«هل حاولت، وفشلت، لا يهم، حاول مرة أخرى، وافشل مجددا، أفشل بصورة أفضل»، قول للكاتب الروائي والمسرحي والشاعر الأيرلندي صموئيل بيكيت، الذي فاز بجائزة نوبل عام 1969 عن أعماله الروائية والمسرحية، والذي يعتبر من أهم كتاب الأدب الحديث في القرن العشرين، وممن كتبوا باللغتين الفرنسية والانجليزية عما فعلته الحرب العالمية الثانية بالبشر في أوروبا.
ولد بيكيت في 13 أبريل عام 1906 في دبلن، وكان منذ صغره متفوقاً في دراسته ومهتماً بالرياضة، في الجامعة درس اللغة الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، ثم حصل على شهادة البكالوريوس عام 1927. وعمل في التدريس بعد تخرجه، ثم انتقل إلى باريس ليعمل كمدرس للغة الانجليزية، وهناك التقى بالكاتب والشعر الأيرلندي الكبير جيمس جويس (1882 ـ 1941)، والذي ساعده في أعماله من خلال قيامه بالبحوث، منها كتاب «يقظة فينيغان»، لتربط بينهما بعد ذلك صداقة وطيدة على الصعيد الأدبي والعائلي. ثم عاد إلى دبلن عام 1931 ليحصل على شهادة الماجستير.نشر بيكيت أول كتاب له عام 1929 وحمل عنوان «دانتي.. برونو، فيكو.. جويس»، وفي العام ذاته نشر أيضا قصته الأولى بعنوان «الافتراض»، ولتفوز قصيدته «هوروسكوب» بجائزة أدبية عام 1930.
سافر بعد ذلك في أرجاء أوروبا واستقر في لندن عام 1933 ولمدة ثلاثة أعوام. واستقر منذ عام 1938 في فرنسا التي أصبحت وطنه الثاني. وقال آنذاك، «فرنسا في الحرب ولا أيرلندا في السلم». وقد انضم إلى المقاومة الفرنسية بعد الاحتلال الألماني، ونال العديد من الأوسمة تقديرا لدوره الوطني.
يمكن رصد نتاجه الأدبي عبر ثلاثة مراحل، تغطي المرحلة الأولى كتاباته المبكرة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، والمتوسطة التي تحمل أفضل نتاجه الإبداعي حتى عام 1960 التي ركز فيها على مواضيع الفقر والنفي والخسارة من خلال أناس مغمورين، والثالثة حتى وفاته في 22 ديسمبر عام 1989 في باريس، حيث باتت كتاباته أكثر اختزالا وأسلوبه اقتضابا، لتصبح نصوصه أشبه بالبرقيات، وكتب خلالها للإذاعة والتلفزيون والسينما.
أعماله في المرحلة الأولى متأثرة بالأديب جيمس جويس وتعكس ما تعلمه، حيث كانت أول رواية له «حلم عادل لامرأة ناضجة» عام 1932، ثم تبعها بمجموعة قصيرة عام 1933 بعنوان «وخزات أكثر من ركلات»، لينشر ديوان قصائده «صدى العظام وانفعالات أخرى» عام 1935، ومن ثم روايته «مورفي» التي نشرها عام 1938.
أما المرحلة الثانية، فتتمثل في لقائه مع والدته بعد عودته في زيارة خاطفة إلى أيرلندا عام 1945، حيث كان للجدال الحاد بينه وبينها، وطرح بيكيت لكل ما يعتمل في داخله تأثير كبير عليه، حيث أدرك بعد خروجه من البيت، أن عليه كتابة ما هو نابع من عالمه الداخلي.
وقدم خلال الخمسة عشر عاما بعد الحرب أهم أعماله، منها على صعيد المسرح «في انتظار غودو» عام 1952، التي حققت له شهرة عالمية لدى عرضها عام 1953، وفتحت شهيته على الكتابة المسرحية ليقدم، «آخر شريط لكراب» 1958، و»نهاية الحفلة» 1960.
وأهمها على صعيد الرواية ثلاثيته، «مولي» عام 1951 و«كل الذي سقط» عام 1956 و«الغير مسمى» عام حيث يتلاشى في الجزء الأخير الإحساس بالزمان والمكان، ليبقى الصراع بين أصوات مدفوعة إلى البقاء للإحساس باستمرارية وجودها.
لوصف أحداث رواية «مورفي» يعني وصف محاولات بطلها مورفي لتفادي حدوث أي شيء، ومحاولات الأطراف الأخرى في حدوث شيء له، لتدور الأحداث بين لندن ودبلن.
يعيش مورفي على مبدأ أقل ما يمكن من المشاركة في أحداث العالم الخارجي، فطموحه الأكبر يتمحور حول جلوسه على كرسيه الخيزران الهزاز، والتأرجح حتى يصل إلى حالة من التأمل يتحرر فيها العقل من أسر الجسد، ليحلق بخياله بعيدا.
وعلى الرغم من غرابة طباعه وشخصيته الرمادية، كان محبوبا من قبل النساء. أما الأطراف الأخرى، فموزعة بين دبلن ولندن؛ ففي دبلن هناك الآنسة كوينهان خطيبة مورفي، وأستاذه السابق نيري، وويلي تلميذه، وفي لندن الشابة سيليا التي تجبرها الظروف على العمل كبائعة هوى.
بالإضافة إلى كوبر الثمل دائما، والذي تستأجر الخطيبة خدماته لمساعدتها في البحث عن مورفي، الذي ذهب إلى لندن بحثا عن عمل في شركة مرموقة، ولم يعد.في لندن، يغرم مورفي بسيليا من النظرة الأولى وهي كذلك.
وتبني سيليا على مورفي آمالا كبيرة وتحمله أحلامها، وتدفعه للبحث عن عمل نزيه كي تعتزل مهنتها ويتزوجا، إلا أن مورفي كان يرى علاقته بها من منظور فكري، يتمثل في الصراع بين حاجة الجسد التي تكبل العقل، والتحرر من سلطته، وترجم ذلك من خلال عشقه وكراهيته لسيليا في الوقت نفسه.
وما إن يجد عملا كمناوب ليلي في مصحة عقلية حتى يتركها لتعود إلى مصيرها. ويعيش مورفي في عالمه المثالي بين الأرواح اللطيفة؛ فمن خلال ذلك المكان حقق انتماءه دون ارتباط. أما لعبة الشطرنج بينه وبين المريض إيندون، فكانت تبدأ كل صباح وتنتهي دون أية حركة من قبل الطرفين. فالرقعة بالنسبة لمورفي بمثابة نقطة اتصال تمنحه الإحساس بالاستمرارية، وبنمطية تشعره بوجوده دون تفعيل له.
وتأتي ذروة الحبكة والنهاية بصورة مفاجئة، في الوقت الذي اجتمع فيه كافة أفراد الطرف الآخر بانتظار عودة مورفي، ليأتي بدلا منه خبر موته احتراقا خلال نومه بسبب خطأ ارتكبه أحدهم في غرفته حيث أدار مفتاح الغاز بدلا من الصنبور.
الكتاب: مورفي
تأليف: صموئيل بيكيت
الناشر: غروف بريس ـ لندن 1993
الصفحات: 288 صفحة
Murphy
Samuel Beckett
Grove Press -UK 1993
p.288

