كانت الطبيعة بشكل عام، والريف بشكل خاص، موضوعاً أثيراً للفنون البصريّة، وبالتحديد للفنون التشكيليّة والتصوير الضوئي.
فقد عالج هذا الموضوع عدد كبير من التشكيلييّن والمصورين الضوئيين في أعمالهم المختلفة التقانات، مؤكدين عبره، الجماليات الوديعة، الهادئة، المريحة التي يمثلها الريف: طبيعةً وإنساناً وعمارةً وحياةً. تتنوع المظاهر الطبيعيّة في الريف، تتنوع طبائع وعادات وتقاليد، أنسانه، وتالياً طرائق التعبير الفني عنها، وفقاً لخصائصها ومقوماتها المتفردة والمختلفة من منطقة جغرافيّة (جبل، سهل، بادية، ساحل) إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر أيضاً، ذلك لأن لكل ريف في العالم، فرادته وعاداته وتقاليده الخاصة به، رغم وجود قواسم مشتركة عديدة، بين أرياف العالم وسكانها، تمثلها جملة من العادات والتقاليد والمفاهيم والقيم التي تأتي في العادة، رداً على البيئة، وانعكاساً لها، وتوافقاً وانسجاماً مع خصائصها ومفرداتها.
مبررات وأسباب... ما جعل الريف وطبيعته، يستأثران باهتمام الرسامين والمصورين الضوئيين، التعقيد الذي لحق بالمدينة الحديثة، رغم ما أوجده العلم وتطور التكنولوجيا لسكانها من وسائل حياتيّة كثيرة ومتنوعة، سهلت لهم التعامل مع مرافق الحياة اليوميّة المختلفة، ، لكنها بالمقابل، أسدلت الستار على جوانب إنسانيّة كثيرة ومهمة، تأتي في مقدمتها: البساطة، العفويّة، ومباشريّة التواصل مع الطبيعة المكتنزة على متع نقيّة، وجماليات رفيعة، تحتاجها روح الإنسان وأحاسيسه وجسده.
هذه الجماليات التي أسدل الستار عليها أو يكاد، عصرنا البلاستيكي البارد المحكوم بالعطالة الفكريّة والجسديّة والخواء الروحي، لا يزال الفنان عموماً، والفنان التشكيلي خصوصاً، يناضل من اجل بقائها حيّة، متوهجة، ومتألقة، من خلال الكشف عنها، والتدليل عليها، والتذكير بها وبأماكن تواجدها، والمظاهر التي تتبدى من خلالها، وفي مقدمتها الريف الحنون، الوداع، والطبيعة المتحولة والمتجددة من فصل لآخر.
مخدة الرأس المتعب
فالريف بصورته النقيّة، البسيطة، الوادعة، مساحة تتنفس من خلالها الروح، كلما انتصبت حولها الجدران، وافتقدت الضوء والهواء النظيفين، ويأوي إليها القلب، كلما تكاثرت عليه الهموم والمشاكل والضغوط.
إن الحياة الهادئة، النظيفة، المفعمة بالعافية وراحة البال، وروح التعاون والألفة والمحبة بين الناس، والمنسحبة تدريجياً من حياتنا المعاصرة، اكتنزها الريف كما اكتنزتها المدينة، في الزمن الجميل الهارب بنا وبأعمارنا، نحو النهاية.
غير أنها في الريف، تفردت بطعم خاص، ونكهة متميزة، بسبب التصاق حياة الريفيين المباشرة والواسعة بالطبيعة، ومراقبتهم الدائمة لحركة الحياة وتبدلاتها التي تحملها بين أعطافها الفصول.
ففي الريف، يبقى الإنسان أكثر إدراكاً وملاحظة لتحولات الطبيعة في الفصول، وبالتالي أكثر استمتاعاً بها، كونه يعيش في المحرق من عملية التحولات هذه، التي لا يدرك عمقها وسحرها وسعاداتها المتلونة، سوى الفلاح اللصيق بالأرض، والمراقب الدائم لما يطرأ على موجوداتها من تبدلات وتغيرات خلال تعاقب الفصول عليها، ومنعكسات ذلك، على الإنسان والحيوان المرتبطين جسداً وروحاً، بهذه التحولات.
بناءً على هذه الخصائص والمقومات التي ينفرد بها الريف، شكّل ومازال، منتجعاً لكل عليل الروح والجسد، وفضاءً رحباً مفعماً بالسرور لكل كئيب حزين، ومناخاً ممتازاً لتفتح الموهبة، وانهمار الإبداع، وعطاء الفكر. ففي الريف، يركن الشاعر بعمق إلى ملهماته، ويتفرغ الفنان لتأملاته، والفيلسوف لأفكاره التي تتناول الحياة وما ورائها، والعالم لاختراعاته ونظرياته.
الريف وطبيعته المتحولة، مخدة للرأس المتعب، وفضاء للروح المأزومة، وملاعب فساح للقلب العليل. فيه تتألق شلالات الضوء، وتهب نسائم الحقول مضمخة برائحة الأرض والزرع ورذاذ الغيوم النظيفة، وتأخذ الألوان المبهجة السعيدة مداها. نلوذ إليه كلما دقت حلوقنا غصة، وتراكم الصدأ فوق أحاسيسنا، وغطى الرماد جمر حياتنا الهاربة إلى النهاية، بسرعة عجيبة.
طغيان التكنولوجيا
ولأن التكنولوجيا (بمظاهرها المختلفة) باتت تتحكم بحياة الإنسان المعاصر، فصار يعيش ويعمل ويتحرك ويلبس ويأكل ويشرب ويحب، من خلال معطياتها ووسائلها التي طاولت منزله، ومكان عمله، ووسائل نقله، ووصلت إلى صناعته وزراعته وثيابه... وحتى عواطفه، الأمر الذي خلق حالة من العزلة القاسية بينه وبين الطبيعة والبساطة والرومانسيّة اللازمة له، لكي يتوازن مادة وروحاً.
هذا الطغيان التكنولوجي على مرافق الحياة اليوميّة للإنسان المعاصر، جعلها باردة، معطوبة، قاسية، موحشة، خاوية، وبائسة. ولأن الطبيعة بخاماتها وموادها وعناصرها البسيطة، الجميلة، المتحولة، والمتجددة دوماً، من أبرز وأهم المظاهر التي توفر للإنسان الراحة الجسديّة والنفسيّة.
وتعيده للحضن الحنون الذي جاء منه وإليه يعود، يحاول هذا الإنسان، تمتين علاقته بها وبأشيائها البسيطة المريحة، وإدخالها إلى مرافق حياته اليوميّة. إلى المسكن، ومكان العمل، وقضاء وقت الفراغ، واللهو، والإجازات، والمطاعم، وكل مرفق قادر على أن يحتضن شيئاً من الطبيعة، أو رجعاً منها.
الأم الحنون
وللتحايل على البرودة والقسوة التي تسم معطيات التكنولوجيا (رغم أنها سهلت إلى حد كبير حياة الإنسان ويسرتها) أخذ الإنسان المعاصر يوثق علاقته بالطبيعة، ويُدخل مظاهرها المختلفة، ممثلة بالورود والنباتات والأشجار القزميّة، إلى المنازل وشرفاتها وأسطحها، وإلى الشوارع والساحات وأماكن العمل واللهو... الخ.
ولأن سطوة التكنولوجيا في الدول المتطورة، أكثر انتشاراً وقوة وتأثيراً على الإنسان منها في الدول الفقيرة النامية أو في طريقها إلى النمو، يسعى إنسان هذه الدول جاهداً، لخلق بدائل أو وسائل جديدة، تُعيده إلى الحضن الحنون :الأرض والطبيعة( بيته الأول) منها ظاهرة (بيوت نهاية الأسبوع) التي يقيمها في ضواحي المدن الكبرى: في الغابات، وعلى ضفاف الأنهار، وفي الأمكنة التي لم تنتهكها بعد، اليد الطويلة للتكنولوجيا القاسية والباردة.
في العادة، تُبنى هذه البيوت، من مواد بسيطة، وخامات طبيعيّة، وتصميم عفوي، تُحيط بها حديقة، وتقتصر موجوداتها على الحاجات البسيطة القادرة على تيسير أمور الحياة اليوميّة، بعيداً عن مظاهر التكنولوجيا الحديثة كالتلفاز والانترنت، وإنما تقتصر موجوداتها، على الكتب، والموسيقا، ووسائل الأكل والشرب البسيطة.
من خلال هذه البيوت المتواضعة المشابهة لبيوت الإنسان الأول، يحاول الإنسان المعاصر، تمتين علاقته بالأرض والطبيعة البكر، وبالبساطة التي وحدها توفر لروح الإنسان، الفضاء الرحب للتحليق واستعادة توازنه المادي والروحي، لا سيما بعد أن أخلت به المادة، وكلسته العادة، وأصابته الميكنة ببرودة قاتلة، وانتهكته الحروب والكوارث والأزمات والجشع.
البحث عن العتيق
من مظاهر تمتين علاقة الإنسان بالطبيعة، قيامه بتطريز عمارته السكنيّة والخدميّة بالأزاهير والنباتات والأشجار، وإدخال المظاهر الطبيعيّة المختلفة إلى نسيج العمارة المعاصرة بأكثر من شكل وصيغة، منها استخدام الحجر الطبيعي في كسوة دواخل البيوت، بعد أن يتم تشذيبه بحيث لا يؤذي عند الاحتكاك به، وتكحيله بطبقة طينية بسيطة تظهر تشكيلاته العفويّة غير المنتظمة، وهذا الحجر كان مقتصراً في السابق على الجدران الخارجيّة للمنازل والعمائر.
كما بدأ الخشب يعاود دخوله إلى البيوت ليطول الأدراج والزوايا والشرفات والدرابزونات وحتى الأسقف.
كما بدأت الأدراج الداخليّة، تُنفذ من الحجر المكحل بالطينة أو من الاسمنت (البروت) أي غير المكسي بالطينة، وثمة جدراناً كاملة، تُترك في البيوت منفذة منه ومطلية بطبقة شفيفة من الطلاء الأبيض، ليحافظ على اللمسة العفويّة التي جاءت مع عملية صبه، ودون إدخال الطينة عليه أو معجنته.
وكل هذا بهدف المحافظة على لمسة طبيعيّة، تريح النظر، وتتغلغل في الإحساس والشعور، وحتى الطينة، أصبحت تُترك خشنة، حاضنة لتأثيرات الأصابع الإنسانيّة التي مدتها فوق الجدار، وهي إما منفذة من الإسمنت، أو من الخلطة القديمة التي كانت سائدة في بيوتنا العربيّة، والمؤلفة من التبن والتراب، بعد معالجتها لمنحها خاصية الديمومة والمقاومة والعزل الجيد للحرارة والبرودة.
وثمة ظاهرة لافتة للانتباه هذه الأيام تتمثل ببحث الإنسان المعاصر، وبإلحاح، عن العتيق الجميل من الأشياء، وإدخاله إلى الشقق والبيوت الحديثة، عله يستعيد من خلاله، عالماً حنوناً وبسيطاً، عاش جانباً منه، برفقة الأهل والأحبة الذين غادروه، ومعهم غادر زمن جميل كان يرفل بالألفة، والعافية، والمودة، والحب الحقيقي، والخير، رغم صعوبة الحياة وضيق ذات اليد التي عانى منها الناس في تلك الأيام.
ولأن الزهور والورود والنباتات والعرائش والأشجار ومناهل المياه، من أبرز المظاهر المريحة والمنعشة لعين الإنسان وروحه وأحاسيسه، فقد تفنن الإنسان المعاصر بإدخالها إلى بيته ومكان عمله، وإلى الشارع والساحة وكل مكان يرتاده.
كما بدأ يستعمل وبكثرة، المواد والخامات التي استعملها والده أو جده، في إنجاز مسكنه، كالخشب العتيق، والحديد المشغول يدوياً بطريقة الطرق والتجميع، مع الحرص الشديد على تشكيلات وألوان الخشب الطبيعيّة القادرة على إعادة العين التي تقع عليها، إلى مرجعياتها التي جاءت منها وهي الطبيعة.
كما بدأنا نلاحظ، قيام العديد من الناس في بلادنا العربيّة، بحفر الآبار، وإعادتها إلى باحات البيوت، وأركان الحدائق، بشكلها البسيط، وربطها بوسائل ضخ الماء يدوياً، وإكسائها بالحجر الطبيعي، وإقامة أحواض الورود والأزاهير بنفس الأسلوب والطريقة العفوية، والتأكيد على النوافذ العتيقة، وأبوابها الخشبيّة، والقناطر، والأركان الحميميّة داخل البيوت.
بمعنى آخر: يحاول الإنسان المعاصر، بشكل أو بآخر، استحضار جماليات الماضي الحاضنة للمسة الإنسان الحانيّة، بدائيته الوسيمة، وتأمين كل ما يمكنه ربط حياته، بالأرض والطبيعة، بعيداً عن مظاهر الميكنة التي لوثت جسده وروحه.
عودة الإنسان المعاصر، لمنح عمارته ووسائل عيشه المختلفة، المظاهر البسيطة، محاولة لخلق الفضاء المناسب، لانطلاق الروح، وترطيب الإحساس، وهدم الحصارات التي أقامتها التكنولوجيا في حياته، وهي محاولة لم تعد ترفاً، ولا نوعاً من البحث عن الجديد والطريف، وإنما باتت حاجةً وعلاجاً لجسده وروحه في آنٍ معاً.
مهمة ملحة
يجب على الفنون البحث عن أوجه الحياة الجميلة والشهية وإبرازها، والتأكيد عليها، من أجل تخفيف سطوة الميكنة وقسوتها على أحاسيس الإنسان المعاصر وروحه، وبالتالي تقديم أسباب دائمة له للحياة وحب الحياة.
العتيق الجميل
يسعى الإنسان المعاصر، للبحث عن الأشياء العتيقة المرتبطة بالزمن الجميل وإدخالها إلى الشقق والعمائر الحديثة، بهدف الاستعادة بها ومن خلالها، عالماً بسيطاً وحنوناً، عاش جانباً منه برفقة الأهل والأحبة الذين غادروه.
أبيض وأسود
رغم ما أوجده العلم وتطور التكنولوجيا، من تسهيلات ومزايا للانسان المعاصر، إلا أن الاستخدام المفرط وغير المدروس لمعطياتهما، أصاب روح الإنسان بالخراب، ولوّن حياته بالكآبة، وأقام حصارات كثيرة حول قلبه.
د. محمود شاهين



