وسط الحديث عن الكتاب كصناعة ثقافية تضيع نظرتنا الموضوعية إلى الكتاب المدرسي العربي الذي يعد الأوسع انتشاراً والأكثر حضوراً في معظم البيوت العربية، ولا تكاد تخلو ذاكرة أحد من شكل لكتاب أحبه أو احتفظ به لفترة طويلة، أو زينه بصورة أو نسي بداخله ورقة فيها دفء الصبا، ولربما في ذاكرتنا أيضاً ملامح لكتاب مزقته أصابعنا ذات يوم.

تعكس الكتب المدرسية فلسفة المناهج التعليمية العربية، كتب مليئة بالتاريخ الذي يرى ـ مؤلفوها ـ أنه حاجة ضرورية ليتذكر الطلبة ما فعله الأجداد في غابر العصور، تاريخ فيه الكثير من الوعظ والتوجيه، وتعكس الكتب كذلك آلية استظهار الأبجدية عن ظهر قلب، فيما كان التلاميذ الأوروبيون والأميركيون ينشدون أبجدياتهم أناشيد مثلما تلقوها صغاراً. ينسى تلامذتنا ترتيب أبجديتهم وهم يغوصون في دراسة التاريخ، إلا أنهم ما كانوا ليتذكروا ما درسوه لسنواتٍ بعد امتحاناتهم الرسمية.

بنية الكتب العربية من حيث هي صناعة لا تدفع التلميذ للاحتفاظ بها لمدة طويلة فهي رقيقة الأغلفة صفحاتها تُجمع بالصمغ بينما الكتب الأميركية أو الأجنبية قاسية الأغلفة، وصفحاتها مجموعة بواسطة الخياطة، وهذا يعني أن الطلاب الأميركيين كانوا قادرين على الاحتفاظ بكتبهم المدرسية إلى أمدٍ بعيد، في حين تتساقط أوراق الكتاب العربي ابتداءً من منتصف السنة الدراسية فضلا عن إدخال مادة الكلور في صناعة الورق ليظل أبيض ناصعاً رغم مضار تلك المادة الكيماوية على البيئة.

في صناعة الكتاب المدرسي لا يقف الأمر عند الشكل الفني إذ ان الكتاب يساهم فيه مؤلفون ومعدون ومشرفون ومحررون يتمتعون بسمعة وافرة من الحصافة وسعة المعرفة، ويستندون إلى تاريخ طويل من العمل في الميدانيين التربوي والعلمي ويفترض أن تذكر الكتب ذلك في الصفحات الأولى، لكن معظم الكتب المدرسية العربية تتجاهل ذلك، أو تتعمد إلا تضع تعريفاً لفريق معدي الكتاب، لأن بعضهم لا يملك الخاصية التي تؤهله لتأليف كتاب مدرسي.

نظرتنا للكتاب المدرسي يجب أن تتغير في ظل التحول الكبير الذي طرأ على شكل المعرفة وأساليب تدفقها، ليس تقنياً فحسب، ولكن فلسفياً واجتماعياً، إذ لم يعد يكفي أن نتفحص مناهجنا التعليمية بشكل سياحي لإعداد المقترحات ورفع التقارير، وهو ما يحتاج من المؤسسة الحكومية العربية أن تضاعف ميزانية التعليم أكثر من مرة وعاماً إثر عام، حتى نكون قادرين مستقبلاً على ترك بصمة في كتب التاريخ يقرؤها الأحفاد بفخر، كما نفعل الآن بأجدادنا.

hussain@albayan.ae