إذا كانت الرواية هي فن الخروج عبر الذات إلى العالَم الواسع ومحاكاة الآخر بعد محاورته والتعايش معه كما يرى البعض، فإن هذه الرواية «أرجوكم لا تسخروا مني» تمثل ذلك المثال الناصع لهذا التعريف الموجز، خاصة وأنها تستند إلى الواقع من جهة وتتحدث عن فترة من حياة فتاة وهي لمّا تزل في مرحلة الدراسة الأولى من جهة ثانية وتتعرض إلى الكثير من النبذ والإيذاء قبل أن يتكامل وعيها لتصوّب قراراتها وتصرفاتها، ومن هنا أيضا تنبع أهمية هذه الرواية في ارتدادها نحو الذات.

فمؤلفة الرواية الأميركية جودي بلانكو تتحدث عما تعرضت له من اضطهاد وسخرية وضرب مبرّح من أقرانها المتنمرين في المدرسة فتيانا وفتيات حتى أنها عبرّت عن تلك الصورة قائلة: «لقد دمروا ثقتي بنفسي لدرجة تطلب عشرين عاما للكف عن بغض ذاتي». وهو ما جعلها تعزف حتى عن النظر إلى المرآة لأنها كانت تشمئز من نفسها. تبدأ أحداث الرواية لتتحدث جودي عن نفسها حين عاشت مراهَقَة مرتعبة دون أن تقترف ذنبا محددا. وها هي تجلس في سيارة مستأجرة لتقابل زملاءها في المدرسة الذين اضطهدوها قبل عشرين سنة من تلك اللحظة بعد دعوتهم لها، وهي لمّا تزل مخضبة بالجروح والكدمات التي ما زالت تختبئ في داخلها رغم محاولاتها المستمرة عبر هذا الزمن الطويل نسيان المرارة والحزن والوحدة التي طاردتها.

ورغم محاولاتها أن تبقى جريئة وقوية من الخارج إلا أن الاحباط كان يغلفها ويشعرها بحالة من اليأس حتى أنها لم تستطع مغادرة السيارة فور وصولها إلى الفندق المقرر الاجتماع فيه بزملائها القدامى، فظلت تنتظر طويلا لعلها تستعيد شجاعتها والتغلب على الخوف المرعب في داخلها.

فجودي وحيدة أبويها اللذين ربياها على المصارحة وزرعا فيها الإيمان وإحساسا قويا بالصواب والخطأ فضلا عن التسامح والاستقلالية في التصرف والتفكير، كانت تعيش حياة طبيعية وتعقد صداقات مع أقرانها من الفتيات والفتيان.

حالمة أن تكون محبوبة بينهم، وتعيش لحظات من السرور حين تتلقى الدعوات لحضور حفلاتهم بين حين وآخر، تتفاجأ بتعثر كل شيء نتيجة لردود أفعالها الطبيعية في محاولة تصويب أخطاء زملائها وعدم الانجرار وراء عبثهم، وهو ما كان له أكبر الأثر في أن تكون منبوذة بينهم فيما بعد وكلّفها غاليا عبر سنوات طويلة.

كانت أبرز تلك الحوادث حين كانت مدعوة إلى حفلة صديقتها كالي، وكانت سعيدة أن تدعى إلى حفلة لم يدعَ لها بعض المنبوذين في المدرسة غير أنها سعادة ممزوجة بالمرارة نتيجة لذلك، خاصة وأنها مرّت بفترة من النبذ والإحساس بمرارة فشلها الاجتماعي والاضطرار إلى الانتقال من مدرسة إلى أخرى لتجاوز كل ذلك.

هناك وجدت خمسة عشر فتى وفتاة يلعبون لعبة التعرّي بعد أن أوصدوا الأبواب كي لا يشعر بهم الكبار، وهي لعبة يجلسون فيها جميعا متربعين على شكل دائرة ويقومون بتدوير قنينة في الوسط وحين تشير القنينة بعد توقفها إلى واحد منهم يقوم بنزع قطعة من ملابسه، وبتكرار العملية يزداد التعري حتى آخر قطعة من الملابس!

هنا أسرعت جودي إلى الاتصال بأمها باكية لكي تأتي وتصطحبها ورجتها ألا تخبر أحدا، ولكن أمها سارعت بعد معرفة ما جرى إلى إخبار أم كالي وتمكنت الأخيرة من مداهمة المكان والإمساك بالجميع متلبسين.

عُوقب العديد منهم بقسوة من قِبل أهاليهم بسبب سلوكهم في حفلة كالي وحمّلوا جودي الواشية اللوم وقرروا نبذها والانتقام منها، إن التحول من فتاة محبوبة إلى فتاة منبوذة كان بمثابة صدمة، وجودي التي باتت تشعر بالوحدة خائفة من إخبار أهلها بما يجري خشية أن يرسلوها مجددا إلى الطبيب النفساني.

كما حدث من قبل، وهي مترددة في إخبار الأساتذة خشية أن يعاقب زملاؤها فيتكرر إيذاؤهم لها بشكل أكبر. تسبب لها ذلك بآلام معدية دائمة وبحالة من اليأس والضياع حتى تمنت الموت، وبات الأمر مع تكرار إيذائها أكبر من أن يستتر عن الكبار.

وقبل بداية المرحلة الثانوية لجودي اصطحبها والداها إلى الجزيرة البركانية سانتوري في اليونان أملا في أن يساهم ذلك في تحسن حالتها النفسية، وهناك صادفت العديد من الأصدقاء الذين انسجمت معهم حتى أنها جاهدت في تعلم اللغة اليونانية لتتواصل معهم، غير أنها كانت تعاني من مشكلة أخرى مع نموها فقد كان أحد ثدييها مشوها ويبلغ خمس الحجم الطبيعي مما جعلها تتردد في إقامة صداقات حميمية.

وظلت تعاني نفسيا حتى إجراء عملية تجميلية له خلال المرحلة الجامعية، وهو ما حاولت إخفاءه عن الآخرين أثناء حصص السباحة، غير أن الأمر سرعان ما انكشف فكانت موضع سخرية الآخرين مما ضاعف لها المعاناة، وظلت تحلم أن تكون محبوبة ولو ليوم واحد وان «لا يسخر منها زملاؤها».

هكذا كانت الذكريات التعيسة تصاحبها طويلا.. وهكذا هي تستعيدها الآن وهي جالسة في السيارة لا تجرؤ على مغادرتها، تتذكر أفعالهم وأقوالهم الجارحة:«اذهبي إلى الجحيم» فقد شفيت الكدمات والجروح الجسدية غير أن الجروح النفسية ظلت بليغة كامنة هناك في اللاوعي.

الكتاب: أرجوكم لا تسخروا مني

تأليف: جودي بلانكو

ترجمة: مركز التعريب والبرمجة

الناشر: الدار العربية للعلوم

الصفحات: 295 صفحة

القطع : المتوسط

Ple se Stop Laughing At Me Jodee Blanco

Adams Media 2003

p.295

كريم السماوي

Sama5678@yahoo.com