مفردات الأرض، الوطن، الغربة، المنفى، العودة، الحنين، الاحتلال، التغريب وعلى رأسها الإنسان تحتل موقع القلب في أعمال المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي، وعلى الرغم من ذلك فإن مصدر القلق الرئيسي الذي يحرك وجدان وخبرة هذا الفنان الكبير يكمن في تجليات الحرب الأهلية التي تشهدها الذات الفلسطينية والعربية والإنسانية عموما، التي يعتبرها خليفي حامل كل شيء ومرده ونقطة الانطلاق والرجوع في كافة التجليات الاجتماعية والسياسية وكل مظاهر حياة الناس.

مما لا شك فيه أن ميشيل خليفي ومواطنه الفنان الفلسطيني محمد بكري كانا محط أنظار الجميع في مهرجان دبي السينمائي السادس، ليس لأن فيلم» زنديق» فاز بأرفع جوائز هذه التظاهرة السينمائية التي تشق طريقها بقوة على خارطة السينما العالمية فحسب، وإنما لأنهما قادمان من هناك. حيث رائحة الأرض لا تزال كما هي وعلى عهدها ولأنهما يتحدران من تجربة فنية أخذت على عاتقها الهم الوطني في سياقاته الإنسانية الكونية وقدمته في قالب فني بديع وجميل قوامه الصدق والشفافية والحرفية والولوج إلى أعمق نقطة في الوجدان الإنساني ولأن في جعبتيهما رصيد سينمائي ومسرحي لا يستهان به ساعة الحديث عن التجربة السينمائية الفلسطينية والعالمية. «مسارات» التقى ميشيل على هامش فعاليات مهرجان دبي السينمائي وكان له هذا الحوار المطول معه.

* ما الذي يعنيه عنوان فيلمك الأخير» زنديق». الذي فاز بجائزة المهر العربي في الدورة السادسة من مهرجان دبي السينمائي؟ ـ كلمة زنديق تعني كل من يخرج عن المألوف ويحلق في سرب خاص به ويخرج عن المسار الجماعي، بمعنى آخر، إذا شددت كثيراً على فكرتك الأساسية في الحياة من دون أن تأخذ بعين الاعتبار المسارات الأخلاقية والسياسية والأيديولوجية والجنسية والعاطفية المحيطة بك، فإنك بذلك تصبح جزء من تلك الزندقة لأنك خرجت عن المسار. والفيلم يظهر هذا «الزنديق» أنه مجرد إنسان له نقاط ضعفه ونقاط قوته ولديه أشياء خطأ وأخرى صح. بعد كل ما طرح حول القضية الفلسطينية وتكرار المفردات التي تستخدمها في عملك السينمائي، الوطن، الأرض، الحنين، الاحتلال، العودة، المنفى وبعد كل هذه السنين الطويلة، ما الجديد الذي يطرحه ميشيل خليفي في «زنديق» وما هو المسوغ لإعادة طرح هذه الأسئلة التقليدية المطروحة على الساحة الفلسطينية مثل منزل العائلة المسلوب ومفتاحه الكبير القديم المحشو في شق جدار؟

صحيح أن هناك تكرار لبعض المفردات، لكن بطل فيلم» زنديق» يرمي مفتاح بيت العائلة في النار، وهذا يعني أن هناك تجديد جذري في التعامل مع تلك المفردات، القضية ليست هنا، القضية تكمن في أن بطل الفيلم يدخل في حالة تناقض مع نفسه حاله في ذلك حال الكثير من الفلسطينيين الذي إذا سألتهم في الوقت الحالي عن موقفهم من قضيتهم ستجد أن لديهم موقف مختلف . ولا تنسى أن هذا الفيلم أتى عقب حرب أهلية، الحرب الأهلية كافرة وتدفع الناس إلى الكفر بقضيتهم والانفصال عن الإيمان في الوطن وهذا هو الكفر الحقيقي وهذا ما يتحدث عنه الفيلم.

* هل كان لا بد من أن يأتي بطل «زنديق» من الخارج ومن بلد أوروبي تحديدا كي تسلط الضوء على هذا الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون. ـ هي مجرد صدفة، فهو قادم كشخص فلسطيني عادي مثلنا بغية عمل فيلم عن مناطق 48 ويأخذ شهادات الناس هناك، القصة تبدأ على هذا النحو، لكنه سرعان ما يجد نفسه مأخوذ بتفاصيل الحياة اليومية على غرار وفاة عمه وقصة ابن أخيه الذي قتل شخصا من عائلة أخرى. في أشارة إلى حالة التفتيت القائمة في واقعنا الداخلي، وهذا ما يشير إليه كذلك الفيلم من خلال ظهور الولد القادم من غزة حين يسأله أحدهم عن والده وهل هو في سجن إسرائيل ويرد نافيا ويقول إن والده في سجن حماس وليس إسرائيل، وهذا الموقف يوضح جوهر الأزمة والمأساة اللتان تعيشهما الشخصية الرئيسية في الفيلم.

وتلك الأزمة هي أزمتك وأزمتي وأزمة غالبية الناس، الذين باتوا يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في السياسة وفي التعامل مع القضية الفلسطينية، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الذين أخذوا السلطة سواء من ناحية المعارضة أو من الطرف الرسمي، أي كل المسؤولين الذين أخذوا السلطة، لكنهم لم يتعاملوا مع شعبنا بصورة صحيحة، وأنا أعطيك مثلا بسيطاً في هذا السياق.

فلقد حرقوا قاعات السينما والآن هم يحاولون عمل سينما ومهرجان للسينما، حسنا، لكن لماذا أحرقتم دور السينما، ألم يكن حري بنا أن نضع أيدينا بأيدي بعض ونبني شيء سوياً، هذا هو الكفر بعينه.

كم حجم جرعة السيرة الذاتية الخاصة بميشيل خليفي في هذا الفيلم؟

صدقني، أنت تلتقط الفن من عدة أشياء ومن وميضها كما يحدث في الحلم. عندما تحلم، تأخذ عدة عناصر من عدة أشياء لا تعرف لماذا قمت ببنائها، هناك أشياء أنت عشتها وهناك أشياء تقع عليك وهناك أشياء أخرى تلتقطها، فأين العناصر أو الجزء الذي أتى مني؟ لست أدري.

أو لنشبه المسألة بتوأمين منشأهما بويضة واحدة، فعلى الرغم من وحدة المنشأ، إلا أن كل منهما يختلف عن الآخر، ذلك المنشأ هو الحياة ليس غير وأساس الفن هو الحياة التي لا يمكن الابتعاد عنها بأي حال.

هل هذا يعني أنك لم تقصد توظيف هذه الجرعة من سيرتك الذاتية في سيناريو الفيلم وأنه أخذ هذا المنحى بشكل عفوي؟

لا، نقطة الانطلاق تأتي دائما من أشياء محسوسة، فقصة تلك الليلة التي عدت فيها إلى الناصرة، على سبيل المثال، ولم أعرف أين يمكن أن أخلد للنوم خلالها هي قصة حقيقية حدثت معي في الواقع، لكن بقية الفيلم لم أستمده من الواقع بصورة مباشرة وهو عبارة عن إنتاج فكري في المقام الأول.

ما هو تصنيف فيلم «زنديق». هل هو سوريالي، أم واقعي أم ماذا في ظل موجة الرفض العارمة التي تتعرض لها الشخصية الرئيسية في الفيلم عند العودة إلى الناصرة؟

في واقع الأمر، الفيلم لا يعرض للكثير من المواقف والشخصيات، وهذا الجانب يقتصر على عدد ضئيل من تلك المواقف على غرار ذلك المشهد الذي تناشده فيه أخته الرحيل عن المدينة خوفا على حياته أو عندما يعطيه شخص آخر قنينة مياه للشرب ولا يأخذ ثمنها أو ذلك العامل في الفندق الذي يوقظه من النوم ويرفض تلبية طلبه في الحصول على سرير، وهو مشهد يتكرر في عدة فنادق وحدث معي فعلا وانتهى بي المطاف إلى النوم في السيارة.

المسألة أقرب إلى بناء المواقف التي يعيشها الفرد العربي في الوقت الحاضر، أي أنه عندما يتسلط يفعل ما يحلو له.

ما يعرض له الفيلم أمر معقول وهذا يعني أنه الفيلم واقعي يروي قصة الغربة والتغرب، لأنه عندما يضرب البطل في آخر الفيلم، فإن من ينقذه شخص يعرفه يقول: هذا شقيق أبو السعيد، اتركوه وأعيدوا له أغراضه. أي أن آثار العالم القديم لا تزال آثاره باقية رغم أن الحارة القديمة قد أذهبتها الحداثة أدراج الرياح.

حيث يبحث كل فرد عن مصلحته الشخصية في مشهد القادم فيه أصعب، في مشهد احترام الفرد ووضع القوانين والوصول إلى المواطنة فيه هو الذي سينقذنا وإلا سنأكل بعضنا بعضاً ونصل إلى حالة يحاول كل فرد فيها فرض قانونه الخاص ويفرض على الآخر وجهة نظره.

ما الذي يرمي إليه ميشيل خليفة من خلال إظهار عدة نساء في حياة بطل فيلم «زنديق»؟

ليس المقصود إظهار نساء عديدات، لكن المطلوب هو كسر شكيمة تلك النزعة الذكورية من خلال تلقيه عدة صفعات من إحداهن، ما يدفعه تدريجيا إلى العودة إلى إنسانيته وإلى التعامل مع الآخر على قاعدة الاحترام المتبادل.

هل لنا أن نخرج من زنديق» لنعرج ولو قليلا على تجربتك السينمائية عموما، ما هي أبرز المحطات التي مرت بها تلك التجربة؟

المحطات الرئيسية تجسدها أفلامي بدءا بفيلم» الذاكرة الخصبة» وحتى» حكاية الجواري الثلاثة»، وهي فترة امتدت طوال 15 عاما ومن ثم توقفت من جديد لمدة 12 عاما أخرى وشكلت تلك الفترة قطيعة وفيلم «زنديق» يمثل عودة إلى الحياة السينمائية؟

لماذا يعيش ميشيل خليفي خارج فلسطين؟

كما تعلم، لقد غادرت فلسطين وعمري عشرين سنة ودرست في بلجيكا وحاولت العودة إلى فلسطين بعد انتهاء دراستي عام 1977، لكني لم أتمكن من التأقلم مع الوضع، الذي كان يفتقر آنذاك للنشاطات وللمسرح ولم يكن هناك سوى أشياء بسيطة جدا ولم يكن هناك إمكانية لأن تبني لنفسك مشروع سينمائي أو فني.

ما جعلني أعود إلى بلجيكا وفكرت أن ادرس دراسة أكاديمية وعن طريق الصدفة عملت فيلم «الذاكرة الخصبة» وهذا الفيلم نجح وحصل على جوائز كثيرة في العالم، ومن ثم بدأت أمارس التدريس هناك.

لكن اسم ميشيل خليفي ليس بعيدا عن المشروع الفلسطيني رغم بعد الجغرافيا؟

لأن هذا المشروع هو مشروعي الأساسي الذي تجسده التجربة الإنسانية الفلسطينية، حيث يمكن ملاحظة أن تجربتي من أول فيلم أخرجته حتى الآن ما هي إلا مواكبة للتجربة الإنسانية الفلسطينية ورصد للتغيير الذي يحدث في كنفها، وهذا يعني أني لست الوحيد الذي تغير في الفيلم الأخير، بل إن المجتمع برمته قد تغير كذلك.

كيف يختار ميشيل خليفي مواضع أفلامه؟

كما يقول أحد المخرجين المهمين في العالم فإن الثوري هو الملياردير بالمشاريع، لكنه فقير في الواقع ونحن من هذا النوع، فهناك الكثير من الأفكار التي تأتي وتذهب ومنها ما يبقى عشر سنوات ليتجلى في نهاية المطاف مشروعاً يعبرك فتقول أن هذا هو المشروع الذي أريد التصدي له، ففي حالة «زنديق» نجد أنه هو الذي فرض نفسه على ولم أفرضه على أحد.

حيث قلت لنفسي أن هذا هو مشروعي الآن بصورة عفوية ولا أعرف الأسباب الكامنة وراء ذلك بدقة، لكن ذلك لا يخرج عن إطار التجربة الإنسانية الفلسطينية التي تعد الأساس.

كأن تقول أن هذا المشروع لن يواكب الحالة التي نعيش وأنا أعتقد أن» زنديق» يواكب تلك الحالة أو على الأقل هذا هو إحساسي ومن ثم فإن الفيلم فيه حب وفيه في الوقت نفسه إحساس بعدة عناصر أساسية منك.

هل الموضوع هو الذي يرجح كفة الميزان في العمل السينمائي أم أنا لبطولة تذهب في هذه الحالة إلى الأدوات السينمائية الأخرى؟

أنا أرى أن المحتوى هو الأساس، وأن المقصود به هو التحرر وليس التحرير كما هو واضح، بمعنى آخر، إذا كان تحرير فلسطين سيفضي إلى قمعي، فلا معنى له على غرار ما يحصل الآن في الضفة وغزة.

المطلوب أن تكون في مسار تحرري يقوم على تحرير نفسك وبنيتك وأفكارك وعواطفك وإحساساتك. ما معنى التحرر؟ التحرر يعني أن تعود إلى إنسانيتك، أي أنه قبل أن تكون أي شيء آخر يجب أن تكون إنسانا أولا.

وإذا كان هذا هو الموضوع يشكل الأساس الذي تدور حوله كل الأعمال الفنية والأدبية في تاريخ الإنسانية، فإن جل ما نقوم به هو عبارة عن تنويعات الهدف منها هو إضاءة زوايا نعتقد أن الظلمة لا تزال تلفها.

وهنا على المبدع أن يعرض اللامرئي ويخرجه إلى حيز المرئي أمام أعين الناس كي يتمكنوا من توسيع دائرة تفكيرهم ويذهب بهم بعيدا في تحررهم. هذا هو دور الفن بحيث يخلق نقاش مع النفس ومع الآخر وصولا إلى علاقة مع الذات ومع الآخر تقوم على الانسجام.

هذا يعني أن هناك علاقة جدلية بين الموضوع والأدوات السينمائية..

تماماً، وهنا تظهر أهمية الأدوات السينمائية الأخرى مثل الفيلم الوثائقي الذي يعتمد على الوثيقة والمقابلة والتداعيات مثل الشجرة والغناء، حيث تعيد بناء الموضوع على قاعدة الذات، ما يفسح في المجال أمام ظهور أشياء أخرى.

ما هي الفلسفة التي ينطلق منها ميشيل خليفة إلى رحاب عالمه السينمائي؟ هل بوسعك صنع فيلم سينمائي لأهداف تتعلق بجماليته فقط أم أنه من الضرورة بمكان أن يكون العمل السينمائي الذي تتصدى له ذو موضوع ومغزى؟

ليس واردا أن أعمل فيلما من أجل السينما فقط، فأنا لم آتي إلى السينما كي أظهر على بساط أحمر ولا بساط الريح ولم آت إلى السينما كي أسير إلى جانب شارون ستون، لقد عشت تلك التفاصيل في الثمانينات والتسعينات وهي لا تهمني لا من قريب ولا من بعيد كما أنها لا تؤثر علي، وحتى بوسعي أن أقول لك إن الوسط السينمائي محدود وضيق كثيرا وهو ليس مشكلتي، فأنا معني بالسينما الملتزمة إنسانيا من جهة، أنا معني بالشكل الذي يفرض نفسه على من ناحية المحتوى ومن ناحية التجديد.

هل يمكن الحديث عن مؤسسة سينمائية فلسطينية؟

هذا الجانب لا يدخل في صلب اهتماماتي، وهو من صلب اهتمامات الشباب. بالنسبة لي، لا يزال أمامي عدد من الأفلام التي يتعين على إنجازها ومن ثم السلام، علما بأني أهتم للمواهب الشابة ولقد ساعدت الكثير من أصحابها.

أكثر ما يثير اهتمامي في هذا السياق هو الاحترام، احترام العمل، احترام الإنتاج، هذا هو الأساس في حيت تتكفل التراكمية بتوفير النوعية. المشكلة أن تراكم الأجيال يخلق مشكلة عدم احترام. لكننا نحاول تشكيل وحدات إنتاج وورش تدريبية اشتركت بعدد منها مع مؤسسة «القطان».

هل شكلت المؤسسة السياسية الفلسطينية عامل مساعد للسينما الفلسطينية أم أنها وقفت حجر عثرة أمامها؟

المؤسسة السياسية الفلسطينية تساعد، لكنها تساعد المحسوبين عليها والذين يشكلون جزءا منها وهي تسير على هذا المنوال منذ بداية ظهورها.

ميشيل خليفي في سطور

ولد ميشيل خليفة في الناصرة عام 1950 لعائلة كادحة، في جيل 14 اضطر لمغادرة المدرسة والعمل في مرآب سيارات للمساعدة في إعالة العائلة. بدأ يهتم في الفن المسرحي أثناء جيل المراهقة وغادر إلى بلجيكا عام 1970 لدراسة المسرح. تخرج عام 1977 من معهد المسرح والسينما في بروكسل.

عام 1978 عمل في التلفزيون البلجيكي حيث قام بتصوير بضعة تقارير عن الأراضي الفلسطينية المحتلة. عام 1980 عاد إلى الناصرة لتصوير فيلمه الطويل الأول الذاكرة الخصبة الذي مزج فيه بين الأسلوبين الوثائقي والروائي. في عام 1987 أخرج عرس الجليل فيلمه الروائي الطويل الأول.

أعمال ميشيل خليفي:

الذاكرة الخصبة، 1980

معلول تحتفل بدمارها، 1985

عرس الجليل، 1987

نشيد الحجر، 1990

حكاية الجواهر الثلاثة، 1994

الزواج الممنوع في الأرض المقدسة، 1995

الطريق 181، 2003

باسل أبو حمدة