يتفق الجميع أن الثورة الفرنسية الكبرى، المعروفة باسم الثورة البورجوازية التي قامت في عام 1789 هي أحد أكبر الثورات في التاريخ الإنساني. لكن تلك الثورة عرفت في سنواتها الأولى نزاعات وفترات إرهاب وقمع دموي ومنافسة حادّة على السلطة.
والمؤرخ البريطاني «وليام دويل»، المختص بالقرن التاسع عشر الفرنسي عامة وبالثورة الفرنسية يناقش في كتابه «الأرستقراطية وأعداؤها» دور الأرستقراطية الفرنسية ومكانتها في سنوات الثورة وما تعرّضت له من هجوم قبل أن يعود نجمها للصعود من جديد في القرن التاسع عشر بعد فشل «الثوريين» في إنهائها رغم كل ما أصدروه من قوانين ترمي إلى «إلغائها». وهذا ما يناقشه المؤلف على مدى الفصول التسعة التي يتألف منها هذا الكتاب.
وتحت عنوان «الارستقراطية الصاعدة: عالم الارستقراطية في القرن التاسع عشر» يبيّن المؤلف كيف أن إرادة التخلص النهائي من الارستقراطية الفرنسية التي سادت خلال ما يعرف ب«النظام القديم»، أي السابق على الثورة الفرنسية، بدت أنها عاجزة عن تحقيق هدفها.
ذلك أن النبلاء الارستقراطيين استطاعوا بعد فترة من القمع الذي تعرّضوا أليه ونزع ملكياتهم، استرداد الكثير من ممتلكاتهم. لكن هذا لا يمنع المؤلف من القول أن النبلاء الفرنسيين في القرن التاسع عشر كانوا قد عرفوا «تحوّلا» حقيقيا وبقيت عالقة في أذهانهم التجربة الثورية بحيث أنهم لم يستعيدوا واقعيا دورهم وامتيازاتهم القديمة.
ويشرح المؤلف أن الارستقراطية سادت في فرنسا، وفي أوروبا عامة، خلال فترة زمنية طويلة وعرفت أوج سلطتها في القرن الثامن عشر إلى أن حلّت الحقبة الثورية اعتبارا من مطلع عقد التسعينات في القرن الثامن عشر حيث واجهت تلك الارستقراطية محاولات الانتهاء منها بصورة كاملة. لكن الارستقراطيين لم يكونوا يشكّلون مجرد طبقة فحسب، بل كانوا سلطة حقيقية لديها تفرعاتها داخل المجتمع، وذلك بمساعدة عدد من الإيديولوجيين والمؤرخين.
ويلقي المؤلف نظرة تاريخية على تشكّل الارستقراطية في أوروبا حيث يعيد أصولها إلى العصور الوسطى. وكان أفرادها في الأصل، إلى جانب طبقة الفرسان، من المحاربين الذين أقسموا يمين الولاء لحاكمهم مقابل منحهم ساحات من الأرض. لكن مرتبتهم «القتالية» تراجعت بعد تشكّل الجيوش الحديثة بينما احتفظوا بممتلكاتهم من الأرض وخلافها.
كذلك تدنت تدريجيا مرتبتهم الاجتماعية ـ الاقتصادية بعد تعاظم دور شرائح جديدة من التجار والحرفيين اعتبارا من عصر النهضة الأوروبي في القرن السادس عشر. هكذا كان التاجر الثري في المدينة أكثر نفوذا من النبيل ـ الارستقراطي ـ الصغير في الأرياف.
ويشرح المؤلف أنه في فرنسا هبطت مكانة طبقة النبلاء القديمة ذات الأصل العسكري «نبالة السيف» بينما ارتفعت مكانة طبقة نبلاء جدد، خاصة بين أولئك الذين منحهم الملك مرتبة في القضاء، وما يُعرف ب«نبالة القضاء». هكذا كانت ترتسم في الأجواء منافسة على السلطة. ووجدت تلك المنافسة ترجمتها الكبرى في الثورة الفرنسية التي اعتبر فيها الثوريون أن الارستقراطيين يمثلون بحكم طبيعتهم وما يمثلونه من مصالح طبقة تضطهد الشعب.
وباسم هذا الشعب حاولت الحكومات الثورية أن «تلغي» الارستقراطية، كما يشرح المؤلف في فصل يحمل عنوان: «إلغاء الارستقراطية: صعود وانحطاط نظام النبلاء». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه في ليلة 4 اغسطس من عام 1789، عام الثورة، جرى إلغاء مرتبة «النبيل» رسميا لتحل محلها كلمة «ارستقراطي». لكن بعد عشرة أيام فقد تحدّث الثوريون عن «اكتشاف مؤامرة يحيكها الارستقراطيون». وكانت الشعارات التي رددها الجميع آنذاك: «الارستقراطيون إلى أعواد المشانق».
ورغم إعادة الاعتبار التي عرفتها الارستقراطية في القرن التاسع عشر، كما يشرح المؤلف، فإنه خلال سنوات ما بعد 1789 أصبحت صفة «الارستقراطي» لكل أولئك الذين كانوا يبدون أن سلوك يقترب مما كان سائدا في ظل «النظام القديم».
وجرت في ذلك السياق أشكال عديدة من التجاوزات إذ لم يتردد أعداء الارستقراطيين في تحملهم وزر جميع الأخطاء والجرائم ونالوا بذلك العقاب في شخصهم وفي ممتلكاتهم. وهذا ما يشرحه المؤلف بالكثير من التفاصيل في الفصل الثامن من الكتاب المكرّس لسنوات: «1790-1790»، كما يؤكد عليه في الفصل الأخير الذي يحمل عنوان «الإرهاب خلال سنوات 1792-1799».
لقد حاولت ثورة 1789 البورجوازية في فرنسا أن تلغي أعداءها الارستقراطيين، لكنها لم تفلح في ذلك إذ عادوا للنهوض من جديد مع بدايات القرن التاسع عشر. لكن «تجربة الثورة» تركت آثارها عميقة عليهم.
وما يحاول وليام دويل، مؤلف هذا الكتاب، البرهان عليه هو أنه إذا كان الثوريون الفرنسيون قد أخفقوا في محاولتهم الرامية إلى «إزالة» الارستقراطية ونبلائها فإنهم دفعوا إلى ولوج مسيرة الانحطاط الارستقراطي خلال القرنين المنصرمين.
المؤلف في سطور
وليام دويل هو مؤرخ بريطاني مختص بالقرن التاسع عشر الفرنسي، أستاذ في جامعة بريستول وعضو الأكاديمية البريطانية. من مؤلفاته: «تاريخ اكسفورد للثورة الفرنسية» الذي أصبح مرجعا في ميدانه و«الثورة الفرنسية: تاريخ مختصر» و«روبسبيير» و«أصول الثورة الفرنسية»، الخ.
امتيازات النبلاء
الانتماء إلى النبلاء الارستقراطيين كان يعني الحصول على العديد من الامتيازات، الموروثة في أغلب الأحيان، ولكن التي قد تكون فردية. وبكل الحالات كان النبلاء ينتمون إلى الشرائح الأكثر علوا في المجتمع خلال الحقبة الإقطاعية. وكان الارستقراطيون الفرنسيون يتمتعون في فترة ما قبل الثورة الفرنسية بكثير من الامتيازات على صعيد الضرائب وغيرها.
الكتاب: الارستقراطية وأعداؤها
تأليف: وليام دويل
الناشر: جامعة اوكسفورد 2009
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
Aristocracy and its ennemies
William Doyle
Oxford University Press 2009
p.483
