في الزاوية يحضر العالم دائماً على صعيد انتماءاتنا وعلاقاتنا، وإن كنا نتجاهل، بضرب من الاستعراض، ما يشدُّنا إلى القاعدة وليس السطح بداية، وذلك في انتمائنا الأرضي، حيث الأرض في مقاسمها، إن جاز التعبير، تعيش تداخل أسمائها ومسمياتها.

بين المعنَيين: الهندسي والدلالي للزاوية، يمكن النظر في الخطوط التي تنطلق منها، وترتبط بها، حيث إن كلاً منا، مهما أبدى انفتاحاً واستعداداً في التواصل مع محيطه، يسمّي زاوية تعنيه، أو تكون هناك زاوية تشير إليه.

إن قدرة كل منا على النظر تظل عائدة إلى زاوية جغرافية ومعرفية واعتبارية، يستحيل التحرر منها، بالرغم من أننا نكاد نتفق جميعاً على ضرورة عدم الانزواء، على عدم الركون إلى الزاوية، على توسيع حقل الرؤية، ومكاشفة العالم في أبعاده المختلفة، رغبة في تعميق التفاعل الجمالي والنفسي والوجداني، لكن ذلك لا يعني زعم الخروج من الزاوية، من زاوية ما.

إن ما يُشكِل على الإنسان هو ادعاؤه أنه منفتح، يرى الأمور على حقيقتها، بينما السلوك الذي يخصه يظهر مدى ارتباطه بزاوية، وهي في تفاوت درجاتها، أي مساحة الرؤية الإجمالية لها.

لا مناص البتة من التعبير من خلال زوايا نتقاسمها أو تعرّف بمواقعنا الثقافية والاعتبارية، وما في الرجوع إلى الزاوية، من اختلاف وخلاف في وجهات النظر، أو من سوء فهم لها، حيث الزوايا تظل نقاط رصد لنا للعالم الذي نعيش أو نتحرك فيه.

حيث إن عالمنا نفسه ينقسم إلى ما لانهاية له من الزوايا، كون الزاوية الواحدة تبقى عصية على التثبيت، إزاء سلسلة تحولات الإنسان ومستجدات الواقع، وما الإبداع إلا هذا الائتمان النفسي كما هو الفكري إلى العالم من خلال زاوية تتحدد، وتتعمق، لا يتردد أحدهم في بث صوته، وتعزيز حضوره القيمي من خلالها، خلاف ما يشار إليه بالإنزواء الذي يستشرف حالة تجميد قوى الذات، وإدارة الظهر إلى العالم.

الزاوية في مفهومها الثقافي تنتمي نقطة إحداثية، إلى بقعة أرضية، إلى مثلث ما، حيث توجد بغيرها، وليس بذاتها، فهي التي تتجلى مشمولة بسواها، تكون في الداخل، وتتجه صوب الخارج، وتلك حالتنا، عندما نتبصر الأشياء، أو نمعن النظر فيها، أو نمارس إبداعاً، أو نتحاور فيما بيننا، مؤكدين ضمنياً زوايانا التي تتجاور أو تتحدد في جهات مختلفة، ولو أنها واقعة في ذات الجهة، عندما تكون آراؤنا متقاربة، فلا يكون تطابق كامل فيها.

حيث تكون الزاوية الواحدة لاتناهي الدرجات، والدرجة الواحدة تظل قابلة للتنوع في نسبتها المئوية( الزاوية الحادة الممتدة بين ما يلي الصفر وما دون التسعين، وكل درجة تشهد تجزؤات ولو بنسبة مئوية أو ألفية وما فوقها، من ناحية الدقة، وعلى صعيد انتشارنا الكوني) لنكون تنسيباً حرَّاس الزوايا والمعنيين بها والمنطلقين منها.

في الزاوية يحضر العالم دائماً على صعيد انتماءاتنا وعلاقاتنا، وإن كنا نتجاهل، بضرب من الاستعراض، ما يشدُّنا إلى القاعدة وليس السطح بداية، وذلك في انتمائنا الأرضي، حيث الأرض في مقاسمها، إن جاز التعبير، تعيش تداخل أسمائها ومسمياتها، في زواياها المعلومة( الحادة- القائمة- المنفرجة- الكاملة)، وواقعاً يستحيل التأكيد على ما نحن عليه جهةَ الزاوية دقة ووضوح اسم.

بما أننا نعيش حراكاً جمالياً وثقافياً وتنافساً حول المعنى الواحد نفسه، فتكون الزاوية الواحدة غير ثابتة حتى في جزئها المسمَّى، إنما الافتراض هو الأقرب إلى الصواب، إن راعينا حقيقة النسبي والنسبية فينا وفي عالمنا، وما تكونه الزاوية في حقيقة واقعها الذي لا يُتحكَّم فيه.

إن المتردَّد هنا ليس درساً في الزاوية وحواراً حولها، إنما سعي إلى رفع النقاب ولو قليلاً عن وجه من وجوهها، مكاشفة لذواتنا وهي في صراعها الحيوي والفكري: الذاتي والموضوعي، وخطوط الزوايا المشغولة بها.

إن ما يعزى من إشكالية إلى مفهوم الزاوية، وهي في الطرف الآخر خارجاً، ينصبُّ علينا، بقدر ما يميط اللثام عن الكثير من الشطط الذي نحياه، لحظة التفكير في موضوع ما، أو الكتابة فيه، ناسين أو متناسين استقلالية الزاوية عنا، وعن اعتباراتنا التي لا يحاط بها، ليس لأنها ثرية، وإنما لأنها تتعالى على مواقعها، بقدر ما تنحّي الزاوية جانباً.

كما لو أن الزاوية سبَّة أو نقيصة أو قيمة سلبية، فما يميُّزنا ليس كوننا ننطلق من زوايا ضيقة( وهذا المفهوم ينسّبنا إلى الزاوية الواحدة وقد تكاثرت إحداثياتها!)، وإنما كوننا نرفض ربطنا بها، حتى لو بدت الزاوية كاملة، عبر رفض الاسم( الزاوية)، وما في ذلك من إساءة فهم العالم وعم يسنده ويشغله، وعم يغذّينا فيه.

إن عظمة الرؤية الفعلية وهي تقدح في مداها المجدي، وصداها الأثير، ترتكز إلى الزاوية، وما في مضمارها من تجليات الدهشة الضامنة لإبداعنا الإنساني وعمق حضورنا الكوني والوجداني، فأن أكون المعرَّف به من خلال زاوية ما، وامتدادها العمقي داخلاً وخارجاً، هو الشرط الرئيس لتقديمي للعالم ذاتاً مفعمة بروح العالم، كما هو الحديث الجاري عن العالمية وربطها بالمحلية، لكأن العالمية هي حصيلة انصهار زواياها الكونية في الصميم!

إبراهيم محمود