الرسمية والخاصة، جملة من الأهداف والمبررات والدوافع والغايات، لتبنيهم وتشجيعهم ودعمهم، لهذه الفنون منها: زيادة الوعي البيئي. ولفت انتباه الناس عموماً، والمشاركين في إنجاز هذه الأعمال خصوصاً، إلى أهمية هذه العملية الفنيّة التي تقوم بتوظيف مواد وخامات ووسائل مجانيّة أو رخيصة جداً، في إنجاز أعمال فنيّة بيئيّة جماليّة، مصدرها الأساس، القمامة، ومخلفات المصانع والورشات المهنية، ونفايات المدن والطبيعيّة ... وغيرها.

ومن ثم تشجيع الفنانين على اعتماد هذا النمط من التعبير الفني، ونقل أعمالهم إلى حيث تتواجد شرائح واسعة من الناس، لتعويدهم عليها، وحث ذائقتهم على تقبلها، بل والمساهمة بتوفير مستلزماتها، ما ينعكس إيجاباً على الوضع البيئي، بتخليص أو تخفيض حجوم هذه النفايات، وضغطها المتزايد على البيئة. يضاف إلى ما تقدم، خلق ثقافة فنيّة جديدة، غير معروفة أو مألوفة، يمكنها تحريك ركود الحركات الفنية التقليدية، والمساهمة بتفعيلها ومنحها حيوية وتجدد وآفاق واسعة للابتكار والإبداع.

فن الطليعة وما بعدها

لكن سبق للفن الغربي الحديث وقدم تجارب ومحاولات، انضوت ضمن الإطار العام لمفهوم إعادة التدوير، أخذت مسميات عديدة منها: فن الحداثة وما بعدها، وفن الطليعة وما بعدها، والفن المفاهيمي، والمركب ... الخ.

يعتبر الفنان دو شامب الأب الروحي لمثل هذه التوجهات الفنيّة، حيث حاول تحويل الأدوات العاديّة المستعملة في مرافق الحياة اليوميّة المختلفة «بما فيها المبولة» إلى أعمال فنيّة، إذ كان يكتفي بوضع توقيعه على السلعة المسبقة الصنع والتالفة، لتتحول فوراً إلى عمل فني، معتقداً أن للفنان المعاصر كل الحق، بأن يستخدم ما يشاء، في تحقيق منجزه البصري الجديد، ومهما كان هذا العمل، فإن مجرد دخوله أروقة المتاحف وصالات العرض، يتحول إلى عمل فني حقيقي.

يقول أحد أنصار هذا الفن، إن هدفهم منه، الانتقام من الحياة والتقدم والفن ذاته، وتعظيم البشاعة والنفايات والضوضاء والتلوث، على اعتبار أن الفن موجود في كل مكان، وأن الجمال والبشاعة متساويان!!

وهذا ما ذهب إليه شاعر الدادا (تزارا) عندما أعلن: لقد حولنا من خلال الدادا (وهو اتجاه فني معروف انطلق من أوروبا) ليس تدمير الفن والأدب فقط، وإنما بالدرجة الأولى، خفض المستوى المثالي، فنحن نريد إذلال الفن والشعر، لأن الدادا هي ضد الفن والأدب، وتدمير الفن وتعكير صفائه، والحط من مثاليته، إنما هو نضال ضد الجمال والإتقان والأخلاق والروح ؛ فنحن نريد إعادة الاعتبار للقباحة والبشاعة والقرف ؟!.

بعد الدادا ودو شامب، مارس هذا النوع من الفن، عدد كبير من الفنانين. من بينهم الفنان الألماني أودبنورغ الذي أنجز عملاً فنياً من المبولة أيضاً، والفنان بويس الذي كان يقيم معارض دون أعمال فنيّة، والفنان آرمان الذي قام بوضع محتويات علبة الزبالة ومخلفات «التواليت»، وبقايا القطن المستخدم في تنظيف الآذان، وفراشي الأسنان، في قالب من البلاستيك الشفاف.

وعرضه في متحف الفن الحديث بباريس، ليتحول إلى عمل فني مدهش، ومنهم أيضاً الفنان هو أن لونغ الذي قام بعرض مجموعة من الأفاعي والجرادين الحيّة، في قفص زجاجي، في نفس المتحف.

بل لقد ذهب الفنان كازيروفسكي أبعد من ذلك، إذ قام بالرسم بنفاياته الخاصة، والفنان جورج فكان رسم بالبصاق، واكتفى الفنان بورا بوضع عناوين أعمال فنية فوق جدران صالة العرض «دون الأعمال» قائلاً: أنا لست بفنان، مع أنني فنان، وهذا هو المهم لأن العمل افني لم يعد له أي ضرورة !!.

وقام الفنان دونواييه بعرض 24 لوحة فارغة من أي شكل أو لون قائلاً: ليس لي أي هدف من ذلك سوى أن تكون اللوحة الفارغة معلقة هنا على الحائط، فأنا أعرض نيتي في تكوين هذا السطح فقط، لأن اللوحة تأتي من لا شيء، وإذا أتت من شيء ما، فهي لن تكون لوحة؟!.

أشباه وقرائن

أصبح اليوم لهؤلاء الفنانين أشباه وقرائن، في دول العالم كافة، ومنها دولنا العربيّة، خاصة مصر ودول الخليج العربي، علماً أن هذا النوع من الفن، تراجع وتقلص إلى حد كبير، في الدول الغربيّة، التي أوجدته وتعمل جاهدة لتصديره إلى دول العالم الثالث، لصالح الاتجاهات الكلاسيكيّة والواقعيّة، وحول هذا يقول ايليل في كتابه «إمبراطورية اللا معنى»:

إن الفن الطليعي في أزمة حقيقية، وهو يتفجر ويتناثر في كل الاتجاهات، وهذه الشجرة لم تعط أي ثمرة سوى الفوضى والعقم والتناقضات. هذا الفن لم يعد يبحث عن إعطاء لذة وفرح وحلم الرؤية الجمالية للمشاهد، بل صار يهتم بالبشاعة والقذارة والجنون والعفن والسادية.

ويرى بيل أن فن الطليعة يكرر ويعيد ما طرحته الدادا في بداية القرن العشرين، فتحول إلى طقوس رخيصة وظلامية مختلفة. أما ناتالي هينيش فتقول: نأسف لعمل فني لا يستجيب لتطلعات الجمال، بل على العكس يبحث عن البشاعة، هذا الفن المنعزل عن المجتمع عادي جداً وغير نظيف. وتسأل الناقدة الفنية كاترين مييه : أين هي الآن هذه الطليعة، لم يعد لها وجود.

لقد ذابت كما ذابت أعمال الفنان الطليعي (سالمون) التي نفذها على الثلج والرمل. أما فناني العالم الثالث فهم في يأس أمام متاحفهم المفلسة مادياً!!. وحول التجارب العربيّة الطليعيّة، يقول الناقد الفرنسي جاكوماتي : لقد جاء الفن الطليعي العربي إلى البيناليات ليبيع الماء الملوث في حارة السقايين.

إن المتذوق والمشاهد العربي لم يعش تطورات الفن التشكيلي المختلفة، من كلاسيكيّة، وباروك، ورمانطيقيّة، وواقعية، وانطباعيّة ... الخ. فكيف يستطيع القفز واجتياز القرون ليتمثل عبثية فننا الطليعي، وتقبل تقلبات مدارسه وتناقضاته المختلفة، خاصة بعد أن تحوّل إلى ترف ثقافي مرفوض عندنا؟!.

عملية إحياء هذا الفن ونشره في بلداننا العربيّة، لها أسباب وأهداف ودوافع خبيثة، باتت معروفة ومكشوفة، لكن الفن الذي تطمح بعض جمعيات البيئة إلى تحقيقه، من خلال مسابقات وورشات عمل تدوير النفايات، يختلف تماماً عن الفن الذي بدأه دو شامب وسلالته. ففي الوقت الذي جاء فيه فن الطليعة وما بعدها، تتويجا لحالة من البطر الحضاري الغربي، والفراغ الروحي، والتوجهات السياسية الخبيثة، والغايات التجاريّة المشبوهة.

تأتي تظاهرات إعادة التدوير مشروطة بالعمل عل ابتكار وإنجاز أعمال فنيّة، تُظهر مواهب وأفكار ووجهات نظر أصحابها، من جهة، ومن جهة ثانية، التذكير وتسليط الضوء على ضرورة حماية البيئة، بتخليصها من كميات كبيرة من النفايات التي يمكن الاستفادة منها، والتي تساهم بتراكمها في زيادة الضغط والعبء على النظام البيئي.

وتالياً تحريض من يعنيه الأمر، لاعتماد طرق صديقة ورفيقة بالبيئة، في أساليب تعاملهم مع النفايات المختلفة، لكن بشرط أن تُضبط عملية التدوير هذه، بحيث تكتنز الأعمال الفنيّة التي تفرزها على قيمٍ فنية وجماليّة ومعرفيّة مقنعة، تبرر الهدف النبيل الذي ترفعه شعاراً لها وهو «إعادة التدوير لبيئة أفضل» .

الفن في خدمة البيئة

وضع الفن في خدمة البيئة من خلال تدوير النفايات عبره، غاية نبيلة وطريفة، يمكنها تحريض المواطن والمسؤول للاهتمام بالنظافة البيئيّة وتعميمها كثقافة جديدة نحن بأمس الحاجة لها!

ظاهرة قديمة

سبق للفن الغربي الحديث وقدم تجارب ومحاولات انضوت ضمن الإطار العام لمفهوم إعادة التدوير، أخذت مسميات عديدة منها: فن الحداثة وما بعدها، وفن الطليعة وما بعدها، والفن المفاهيمي، والمركب، والدادائي .. وغيره.

د. محمود شاهين