الكتّاب والشعراء الحقيقيون يمتلكون أكثر من حياة وشخصية وهواية، بل إنهم متعددو المواهب، فلا يمكن أن تجد شاعرا أو روائيا حقيقياً لا يصلح إلا لكتابة الشعر أو عالما حقيقيا على قطيعة مع الأدب والفن. وتاريخ الأدب يكشف لنا عن عمق الأدباء الذين صهروا حياتهم بحياة المغامرة التي عاشوها.

فلوبير على سبيل المثال عندما ذهب إلى مصر كتب ثلاثة مجلدات عن رحلته إلى مصر وأندريه بريتون لم يكتف بالشعر بل لجأ إلى الرسم ليعبر عن فكرته السريالية. والأدب العالمي يزودنا بمئات النماذج والأمثلة عن اهتمامات وهوايات الأدباء والكتّاب والشعراء والفنانين. وقد يتساءل البعض لماذا كان الشاعر التشيلي الحائز على جائزة نوبل بابلو نيرودا مولعا بجمع القواقع حسب مجلة العلم والحياة الروسية وكان يمكن أن تبلغ 15 ألف قوقعة لولم يتوقف عن الاهتمام بهذه الهواية حتى أواخر لحظات حياته. وكانت القواقع بديعة وملونة ومتنوعة إلى درجة دفعت بمعهد معهد ثربانتس أن يقيم لها معرضاً فريداً من نوعه، تحت عنوان « حب البحر. قواقع نيرودا».

صحبته قراءة تسجيلية للشاعر يتلو فيها أشعاره التي تحاكي القواقع وأشكالها. وكان الشاعر التشيلي الشهير قد أهدى المجموعة الكاملة إلى جامعة تشيلي عام 1954، مشيرا إلى انه يعتز بها كثيرا لأنها كانت تمثل لديه «قصائد من الطبيعة». كان نيرودا مولعا دائما بالبحر، وأشار في مرات عديدة إلى مجموعة القواقع الهائلة التي قام بتجميعها والتي كانت تمثل له « دعوة مستمرة للتأمل في تشكيلاتها المبهرة». يُضاف إلى ذلك أنه كان باحثا في الرخويات البحرية. وقد اشتهر التشيليون بجمع القواقع من البحار والمحيطات وهم يشبهون أنفسهم بالأسماك.

ولكي نبقى في مدار الطبيعة، فيمكن أن نذكر استحواذ مصارعة الثيران على اهتمام الكثير من الأدباء والرسامين والمغنين والسينمائي. ومن يطالع سيرة حياة الأديب الأميركي إرنست همنغواي يجد أن حياته تشبه مصارعة الثيران التي كان يعشقها كرياضة ويعتبرها نموذجاً لمواجهة الإنسان للخطر وتحدي الموت. وأقام همنغواي صداقات عميقة مع مشاهير مصارعي الثيران وكتب عنها نصوصاً رائعة. فهو من عشاق الطبيعة لأنه كان يهوى صيد الغزلان والأسود والحيوانات البرية الأخرى. وقد شارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية وفي الحرب الأهلية الإسبانية (1936 - 1939). وأسس في باريس عام 1944 وحدة مقاومة ضد الاحتلال النازي، لكنه لم يكن جنديا مقاتلا في الصفوف الأولى بل موفداً خاصاً لتغطية تلك المعارك. أمضى همنغواي عام 1958 بصحبة مصارعي الثيران المقربين وكتب مقالة حول مصارعة الثيران في مجلة «لايف» الأميركية 1960.

وفي الرسالة كتبها إلى الشاعر الأميركي إزرا باوند، قال إن الثيران أفضل من النقاد الأدبيين لأنها لا تكتب عروضاً للكتب. إن تجربة همنغواي قد أثرت نصوصه الأدبية بالمعرفة وحدها، ولكنها لم تكن تدور عن مصارعة الثيران أو الملاكمة بوصفهما غاية، وإنما جعلها خلفية لرؤيته، وهما تدخلان أيضاً في نسيج أعماله وشخصياته.

وثمة ما يجمع بين بيكاسو وهمنغواي، على الأقل لناحية الإبداع وعلاقتهما بالنساء وحبّهما لمصارعة الثيران. كثيراً ما عبّر بيكاسو في لوحاته عن مصارعة الثيران ليس لأنه معجب كبير بمشاهدة هذه الرياضة.

جسّد بيكاسو أسطورة مصارعة الثيران من خلال رسمها بأساليبه المعروفة، ففي الأعمال التي حققها عام 1935 رسم علاقته بصديقته دورا، حيث يظهر الفنان بصورة المينوتور الذي يتحوّل نموذجاً ومرآة لبورتريه ذاتي متعدد الأشكال. وتظهر عشرات اللوحات من مجموعة بيكاسو مصارعة امرأة تواجه ثوراً على شكل رجل ثائر.

وقد استحضر لوركا مشهدية مصارعة الثيران إذ كان مشدوهاً بفكرة الموت التي يرى الحياة من خلالها. وكان موت صديقه المصارع أغناثيو سانجيث ميخياس جرحاً نازفاً على جسد قصيدته الشهيرة باسمه.

ومثلما عشق أميل زولا الأدب والكتابة وبرع فيهما، كانت هواية التصوير الضوئي تتسلل أيضاً إلى روحه ومثلما سجل الواقع الذي عاش فيه بالكتابة قام بتسجيله بالصور فكان يستمتع بالتقاط الصور ويظهرها بنفسه.

وقد اكتشف التصوير الضوئي عام 1888 بمدينة «رويان» عن طريق احد الصحفيين، فحازت هذه الآلة التعبيرية الجديدة إعجابه، وسعى من أجل اقتناء العديد من آلات التصوير، وبحث عن الجديد دوماً في هذا المجال، وكان يظهر أفلامه بنفسه ويجري التجارب على أنواع جديدة من الورق، وامتلك زولا عدداً من مختبرات التصوير.

وكان يهتم بإنجاز الصور المتسلسلة على شاكلة الانطباعيين حيث كان يقوم بتصوير المشهد نفسه في الكادر نفسه ولكن في فصول وأوقات مختلفة. ويرجع الفضل للفنانين التشكيليين الذين رافقهم زولا في شبابه في تعلم الكثير من الأشياء عن الضوء وتحديد كادر اللقطة وغيرها من الأمور الدقيقة.

وهكذا تتنوع هوايات الكتاب والأدباء خارج مهنة الكتابة ربما لكي تشحن قلم الكاتب وتزوده بمخيلة جديدة. ولذلك كان فكتور هيغو شغوفاً بالموسيقى. وقد استوحاها في أعماله وخاصة الموسيقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وكان من أكبر المعجبين بالموسيقار بيتهوفن واثنان من أشهر الموسيقيين في القرن التاسع عشر هما: بيرليوز وليزت. والأخير عزف لبتهوفن في منزله. وقد كتب هوغو رسالة لأحد أصدقائه على سبيل المزاح بأنه يشكر الصديق الموسيقار وليزت لأنه تعلم من دروسه كيف يعزف أغنيته على البيانو.

حتى لو كان العزف بأصبع واحد. وكما تأثر فكتور هيغو بالموسيقى، فهناك أكثر من ألف عمل موسيقي تم إستلهامه من أعماله، وخاصة مسرحياته التي نبذ فيها قواعد المسرح الكلاسيكي في صالح الدراما الرومانسية التي ألهبت مشاعر عدد من الموسيقيين وأعدوا نحو مائة أوبرا من رواياته ومسرحياته، وأبرز هؤلاء الموسيقيين: فيردي وبوشيلي وإيماني.

أما فلاديمير نابوكوف، الروسي الأصل والأميركي الجنسية، صاحب رواية «لوليتا» الشهيرة، فقد أحب في السابعة من عمره الفراشات، وكان في سن الحادية عشرة عندما أصبح عالماً بكل أنواعها.

وعندما أقام في الولايات المتحدة في الأربعينيات، كان يمضي فصل الصيف في الغابات يصطاد الفراشات. وقد ألف كورت جونسون وستيف كواتس كتاباً يشرحان فيه علاقة نابوكوف بالفراشات، كمبدع أحب الحياة الطبيعية ومتخصص في أنواعها وأحجامها وأشكالها. وقاما باستخراج فقرات عن الفراشات من مختلف رواياته.

فقد ألهمت الفراشات الكاتب لأن رواياته وأشعاره تتسم برقة وحبكة أجنحة الفراشة، فليس غريباً أن يكون مؤلف رواية «لوليتا» عاشقاً للفراشات. ويجد ولعه بالفراشات في كتابته عن الشخصيات الروسية المهاجرة سواء تحدث عنها بشكل مباشر أو اكتفى بالإشارة.

شاكر نوري

الشاعر العربي.. متعدد المواهب والهوايات

كان الشاعر العربي بحكم معيشته في الصحراء أول من تغزل بالحصان الذي يتمتع بمكانة رفيعة في الشعر العربي. ومن يتتبع الشعر الجاهلي وصدر الإسلام يجده طافحاً بذكر الصيد وأخباره. وهو أيضاً فارس يمتطي صهوة حصانه ويستخدمه للمعارك والنزهة، إضافة إلى ممارسته للرياضة من خلال الصيد عن طريق الصقور والكتابة الأشعار عن قوة الصقور وملكتها في الصيد.

نابوكوف.. صائد الفراشات

تعلم فلاديمير نابوكوف كيف يجمع الفراشات من والدته التي كانت عاملة في الحشرات، وأولع بها وبألوانها وأشكالها منذ عمر السابعة وحافظ على هذه الهواية حتى آخر لحظة من حياته

فكتور هيغو والموسيقى

كان فكتور هيغو شغوفاً بالموسيقى لدرجة كان يدعو الموسيقيين إلى لإقامة حفلات العزف في رحاب منزله.